العدد 10  | أيار - حزيران 2002

لربما كل شيء هو رد متأخر على الكارثة
موشيه شنر

 الدمار متعدد الأبعاد الذي حلّ بشعب إسرائيل في القرن الأخير له تأثير بعيد المدى، ولم يبدأ بالنفاذ إلى وعينا إلا الآن فحسب

 

إن الاختلاف حول مصير الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة هو اختلاف وجودي يجزئ المجتمع الإسرائيلي لأكثر من جيل كامل. هناك من يميل إلى النظر إليه كاختلاف آخر في سلسلة الاختلافات العميقة التي مزقت الشعب اليهودي على مر الأجيال. يعتقد موشيه شنر أنهم مخطئون: "الشلل الروحاني الذي يسيطر على أجزاء من شعب إسرائيل، وكذلك الإحساس بأن الفجوات الثقافية في المجتمع الإسرائيلي تهدد الوجود القومي للشعب اليهودي، لا يمكن شرحها كجزء من ذلك التراث". حول مسألة هوية اللاجئين اليهود.

 يستوجب الواقع الإسرائيلي انتباها فوريا وردود مستعجلة على المسائل الملحة وعلى المعضلات الحادة التي نواجهها صباح مساء. في خضم النقاش السياسي والمواجهة الثقافية المحتدمة التي ترافقه، لا يمكننا دائما إيجاد القدرة على اختبار حجم الانشقاق الثقافي-الروحاني الذي عاصره شعب إسرائيل، انشقاق يوجه إلى حد كبير هذا النقاش. يحاول هذا المقال عرض الاضطراب الثقافي والسياسي في المجتمع الإسرائيلي كجزء من أمواج التصدي لهذا الانشقاق العميق الذي عاصره شعب إسرائيل في القرن العشرين، انشقاق يخلف وراءه دمارا ودهشة، أو "منطقة منكوبة" Ground Zero في المعجم المتجدد منذ أحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة.

الجدل واختلافات الرأي كانت دائما جزءا من نسيج الحياة الثقافية لشعب إسرائيل، ولا تنجح محاولات عرض تاريخ إسرائيل على أنه وحدة متجانسة، ليست متغيرة، في إخفاء وجود الاختلافات في وجهات النظر عن العين الفاحصة، حيث كانت هذه الاختلافات ثقافة أحيانا وأقل "تربوية" في أحيان أخرى. غير أن الشلل الروحاني الذي يسيطر على أجزاء من شعب إسرائيل، وكذلك الإحساس بأن الفجوات الاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي تهدد الوجود القومي للشعب اليهودي، لا يمكن شرحها كجزء من  ذلك التراث.

الدمار متعدد الأبعاد الذي عرفه شعب إسرائيل في السنوات المائة الأخيرة هو ذا تأثير بعيد المدى، بدأ يتسرب إلى وعينا الآن فقط. لم يعد لدينا عالم له وجهة ومعنى ونظام داخلي، بل شظايا إناء مكسور وذكريات. مرة ثانية، الإنسان اليهودي لا يعرف من أين أتى وإلى أين يذهب، وأمام من سيُحاسب، ، ن حوسب أصلا. العالم الواضح الذي كان قائما في الماضي، الذي دُمر، والعالم المهشم في أيامنا والعلاقات السائدة بينهما تقبع في روح الإنسان اليهودي، هي التي تشترط، إلى حد كبير، الصراع الثقافي الذي يواجهه المجتمع الإسرائيلي، وتصعّب على الجمهور اليهودي، كشعب من اللاجئين والناجين، إدارة حوار بناء بداخله حول مستقبله.

"عالم واضح"
إحدى التجارب الأكثر صعوبة على الإنسان هي تجربة الواقع غير المبني وغير المسيطر عليه. عمليا، أي مشروع ثقافي هو محاولة خلق عالم مفهوم من فوضى الواقع الأولية، يمكن للإنسان فيه أن يكون إنسانا. "بالنسبة للإنسان، فإن فهم العالم هو جلبه لما هو إنساني، ترك البصمة الإنسانية فيه... هذا الحنين إلى الوحدة، تلك الشهية إلى المطلق، تجسد المجريات الأساسية في الدراما الإنسانية..." (ألبير كاميه، "أسطورة سيزيفوس"، عام عوفيد، 1990).

   

للتاريخ الجماعي ساعة توقيت تختلف عن ساعة الإنسان الفرد. لقد حدثت الأحداث، ولكن الجمهور يحتاج إلى وقت لاستيعاب ما يحدث والإحساس بموجات الدفع. تعمل هذه الموجات قبل أن يتمكن عالم الاجتماع أو المؤرخ من الإشارة الأكيدة إلى العمليات التي تدفع موجات الدفع هذه. 

 

الترسيخ الثقافي داخل الأنماط النموذجية يتم في الغالب في المجالات الثقافية والعلوم الإنسانية، غير أنه موجود أيضا في مجالات أخرى تبدو لنا لأول وهلة كمجالات معرفة موضوعية. الإنسان الذي "يكتشف" قوانين الطبيعة، يحظى بإحساس السيطرة على الواقع العالمي، الذي يدعوه "طبيعة". العالم الذي ينجح في الوصول إلى وصف واقعه الطبيعي يشعر بنفسه وكأنه عالم لاهوت، عالم ميتافيزيقي، وعالم في أصول اللباقة. في مجال العلوم الإنسانية، تنظم الحضارة الإنسانية عالم الإنسان حسب مقاييس الزمان والمكان ولغة قيمية بواسطة السرد الذي يربط بين عناصر عالم الإنسان ويبني منها جميعها بيتا. نحن نعيش في مجتمع مدمن على الروايات ويؤله أبطال هذه الروايات (هوليوود)، إلا أننا نقلل من تقييم مثل هذا السرد في بناء عالم الإنسان في الحياة، خارج قاعات المسرح والسينما. البيت الميتافيزيقي الروائي، الذي يعيش فيه الإنسان يمنحه الأمان والمعنى، وعندما يحلّ به الدمار، يجد الإنسان ذاته وحيدا بين براثن مصيره.

لقد تبلور إدراك شعب إسرائيل هو أيضا في إطار نموذج قصصي، يبلور هوية وآفاق المجتمع اليهودي الروحانية، وكذلك هوية وآفاق أفراده. نتساءل نحن ما الذي يجعل الإنسان أو الجمهور يتشبث بإيمان معين بالذات، اليهودية في سياقنا هذا، أو بسلم قيم محدد. تكمن الإجابة في السرد (الرواية) الذي يعيشه الإنسان في إدراكه. يمكننا القول أنه من وجهة نظر الإنسان الذي عرف نفسه كيهودي، تتم هذه البلورة خلال أجيال كثيرة في إطار الرواية اليهودية الغنية، التي توارثتها الأجيال.

 دراما من القدسية
كيف ندعي وجود أسطورة في قلب ثقافة توحيدية؟! مصطلح "أسطورة" له شحنة سالبة في الأديان السماوية عامة وفي تراث إسرائيل خاصة، بكونها عنصرا من الثقافة الوثنية، التي حاول الدين اليهودي التغلب عليها بكل ما أوتي من قوة. من ناحية الفكر اللاهوتي اليهودي، الأسطورة هي "دين الآخر". هذه آثار كبرياء فكري، يحاول تطهير الإنسان اليهودي من البعد القديم
للحضارة البشرية. رغم هذه الرسالة الحصيفة، يُسمح لنا بإمعان النظر في وجود أسطورة يهودية داخل عالم اليهودية، كرواية تبلور الوعي الجمعي، دون أن تتحمل الجماعة تهمة الكفر الوثني. علم الظواهر في الدين وعلم الأنتروبولوجيا، كثيرا ما يتناولا الأسطورة ووظيفتها في بناء الحضارة الإنسانية. يصادف الإنسان الواقع الخام لبيئته كواقع فوضوي "بارد"؛ تنظم الأسطورة الواقع وتزرع فيه المعاني، وتحدد أنماطا يمكن محاكاتها وتتيح بذلك وجود مجتمع بشري. الأسطورة الحية هي ما نختاره نحن كسياق لأحداث حياتنا.

معتقدات إسرائيل المتوارثة تروي لنا أن الله هو إله التاريخ، وتدور تحت حكمه دراما من القدسية. يتبوأ مركز هذه الدراما الكونية اثنان: إله إسرائيل وشعب إسرائيل، وإلى جانبهما يمثل ممثلون ثانويون مثل سائر شعوب الأرض. لا تدور أحداث هذه الدراما في السماء، ولا على قمة جبل تغطيه الثلوج، مسكن الآلهة الأسطوري، ولكنها دراما دنيوية تتصدر المجريات التاريخية العالمية كلها. إنها أسطورة كبيرة ينسب إليها العهد القديم من الكتاب المقدس، ومن ثم الأدب الحاخامي، تعاليمها الجوهرية. للأحداث التاريخية وظيفة هامة في بلورة وجهة نظر جماعية، وتتحول هذه الأحداث إلى معالم بارزة في بلورة الهوية الدينية-القومية. عندما يجمل موسى النبي إنجازاته قبل انتهاء فصل الترحال في الصحراء وقبل دخول شعب إسرائيل إلى أرض الميعاد، يطلب من جمهوره أن يحفظ عن ظهر قلب القصة: "اُذْكُرْ أَيَّامَ الْقِدَمِ، وَتَأَمَّلُوا سِنِي دَوْرٍ فَدَوْرٍ. اِسْأَلْ أَبَاكَ فَيُخْبِرَكَ، وَشُيُوخَكَ فَيَقُولُوا لَكَ..." (سفر التثنية، الأصحاح الثاني والثلاثون، الآية 7)

تعلو في هذا الحوار بين شعب إسرائيل وإلهه، في إطار تاريخ القداسة، أسطورتان قوميتان "مرموقتان": قصة الخروج من مصر – " أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ..." (سفر الخروج، الأصحاح العشرون، الآية 2؛ سفر الخروج، الأصحاح الرابع عشر، الآية 31؛ سفر التثنية، الأصحاح السادس، الآية 20-21، وفي العديد من المواضع الأخرى)، وقصة مكانة جبل سيناء وتنزيل التوراة – تذكر  "فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَقَفْتَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ..." (سفر التثنية، الأصحاح الرابع، الآية 10). أكبر ثلاثة أعياد لدى شعب إسرائيل تأتي جميعها لتمجيد وتعزيز تسجيل هذه الأحداث التي عشّشت في الوعي القومي. يعتمد الإيمان على الالتزام بالأحداث "التاريخية" (بين حاصرتين، لأننا لا نتحدث هنا عن حقيقة أثرية – أين كانت نقطة عبور البحر بالضبط – بل عن حقيقة روائية، أسطورية، بمفهومها الواسع، كما تمت روايتها في الروايات القومية). إله الأنبياء هو ذاته الإله الحاضر الموجود والذي يعمل داخل الروايات الشعبية، وبهذا الإله الوطني هم ملتزمون. ليس هذا الإله إله نخبة روحانية، بل إله مشارك ونشط يعيش في روايات ولادة شعب إسرائيل.

ليس هذه إعادة نظر في صورة الإله فحسب – الإله المشارك والذي يهمه الأمر – بل إنها أيضا مفهوم جديد للتاريخ البشري: مجريات الأحداث، كل عنصر فيها له معنى وموضوع رسالة من الوحي. التاريخ كله إلهي، ولا ذكر فيه لما يفعله القدر أو قوى الظلام.

   

في مجالات معينة تم تجنيد أدب الاستسلام، بهدف تسوية استحالة استمرار الوجود اليهودي بعد الكارثة. من أبرز عناصر هذا التوجه هو وجهة النظر الحاريدية، التي حاولت منذ فترة الكارثة، تسوية مشكلة الكارثة بوسائل توراتية، في إطار الرواية اليهودية الحاخامية. بالرغم من ذلك، هناك مفكرون شعروا بأن وسائل الوعي اليهودي التقليدية لم يعد يمكنها استيعاب رعب الواقع

 

مفهوم الإله القادر على كل شيء، الذي يبسط سلطانه على كل ما يحدث على وجه البسيطة، هو من الأفكار المركزية في تعاليم الحاخامين اليهود. إلا أن هذه الترجمة لفكرة رعاية الإله وقدرته إلى مخطط تاريخي عام هي موضوع تختلف الآراء الفكرية حوله بين فئات شعب إسرائيل المختلفة في فترة الهيكل الثاني: هل يوجد عقاب قديم، كما يعتقد الفريسيون، أو أنه لا يوجد مثل هذا العقاب، كما يعتقد الصدوقيون؟ مع انتصار الفريسيين في النزاع على زعامة الأمة، تعزز قالب المفهوم التاريخي كتجلٍ لخطة إلهية. تحول التاريخ إلى خطة إلهية منظمة، إلى علم من علوم اللاهوت. المستقبل كله، من ناحية الله، هو حاضر معروف. تجسد لنا التعاليم هذه الرواية في القصة التلمودية عن موسى، الذي صعد إلى الأعالي ليتقبّل التوراة وها هو يجد الله ليس في عجلة من أمره ويربط بين التيجان والحروف ويمجّد بالكلام (تلمود بابلي، منحوت 29، 72)، ويرد الله على استغراب موسى أمر تباطؤ الله: "يوجد إنسان واحد [بصيغة الحاضر] الذي من شأنه أن يكون [بصيغة المستقبل] واسمه عقيفا بن يوسف؟". عقيفا بن يوسف، عند تنزيل التوراة، وفق النظر إلى الواقع التاريخي للبشرية، هو أمر مستقبلي، وهو من ناحية الله أمر حاضر للغاية، لأنه كان قد سُجّل في الخطة التاريخية التي أمامه.

 مشكلة لاهوتية خطيرة
هذا القالب المفاهيمي في القصة التاريخية، المعروف كله حتى وإن كان جزء منه لم يتحقق بعد، تحول إلى النموذج الرئيسي في اليهودية الحاخامية حتى عصرنا الحديث. يروي الإنسان اليهودي لنفسه ولأولاده، على مر مئات السنين، عن العائلة المختارة، عائلة الأجداد، التي تحولت إلى شعب مختار ومقدس له عهد إلهي وأقوال الله عهدة بين يديه، وبمقدوره هو فقط تحقيقه في تاريخ الإنسان. حين حاول الحاخام يهودا هليفي، في منتصف القرن الثاني عشر، تقوية إيمان أبناء جيله، الذين يتخبطون بين انتمائهم إلى شعب إسرائيل وبين اعتناق دين آخر أو تبني هوية فلسفية كافرة، كتب قصة تحولت إلى عقار ذي قيمة أبدية في تراث إسرائيل، "الخزري". الأسطورة القديمة عن مملكة الخزر، التي تروي بأن ملك الخزر قد أجرى مباراة بين ممثلي المعتقدات الكبيرة، لكي يختار طريقه الروحاني، حيث تحولت هذه الأسطورة إلى أداة تثقيفية بين أيدي الحاخام يهودا هليفي ليشرح لأبناء جيله لماذا دين "الصديق"، دين الحاخام يهودا هليفي، أفضل من باقي الأديان. ما هو المديح الذي يمتدح اليهودية به والذي يطلع الحاخام يهودا هليفي جمهوره المتخبط عليه؟ هذه ليست أقوال لاهوتية رفيعة المستوى، بل هي تلك الأسطورة القديمة، التي بدأت منذ البدء وستنتهي بانتهاء الدهر. القصة هي الوسط
(milieu) الذي تتشابك فيه كل المعتقدات، الآراء والشخصيات الفاعلة: شعب إسرائيل، إله إسرائيل وأديان العالم.

   

الدمار متعدد الأبعاد الذي حلّ بشعب إسرائيل في القرن الأخير له تأثير بعيد المدى، ولم يبدأ بالنفاذ إلى وعينا إلا الآن فحسب. العالم الواضح الذي كان قائما ذات مرة، والذي دُمّر، والعالم الكسير في أيامنا هذه والعلاقات بين هذين العالمين في روح الإنسان اليهودي هي التي تشترط الصراع الذي يواجهه المجتمع الإسرائيلي

 

النظر إلى التاريخ كحلبة تجلّ لله وحده، والإيمان الجوهري التوحيدي بإله العدل إلى جانب التطلع إلى رعاية العدل في العالم، زادت من حدة مشكلة "عدل القضاء" بشكل كبير. مسألة الملائمة بين مبدأ العدل الإلهي وبين الواقع هي مشكلة لاهوتية كبيرة، تتمخض عن تهديد حقيقي وتحد دائم للفكر اليهودي. إذا كان الإله القادر على كل شيء يجسد الخير المطلق والعدل، فمن أين تأتي إلى العالم المعاناة، الجوع والكوارث الطبيعية؟ التساؤل التالي ليس بأقل حدة: كيف يمكن للإنسان أن يصمد أمام معاناته؟ كما أن التساؤل الأخلاقي: إلى أين توجّه المعاناة الإنسان؟ هذا هو بمثابة عقب أخيل في الفكرة التوحيدية. أدب "عدل القضاء" لا يمكن أن يسمح لنفسه بالرد ردا (أبيقوريا) ينغمس في الملذات الحسية بروح المقولة: (لا دين ولا ديان)، وهو يبذل قصارى جهوده ليدمج بداخله أيضا اللحظات الأكثر إيلاما في حياة الإنسان.

دراما القدسية التي يرويها شعب إسرائيل لنفسه، على مر الأجيال، تكتنز بداخلها أيضا صورة المستقبل وأمل حي، بأن هذا المستقبل سيتحقق في إطار الرواية الموعودة. هذه هي رواية "المشيح" اليهودية بمختلف أشكالها. اليهودي الذي يعيش القصة بأكملها يحمل بداخله إيمانا كاملا بأن مسيح إسرائيل سوف يأتي لا محالة، وأن سيناريو الخلاص الموعود في الرواية المقدسة سيتحقق. إنه ينتظر أحيانا بصبر، يكاد يكون يأسا، لتحقيق المستقبل الموعود. أحيانا يفقد صبره ويرمي بالنهاية جانبا.

"المشيح" هي قوة دافعة هائلة، طاقة روحانية تنبض في قلوب الشعب اليهودي على مر الأجيال، وفي أكثر من مرة، دفعت هذه الطاقة عجلات التاريخ اليهودي الواقعي قدما.

 

   

إمكانية أن يكون العالم عالما يفتقر إلى وجود الله، يفتقر إلى عناية إلهية ويفتقر إلى وجهة أخلاقية أيا كانت، هذه الإمكانية آخذة في التغلغل في بنية هوية الإنسان اليهودي. هل حقا يمكننا أن نأمل بمجيء المخلص، بعد أن تأخر في مجيئه حتى عندما قُتل ملايين اليهود؟ الإيمان بمجيء المخلص هو الاستعارة اليهودية الأكبر للتعبير عن إيمان عنيد بمستقبل أفضل

 

هذه القصة، الرواية اليهودية الكلاسيكية لشعب الله المختار الذي يحمل بين يديه تعليم الله على مر التاريخ، هي قصة يحاول الجهاز التربوي اليهودي إكسابها، وهي ما تعبّر عنه أعياد إسرائيل، وهي ما نحن نحتفل به في عشية الفصح وهي ما تعبر عنه الطقوس في الكنيس. هذه الرواية، الرواية الحاخامية، ضعفت جدا قبل عصرنا الحديث، وقد وجد يهود العصر الحديث أنفسهم خارج هذا الإطار. لقد منيت هذه الرواية، في القرن العشرين، بهزيمة نكراء.

الصدّع
كانت اليهودية الشرقية (السفراديت)، على مر مئات السنين، مصدرا للإلهام والتأثير على تطور الشعب اليهودي. حين أجلي يهود إسبانيا، كانوا يتمتعون بقوة انخراط هائلة في الأماكن التي وصل إليها النازحون في ترحالهم، وخاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط. إلا أنه في الثلاث قرون الأخيرة بدأ يضعف تأثيرهم، بسبب المحافظة الدينية النسبية لليهود الشرقيين، وكذلك بسبب أن معظم اليهود الشرقيين سكنوا في بلاد تخلفت عن التطور التكنولوجي والحضاري في العصر الحديث في أوروبا.

في القرون الخمسة الأخيرة أخذ مركز حياة اليهود ينتقل من شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا الشرقية. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عاش في أوروبا الشرقية 70% من الشعب اليهودي - 85% من اليهود الشكناز وقد كانوا المجموعة الأكثر إبداعا والتي اشتملت على الحركات الثقافية والجماهيرية الرئيسية في الشعب اليهودي. في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان عدد اليهود في العالم حوالي ثمانية ملايين نسمة، منهم حولي سبعة ملايين في أوروبا، ومعظمهم من الشكناز (حوالي أربعة ملايين في روسيا القيصرية، مليون ونصف المليون في القيصرية النمساوية-الهنغارية، 550,000 في ألمانيا المتحدة، 300,000 في الإمبراطورية العثمانية، والبقية في شمال أفريقيا، في الشرق الأوسط وفي أمريكا الشمالية).

في بداية القرن العشرين، كانت يهودية شرق أوروبا كتلة متماسكة بلغ تعدادها حوالي ثمانية ملايين يهودي، وتمركزت في منطقة موحدة، كان يسكنها أكثر من عشرة شعوب وشعوب صغيرة مختلفة، متخلفون نسبيا من الناحية الثقافية، وقد كانوا جزءا من إمبراطوريتين متعددتي الشعوب: النمساوية-الهنغارية والقيصرية الروسية. فنشأت في هذا الخليط ظروف مشتركة، إيجابية وسلبية، لتطور وطني مثمر ومتعدد الأوجه للشعب اليهودي في أوروبا الشرقية. كان اليهود مركزين، عادة، في أماكن سكن مكتظة في المدن والبلدات، وكانوا يشكلون فيها أحيانا أغلبية مطلقة أو نسبية. البنية القومية-الاقتصادية لليهود أدت إلى اختلاف اليهود عن سائر السكان، ليس من الناحية الإقليمية فحسب، بل كذلك من الناحية الاجتماعية-الاقتصادية؛ في حالات معينة، كانت تتركّز فروع كاملة من الاقتصاد بين يدي اليهود، لدرجة أنهم هم من كان يحدد أيام العطل.

 في مقولة أحادية الجانب بعض الشيء، ولكنها تستند إلى المعطيات اليهودية آنفة الذكر، وصف يعقوب لشتشينسكي، وهو كاتب سيرة شعب إسرائيل، الحيوية اليهودية في تلك المنطقة:
"كل الأعمال الإبداعية اليهودية في الفترة المعاصرة، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الثاني من القرن العشرين، سواء أكانت سياسية-وطنية أو روحانية-ثقافية، التي توزعت في عشرات البلاد والدول التي عاش فيها الشتات اليهودي، نبع معظمها من هناك، من الينبوع النابض ومصدره تاريخ اليهودية البولندية المحافظة، التي أسندت وظيفتها الرئيسية فيما بعد إلى فرعها وهو يهودية روسيا.
الصهيونية بكل أشكالها وفروعها، الاشتراكية اليهودية، اللا-سلطوية، الصحافة اليهودية والعبرية، الأدب ثنائي اللغة، الفن والموسيقى اليهوديين، علم اليهودية بأساسه المعاصر الجديد القريب من الواقع – كل هذه الأمور تنبع من هناك، ومن هذه اليهودية الحية والمنتعشة كانوا يستقون حيويتهم وجوهرهم، الانطلاق والشجاعة على خلق التشوق إلى النضال حتى السنوات الأخيرة التي سبقت الحرب العالمية الثانية" (يعقوب لشتشينسكي، "الشخصية القومية ليهود المهجر"، تل أبيب، 1959، صفحة 42-43).

هذا العالم المفعم بالحيوية وبالقدرة على تجدد اليهودية، قد دُمّر. من أصل 8.3 مليون يهودي، بقي حوالي 2.4 مليون. دُمرت مراكز الحياة اليهودية، حتى وإن لم يكن كل اليهود الذين عاشوا فيها عشية الحرب قد أبيدوا. مراكز الحياة اليهودية -ومعظمها قائم منذ مئات السنين، وبعضها له جذور تعود إلى آلاف السنين- (تسالونيكي، على سبيل المثال) كانت ولم تعد قائمة.

 المسبب الآخر للدمار
يبين حساب الحرب العالمية الثانية الدموي، أنه في البلاد التي كانت مركز الثقافة اليهودية القومية بالذات، كان الضياع أكبر بشكل مميز: بولندا
(87.7%)، ليتوانيا (86.6%)، لاتفيا (84%)، واليونان (80%)، من يهود تشيكوسلوفاكيا، أبيد حوالي 76%، وبين أوساط يهود الاتحاد السوفييتي حوالي 70%. في رومانيا وهنغاريا أبيد حوالي 50% من اليهود، في كل منهما على حدة، في هولندا 70% وفي يوغوسلافيا 73%. في ليتوانيا ولاتفيا، حيث أكثر من 80% من الأولاد فيهما كانوا يتعلمون في مدارس يهودية-عبرية، أبيدت فيها الأغلبية العظمى من السكان اليهود.

كانت الكارثة، من الناحية التاريخية، المسبب الثاني فقط لضياع يهودية أوروبا. التنقل والهجرة الكبيرين كانا أول ظاهرة بارزة في تاريخ يهود شرق أوروبا. ما بين السنوات 1840-1953 أكثر من خمسة ملايين يهودي تم تهجيرهم من أماكن سكناهم. هذا كان، بقدر كبير، إنقاذا للكثيرين من أبناء الشعب اليهودي من براثن الألمان. الهجرة الجماعية والإبادة الجماعية ليهود أوروبا فيما بعد، غيرا الخارطة الديموغرافية اليهودية تغييرا جذريا، وأديا إلى ارتفاع شأن مراكز حياة اليهود في الغرب. لقد تضرر بوجه خاص الفرع الأوروبي الشرقي من الشعب اليهودي. لقد قضت الكارثة على التيار الثوري الرئيسي لقوى الإبداع الصهيونية، الثقافية والقومية. إلى جانب هلاك يهودية أوروبا الشرقية، أتى أيضا هلاك سريع للغة الإيدش والثقافة التي تمثلها.

 لم يتخط الدمار كذلك العالم اليهودي الذي لم يكن تحت الاحتلال الألماني، الظروف السياسية بعد الحرب، والأكثر من ذلك، بعد إقامة دولة إسرائيل، أدت إلى هلاك مراكز الحياة اليهودية في كل حوض البحر الأبيض المتوسط، في العراق وفي اليمن. يهود العراق الذين كان تعدادهم حوالي 130,000 نسمة وكانت لهم جذور تعود إلى فجر التاريخ اليهودي في القرن السادس قبل الميلاد، هاجروا إلى إسرائيل وإلا بلاد أخرى. لم يباد أبناؤهم، ولكن هذا المركز الحياتي العريق قد ألغي. يهودية إيران التي كان تعدادها عشية عام 1948 حوالي 100,000 نسمة، كان مصيرها مماثل. يهودية المغرب – وعمرها مئات السنين فقط – التي كان تعدادها عام 1948 حوالي 240,000 نسمة، هاجر معظمها أيضا. يهودية اليمن القديمة، التي كان تعدادها عام 1948 حوالي 50,000 نسمة، هاجرت أغلبيتها العظمى ولم تعد تشكل بوتقة انصهار للحياة اليهودية.

 الشعب الأكثر تشتتا
ماذا كانت نتائج هذه التحولات؟ لقد اختفت مراكز الحياة اليهودية عريقة الجذور، وبعضها يبلغ عمره مئات السنين وأحيانا آلاف السنين، اختفت تماما تقريبا. الأغلبية العظمى من الشعب اليهودي تعيش اليوم في بلاد جديدة، من وجهة نظرها. كذلك المناطق القديمة تطلبت من اليهود بداية جديدة تماما. شعب إسرائيل، بأغلبيته الساحقة، شعب مهاجرين ولاجئين جاء بدلهم الجيل الأول والجيل الثاني والثالث والرابع، وليس بأكثر من ذلك! إنه شعب تلقى ضربات جسدية-ديموغرافية، ولكنه كذلك مقتلع من جذوره. من المهم أن نكرر بأن عمليات الثقافة و"التعلمن" (العلمانية) أثرا على نشاط يهود أوروبا قبل الكارثة بكثير، وأبعدت جماهير يهودية كبيرة عن تراث إسرائيل، كما وصفناه في الجزء السابق؛ غير أن الكارثة والدمار اللذان لحقا بالمجتمع اليهودي عززا الإحساس باليُتم وأديا إلى فقدان مرّ للأمل بأن البيت البديل لتراث إسرائيل سيتواجد في المجتمع المدني الأوروبي.

الشعب اليهودي، الذي كان يتركّز معظمه حتى منتصف القرن التاسع عشر في مركز أوروبا وفي شرقها – فيما عدا مجموعات صغيرة نسبيا في آسيا الوسطى وشمال أفريقيا – أصبح في القرن الأخير أكثر الشعوب تشتتا في العالم، شعب متميز متفوق. بينما كانت الهجرة إلى أرض إسرائيل في بداية القرن هجرة عقائدية، فإن معظم الهجرة اليهودية في منتصف القرن كانت من منطلق ظروف عنف خارجية. حياة اليهود أصبحت على كفة الميزان، وكان نصيبهم الملاحقة، الجوع الإهانة والإبادة. بينما كانت أبواب العالم الجديد، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ما زالت مفتوحة أمام اليهود، فقد أوصدت هذه الأبواب في القرن العشرين. كذلك بعد الكارثة كان مئات الآلاف من اللاجئين محتجزين على أرض أوروبا. هذا هو "عصر الهجرة" لشعب إسرائيل، وفق المصطلح الذي وضعه الفيلسوف اليهودي غير الصهيوني جورج شطاينر.

لقد تحول شعب إسرائيل من وضع تجمعات قومية ومتأصلة في شرق أوروبا، كانت تختلف إلى حد بعيد عن السكان الذين يحيطون بها ولذلك كانت لديها ظروف أسهل لنشوء وعي قومي، تحول هذا الشعب إلى واقع من الشتات الكبير بين شعوب ذات قدرة كبيرة على الدمج. من المعمول به اليوم التحدث عن الشتات وليس عن "المهجر"؛ مصطلح "مهجر" هو مصطلح فعّال، يجسد عدم الارتياح من الحاضر وتطلع إلى عالم سليم وأفضل، بينما مصطلح "الشتات" هو مصطلح "بارد"، ثابت، يصور الواقع ويمنحه الشرعية. مصلحة "المهجر" يعبر عن استعداد وأمل قومي مشترك، بينما يعبر مصطلح "الشتات" عن انفصال الهوية اليهودية إلى هويات مختلفة ومستقلة. نتيجة لذلك، زادت عملية الاندماج كثيرا وتزايدت الزيجات المختلطة كثيرا، حيث اجتازت في البلدان الغربية حد الخمسين بالمائة.

بالمقابل، أقيمت دولة إسرائيل، وهو إنجاز هائل من الناحية التاريخية القومية – إحياء اللغة العبرية والثقافة الوطنية، من خلال جمع الشتات – والاستيطان اليهودي الجديد في شمال أمريكا وغرب أوروبا قد قطع شوطا كبيرا ووصل إلى إنجازات اقتصادية واجتماعية لم يسبق لها مثيل في تاريخ شعب إسرائيل. غير أن هذا الواقع الواعد يقف حيال الهوة الشائعة من ماضي اليهود الحاضر وماضي اليود غير الموجود، الذي هو حاضر أيضا... بمجرد عدم وجوده. المجمع البشري الذي بنت عليه الصهيونية صورتها المستقبلية لم يعد قائما بعد.

 عزلة تامة
صور المعاناة والإهانة، الجوع والإرهاب، الموت الجماعي والتهديد بالإبادة التامة هو جزء مركزي في ذاكرة الشعب اليهودي الجمعية. دمار مراكز الحياة اليهودية في أوروبا، الإبادة البشعة لثلث من أبناء الشعب اليهودي والتهديد الذي يحوم فوق رؤوس سائر اليهود في العالم تترك بالضرورة آثارها الهدامة في قلب الوعي اليهودي.

هناك مفكرون يهود يتجاهلون شذوذ الكارثة وحجم الأزمة اليهودية في القرن العشرين. تم تجنيد أدب الاستسلام التقليدي، بين أوساط معينة، بهدف تسوية العبثية في استمرار الوجود اليهودي بعد الكارثة. من أبرز عناصر هذا التوجه هو وجهة النظر الحاريدية، التي حاولت منذ فترة الكارثة، تسوية مشكلة الكارثة بوسائل توراتية، في إطار الرواية اليهودية الحاخامية. حجم الإحساس بالتهديد الواقع على الإيمان كحجم الجهد اللاهوتي في إبعاد التهديد وإعطاء الكارثة تفسيرا في إطار الوسائل التراثية القائمة. رغم ذلك، هناك مفكرون شعروا بأن وسائل الوعي اليهودي التقليدي لم يعد بإمكانها استيعاب الواقع، وقد انكسرت حيال أحداث الكارثة.

جان أمري، أحد الناجين من أوشفيتس وبرغن-بلزن، مثقف أوروبي دون مأوى (ولد وتعلم في النمسا) من أصل يهودي، رأى في أوشفيتس نهاية التاريخ اليهودي. لقد قال، ربما يبدأ الآن شيء مختلف تماما (J. Amery, "Radical Humanism", 1984, p. 36). أمري يمثل تجربة المثقف الذي ليست له أية علاقة بالماضي والثقافة اليهوديين، إلا أنه كيهودي، ملاحق جدا من قبل المجتمع الأوروبي الذي يبغي موته. هذه هي عزلة تامة، تستند إلى ذاكرة الكارثة الجماعية.

إيلي فيزل، وهو أيضا من الناجين من معسكرات الإبادة، من أهم الناطقين بلسان الشعب اليهودي بعد الكارثة، قال في حينه عن الكارثة: "كان هناك منّا من بدت لهم الكارثة كجبل سيناء جديد جبل سيناء المظلم الذي لا أحد يعرف أي بشارة خفية يكشف لنا؟ هذه النظرية الفكرية – وأنا أنتمي إليها – تسند إلى الكارثة بعدا غيبيا يفوق قوة اللغة والخيال... " ("الوجود اليهودي من خلال الكارثة"، "شتات إسرائيل"، أيار-حزيران 1970).

جبل سيناء هو التشبيه اللاهوتي الأول في تراث إسرائيل لبدء تراث جديد، من العدم. فيزل، الذي يعرف هذه الدلالة جيدا، عاصر الكارثة كنقطة انطلاق جديدة، لم نفقه مضمونها وبشارتها بعد.

موقف إيلي فيزل حول الإيمان بعد الكارثة يتغذى على الإحساس بأن كل معاني الحضارة الغربية قد دُمرت بشكل عام، ولدى الشعب اليهودي بشكل خاص. الكارثة هي فراغ ميتافيزيقي، انعدام تام للمعنى، وصمة سوداء في تاريخ البشرية: "في الحقيقة، لا يمثّل أوشفيتس هشاشة الحضارة المسيحية، بآلاف سنواتها، بل يمثل أيضا انهزام الفكر الذي حاول إيجاد معنى ما – بالحروف العريضة – للتاريخ. لأن أوشفيتس لا يمثل أي معنى. الجلاد يقتل دون سبب، لا يوجد أي إله أمر الأول بنصب المشنقة وأمر الثاني أن يصعد إليها. لقد كان اليهود الذين اختاروا الموت في العصور الوسطى، على قناعة بأنهم إذا ضحوا بأنفسهم فهم يمجدون ويقدسون اسم الله. لم يكن للتضحية في أوشفيتس أي أساس، دون إيمان، دون إلهام من السماء. إذا كان هناك أي معنى لمعاناة الفرد، فلا يوجد أي معنى لمعاناة ستة ملايين. للأرقام أهمية خاصة بها، قوة خاصة بها؛ إنها تثبت، كما قال بيوتر رافيتس، أن الله قد جُنّ جنونه..." ("بين شمسين"، عادي، تل أبيب، 1972).

دخل فيزل الكارثة كإنسان متدين، فتى أبن طائفة متزمتة، كما يشهد هو، وقد كان منعزلا داخل أساليب التفكير اليهودي التقليدي. لقد كانت الكارثة بالنسبة له كسر لكل تلك القوالب الفكرية التي تمنح معنى للحياة وللتاريخ. فيزل هو رجل التراث اليهودي والحفاظ على الوصايا والذهاب إلى الكنيس بعد الكارثة أيضا، ولكن تجربة العلاقة بين الإنسان وإلهه وبين شعب إسرائيل وإلهه، الإله المخلص والآمر على حد سواء، قد انكسرت. حقل ذاكرة فيزل هو حقل تراث إسرائيل، من جهة، وذاكرة الألم والكوابيس، من جهة أخرى. كتجسيد لقضاء الله، الكارثة هي أمر غير محتمل ولا يمكن تقبلها. العهد ما بعد الكارثة هو عهد بين شعب إسرائيل وذكرياته وليس عهدا بين شعب إسرائيل وإلهه، الذي خيّب الآمال، أو ربما كان هو ذاته الضحية.

لقد حازت شهادة فيزل المنسقة حول ما رآه في أوشفيتس في كتابه "الليل" على شهرة عالمية. يصف فيزل عملية إعدام، وهي واحدة من بين عمليات إعدام كثيرة كان قد شهدها. فهو يتنبأ هناك بفقدان الله، الذي قتل. ("الليل"، دار النشر ترميل، وزارة الدفاع، 1966). بعد ذلك اليوم شعر فيزل بوحدة كبيرة من التيتم. لم يعد بإمكانه، في عيد رأس السنة ويوم الغفران في السنة التي تلت ذلك أن يرفع يديه للصلاة. رغم ذلك، تغمره قوة كبيرة تنبع من اعترافه العميق بأنه قد بقي وحيدا في العالم، ولم يعد بإمكانه الاتكال على والده الموجود في المعسكر ولا على والده الذي في السماء، بل على نفسه فقط.

 وهم مرير
منذ أن كان داخل الجحيم، في أيام الكارثة بالذات، يعبر الشاعر وباكي الكارثة إسحاق كاتسنلسون تعبيرا مباشرا عن تجربة العدم، لاجتماع معنى الحياة في العالم. "يوميات فيتل" و"القصيدة عن الشعب اليهودي الذي قتل"، اللتان كتبتا في صيف عام 1943 وخريفه، في معسكر فيتل في فرنسا، تشتملان على صرخته المرة على موت زوجته حانة وولديه الصغيرين، بنتصيون وبنيامين، وكذلك على هلاك شعبه، الذي رآه في أيام صباه في جيتو وارسو ("كتابات أخيرة"، هكيبوتس همئوحاد وبيت لوحامي هجيتئوت، 1929). بقلب ينزف منه الدم والدموع، بعد أشهر معدودة من إرساله هو أيضا مع ابنه البكر تسفي إلى أوشفيتس، يعبر كاتسنلسون تعبيرا مرا عن إمكانية دمار العالم اليهودي مع إبادة الشعب اليهودي. يخلق كاتسنلسون تشابها تاما بين كارثته الشخصية وبين هلاك الشعب اليهودي. يقول في توجهه إلى السماء، سماء الرواية اليهودية:

هيا اذهبوا اذهبوا! خدعتموني، خدعتم شعبي، عرقي، الأصيل.
منذ الأزل أحطموني بالكذب، وكذبتم على أنبيائي، على الأنبياء والأجداد
.
("القصيدة عن الشعب اليهودي الذي قتل
")

كاتسنلسون ليس يهوديا يحفظ الوصايا، ولكن كل شخصيته وكتاباته مفعمة بالتعاطف العميق مع تراث إسرائيل ومع مصير الشعب اليهودي. هذا التراث، الذي نظر إليه كمجموعة إيمانية بعالم العدل، تبدو الآن وهما مريرا، كذبا متواصلا لا معنى له. كتسنلسون لا يتوجه إلى الله بل إلى السماء، مصدر كل الوعود ووجهة كل الابتهالات . السماء التي كانت مصدر الإيمان والتوجيه الأخلاقي، أصبحت الآن سماء الكذب الفارغة والصماء. لم تغير الكارثة الحاضر والمستقبل فحسب، بل غيرت أيضا الماضي اليهودي الذي استقى منه التراث اليهودي مفعوله. تحول الماضي اليهودي في الكارثة إلى آخر، غريب، كذب متواصل.

كاتسنلسون ليس لاهوتيا؛ السماوات الفارغة هي بادئ ذي بدء تجسيدا لتجربته الداخلية، اليائسة، تجربة الموت التي تغمره. "القصيدة عن الشعب اليهودي الذي قتل" التي نظمها كاتسنلسون و"الليل" لإيلي فيزل هما شهادتان لإمكانية انهيار العالم اليهودي ووصوله إلى حتفه. من الممكن أن تكون العدمية (النهلستية) والسخرية اللتان تميزان نسيج الحياة الإسرائيلية قد تباطآ لفترة جيل واحد في وجه الاغتباط الصهيوني، وهو التعبير المباشر لليأس من وجود الحقيقة والعدل في العالم.

 عالم يهودي لا سماء له
كتب الباحث في تراث إسرائيل، غرشوم شالوم، عن التحدي الهائل الذي لم يسبق له مثيل والذي وضعته الكارثة أمام إدراك الشعب اليهودي ما يلي:

"...الصفعة التي انقضت على اليهودي الذي كان يعي هويته وعلى الكثيرين الكثيرين اللذين لم يعوها، في فترة النازية، عصفت بكافة مراكز الحياة اليهودية. ما زلنا غير قادرين على تقدير عمقها ؛ إلا أننا نستطيع أن نقدّر أن الأصداء والارتجاجات التي سببتها الكارثة تقف من وراء كل ما يحدث اليوم وتؤثر عليها جميعا".

"...لا يوجد أي حدث في تاريخ شعب إسرائيل أدى إلى مثل ما أدى إليه ذلك الحدث من سمو الأبعاد التي اكتشفت في التجارب السابقة من هذا التاريخ، لأن هلاك الملايين هنا بظروف مفجعة، والجهد الحثيث لبدء تاريخ جديد، تشابكا فيما بينهما" (غرشوم شالوم،  "خواطر حول اللاهوت اليهودي "،  "دفاريم بغو"، عام عوفيد، 1982، صفحة 588-589).

للتاريخ الجمعي ساعة توقيت تختلف عن ساعة الإنسان الفرد. لقد حدثت الأحداث، ولكن الجمهور يحتاج إلى وقت لاستيعاب ما يحدث والإحساس بموجات الدفع. تعمل هذه الموجات قبل أن يتمكن عالم الاجتماع أو المؤرخ من الإشارة الأكيدة إلى العمليات التي تدفع موجات الدفع هذه. 

لقد اعتصرت الكارثة قدرة التراث، بشكل لا يحتمل، لمنح معنى لكل حدث تاريخي، وطرحت على كل إنسان يهودي وعلى الفلسفة اليهودية أسئلة لا يمكن احتمالها:

هل الله هو المسئول أيضا عن هذه الحقبة من تاريخ شعب إسرائيل؟ ما هو معنى تلك المقولة الإيمانية اليهودية، "أبدية شعب إسرائيل لا تكذب"، بعد فظاعة أوشفيتس؟ كيف يمكن ملاءمة معسكرات الإبادة مع أي عدل إلهي؟ هل الله معلّق على حبل بالفعل، كما صوره إيلي فيزل في كتابه "الليل"؟ يحق للكاتب استخدام تشبيهات تتعدى حدود اللاهوت الإرادية المتشددة. كذلك عندما كتب نيتشه صورة المجنون الذي يعدو في شوارع المدينة في وضح النهار، يحمل فانوسه بيده ويعلن وفاة الله، لم يكن ذلك لاهوتا بل مقولة مجازية حول وضع العالم الذي تقطعت حباله عن مرساة أخلاقياته. إمكانية أن العالم يفتقر إلى وجود الله، يفتقر إلى العناية ويفتقر إلى وجهة أخلاقية أيا كانت، بدأت تغلغل في بنية هوية الإنسان اليهودي.

   

ليس صدفة أن يتطور في إسرائيل جمهور دافئ وحميم، إلا أنه يتصرف باستهتار وعدم ثقة بالكلمات الرنانة. لقد اعتدنا على إسناد عدم الثقة تجاه الحوار القيمي إلى آفات ما بعد الحداثة العالمية، ولكن ربما كانت تلك هي المحاولة اليهودية التي علمتنا أن لا حقيقة فيها

 

هل حقا يمكننا أن نأمل بمجيء المخلص، بعد أن تأخر في مجيئه حتى عندما قُتل ملايين اليهود؟ الإيمان بمجيء المخلص هو الاستعارة اليهودية الأكبر للتعبير عن إيمان عنيد بمستقبل أفضل. هل ضياع المخلص كعنصر أساسي وأكيد في صورة العالم اليهودي هو جزء لا يتجزأ من فقدان وجود الإيمان بالمستقبل في قلب الإنسان؟ هل اليأس المتغلغل الذي اجترّ الماضي اليهودي، يهدد باجترار مستقبله أيضا؟

كيف يمكن تربية أولاد يهود بعد أوشفيتس؟ نعم – كما يقول إميل باكنهايم – مصير الأولاد اليهود الذين نقلوا إلى الموت الأكيد بسبب قرار أجدادهم تربية أولاد يهود. اليوم، حين يقرر اليهود إنجاب أولاد إلى هذه العالم وإكسابهم الهوية اليهودية، فإنهم يدركون بالضرورة الاحتمال البعيد بأن يقوم أوشفيتس جديد، بظروف معينة، لأن ذلك قد حدث ذات مرة. إذا كان الأمر كذلك، لماذا هذا الإصرار على مواصلة البقاء اليهودي؟ اليأس الزاحف يهدد هنا أيضا، ويمكن أن يكون هو الذي يدفع القوة اليهودية الطاردة عن المركز. ليس إلزاميا صياغة الأمور بهذا الشكل، ولكن لهذا السؤال بعد من اللاوعي، يبعد الكثيرين من اليهود عن وجودهم اليهودي للبحث عن وجود في أحضان هوية أخرى، اجتماعية أخرى، جغرافية أخرى.

كيف ينظر اليهود إلى مكانتهم مقابل شعوب العالم الأخرى، هؤلاء اللذين ارتكبوا المجازر وذبحوا وأطلقوا النار، وهؤلاء الذين لاذوا بالصمت مكتوفي الأيدي؟ وقف الجار غير اليهودي، آنذاك، على نافذته وشاهد صامتا جاره اليهودي المنقول إلى سيارة الطرد. للإنسان اليهودي ما بعد القرن العشرين أسباب جيدة جدا، ستة ملايين سبب على الأقل، لعدم الثقة بأي إنسان وبأي مجموعة. رغم ذلك، هذه الشعور السلبي هو أيضا عدم الثقة بالقوانين الروحانية، في جوهره، ويجسد يأسا من العالم ومن الغير. شعب إسرائيل يتخبط اليوم في مسألة صنع السلام مع جيرانه الحاليين. هؤلاء هم أعداؤه في الوقت الحاضر، الذين من شأنهم أن يتحولوا إلى شركائه في المستقبل. هل انعدام الثقة الأساسي الذي ينبثق عن ذكريات الكارثة ويتغذى منها لا يؤثر على قدرة الإنسان اليهودي أن يقتني لنفسه جيران مسالمين؟

كيف يمكن للإنسان اليهودي أن يثق بالتطور البشري، بعد أن أتاح هذا التطور وجود آلة الموت الألمانية؟ كانت الحداثة مهد المرافق الصناعية التي ضمت قارة أوروبا بذراعي الموت وحملت بضحاياها، بشكل منتهج، إلى حتفهم. الديموقراطية الليبرالية الألمانية الفايمارية تبدلت بالاستبداد الفاشي الفتاك. من يتحدث اليوم عن الديموقراطية، من منطلق الإيمان العميق، وعن قيم الحرية والمساواة، عن قيمة الإنسان؟ ألا تقف عدم الثقة بالقوانين الروحانية والصهيونية على عتبات أبوابنا حين نتحدث عن "الجيد" وعن "العدل" وعن "تنفيذ القانون" وعن "كرامة الإنسان وحريته لمجرد كونه إنسانا" وغيرها وغيرها؟ ليس صدفة أن يتطور في إسرائيل جمهور دافئ وحميم، إلا  أنه يتصرف  باستهتار وعدم ثقة بالكلمات الرنانة. لقد اعتدنا على إسناد عدم الثقة تجاه الحوار القيمي إلى آفات ما بعد الحداثة العالمية، ولكن ربما كانت تلك هي المحاولة اليهودية التي علمتنا أن لا حقيقة فيها.

الاقتلاع السهل للثقافة وسطحيتها هما نتيجة تكاد تكون حتمية لدمار كبير جدا. الشعب الذي تم بناء هويته كلها على أساس قصة ينتقل من الأب لابنه وعلى أساس تراث ينتقل من معلم إلى تلميذ، هو شعب من اللاجئين والمهاجرين المقتلعين والمهجرين من عقر دارهم. ها هي تل أبيب المنتعشة، التي يصل عمرها إلى عشرات السنين، أمام تسالونيكي اليهودية، أورشليم اليونانية، التي بلغ عمرها آلاف السنين من التاريخ المتواصل وربما أكثر من ذلك؟ ما هو وزن جالية عمرها أربعة أجيال أمام السلالات العريقة من يهود فرنسا، إيطاليا، بلغاريا وما شابه ذلك؟ لقد فعلت عمليات الثقافة والعلمنة ما يحلو لها في نسيج الهوية اليهودية حتى قبل الكارثة، غير أن الصهيونية، التي كان بمقدورها قبل الكارثة إدارة حوار ثري مع العالم اليهودي الذي تمردت عليه، تجد نفسها بعد الحرب أمام عالم ضائع، أطلنطيس يهودية غاصت إلى الأعماق. لا يمجد ما يُستقى منه ولا يوجد ضد من نناضل. لحسن حظنا، أفراد يهود نجوا من الإبادة. نصوص يهودية تملأ المكتبة، ولكنها ليست تلك الشجرة عميقة الجذور من قوى الحياة والإبداع. أي حوار، إن وجد أصلا، يمكن لشاب إسرائيلي يتحدث بالعبرية ويخدم في الجيش الإسرائيلي ويخرج لقضاء وقت الفراغ مع أصدقائه يوم السبت، أن يديره مع أجداده، الذين كانوا هناك ورحلوا. حتى ولو التقى بهم، ماذا كان يمكنه أن يقول لذلك الجد، المحافظ على التقاليد، الذي يتحدث بلغة الإيديش أو اللادينو، والذي طالما حلم بأرض إسرائيل ولكنه لا يمكن أن يميز بين ركيفت (نبتة بخور مريم) وبين كلانيت (شقائق النعمان)؟ كيف يمكن بناء جسر فوق طبقة الرماد وأصوات الصراخ التي تفصل بين الحلقة الدينية لحكماء لوبلين وبين مدرسة أورط في تل أبيب؟

 انهيار القالب الكلاسيكي
تتجسد الحيرة اليهودية في انهيار كافة القوالب الكلاسيكية لتعريف الهوية اليهودية – كلها لا يمكنها أن تقدم ردا كافيا وشاملا على سؤال الهوية اليهودية. كان نمط "الهلخاه" هو النمط السائد، وكان يُنظر إلى اليهودية بموجبه على أنها إطار لقانون إلهي يلزم كل بني البشر. اليهودية، وفق هذا النمط، هي إطار من وصية افعل ولا تفعل، التي تُشتق، بأسلوب بسّط وعلّم،
من التوراة المكتوبة والتوراة الشفوية. يتقبل اليهودي حمل ملكوت السماوات، وهو يحقق هذا الحمل بحمل آخر في إطار الحياة وفق "الهلخاه". حياة "الهلخاه" هي بمثابة تحقيق العهد الذي أبرم بين شعب إسرائيل وإلهه إلى الأبد. هذا النمط هو المقصود في أقوال البروفيسور ليبوبيتش رحمه الله، الذي اشترط بأسلوبه الثاقب (ولذلك الأسلوب أحادي الجانب) وجود الشعب اليهودي بتنفيذ الوصايا.

"لا نتناول هنا اليهودية بل نتناول ما كانت المؤشرات التي حددت استمرارية وجود الشعب اليهودي وتماثله مع نفسه على مر التقلبات والتبدّل الذي حدث على مر تاريخه الطويل... هذه اليهودية ليست إلا دين شعب إسرائيل المتجسد بالتوراة والوصايا" ("اليهودية، شعب يهودي ودولة إسرائيل "، شوكن، أورشليم-القدس وتل أبيب، 1979).

إلا أن الشعب اليهودي اليوم ملزم بمواجهة حقيقة كون جزء كبير من اليهود (وربما معظم اليهود) غير ملتزمين بالإطار الشرائعي أبدا، في الوقت الذي تتواجد فيه، بين أوساط اليهودية القياسية، أنماط شرائعية مختلفة. حتى ولو أمعنا النظر، لن نستطيع رؤية بنية شرائعية واحدة مقبولة على كل أوساط الشعب اليهودي أو على معظمه.

النمط الأخلاقي هو طريقة ثانية، منتشرة وقديمة العهد، لبلورة هوية يهودية ولجعلها تتطرق تطرقا أخلاقيا للحياة. التربية اليهودية، وفق هذا النمط، معناها إكساب قيم تربوية، بلورة شخصية أخلاقية وبناء مجتمع عادل وصالح. هذا التوجه وجد له تجسيدا في العصر الحديث، في الحركة الإصلاحية وفي نظرية التوحيد الأخلاقية. توصلت هذه الفكرة إلى نصّ واسع ورائع في الكتاب الكلاسيكي لهرمان كوهين، "دين العقلانية من مصادر اليهود"، الذي تم فيه التعرف على المسيحية اليهودية كتطلع أخلاقي سام لبسط الخير على وجه البسيطة، في قلب الإنسان الفرد وفي أنسجة المجتمعات البشرية. "يمكنك أن تدرك من هنا"، يسهب كوهن "أن التوحيدية تصل إلى ذروتها في المسيحية اليهودية. والمسيحية اليهودية معناها بسط سيطرة الخير على وجه البسيطة"  (יأورشليم-القدس، مركز بياليك، 1971). نحن واعون اليوم بما فيه الكفاية لكبح جماح طموحنا شبه المستحيل بوجود نظام شامل، مميز ويتعدى الزمن من القيم اليهودية. يميل القلب إلى البحث عن أخلاقيات يهودية، ولكن إمعان النظر الناقد يبين أن مصطلح "الأخلاقيات اليهودية" هو ريشة في مهب الريح.

 النمط النصّي هو مسار ثالث، حاولوا فيه تعريف الهوية اليهودية وإكسابها معنى. وفق هذا النمط، هوية شعب إسرائيل مبنية على أساس الالتزام بنص معين. نحن نسمع في أكثر من مرة المطالبة "بالعودة إلى المصادر" (الكتب الدينية). يتوفر في هذا التوجه إلى "المصادر" تلبية للحاجة الملحة للعودة إلى أساس روحاني صلب في عصر من التحولات. إلا أن النمط النصّي فيه ضعف أساسي من ناحيتين: الأولى هي مسألة التزام الشعب بالنصوص في العالم المتحضر، فالإنسان المعاصر يخلد الذاتية، اجتهادات الرأي، الحداثة، التجدد المتواصل والمميز. أي مكان يحظى به الالتزام بالنص في عصر معالجة النصوص المرتكزة على الحاسوب، الاتصالات الجماعية الدولية، التلفزيون، ثقافة البوب (موسيقى البوب)، الملتيميديا والواقع الافتراضي (Vertual Reality

ولكن السؤال الأساسي، هل يوجد أي احتمال لأن يوافق اليهود فيما بينهم، في أيامنا هذه، على تجميع نصوص مثبتة هامة بالنسبة لحياتهم؟ يدعي مارتين بوبر في مقاله "تلمود التوراة لماذا" ("دركو شل مكراه"، أورشليم-القدس، مركز بياليك، 1924)، أن ما يميز اليهودية هي الذاكرة التاريخية المشتركة، التي تتجسد وتتحقق في مجموعة النصوص اليهودية. النص التقليدي يدعو كل جيل لإقامة حوار حي وإبداعي معه. غير أن هذه هي أمُنية، هناك شك في إمكانية تحقيقها. تطرق غرشوم شالوم في مقاله "خواطر حول التوحيدية اليهودية" إلى انعدام إمكانية تعريف ركيزة نصية توحّد كل الشعب اليهودي، ويرى في ذلك إحدى المعضلات الأكثر حدة التي تخيّم على مستقبله. الباحث الأدبي والفيلسوف اليهودي جورج شطاينر يتناول البنية النصية للحياة الروحانية لدى شعب إسرائيل، في مؤلفه -Our Homeland: the Text - ("SalmaGundi" 66-69, Spring 1985, pp. 4-25). إلا أنه يعترف هو أيضا، في نهاية النقاش، أن اليهودي اليوم قد نزح أيضا عن هذا الوطن: "أصبحت اليهودية بدون بيت" (المصدر، صفحة 22). علينا الاعتراف بصحة ثبوتيات شالوم: لا يوجد اليوم أي نص يهودي موحّد ذي صلاحية.

النمط العرقي هو إمكانية رابعة لحل المشكلة. لقد حظي هذا النمط بتعزيز من قبل أهارون دافيد غوردون ("الأمة والعمل") ومن قبل يحزقيل كويفمان في كتابه الذي تم نسيانه بعض الشيء "المهجر والغربة". لقد حظي في الولايات المتحدة لتحرير من قبل الحاخام مردخاي كبلان، مؤسس تيار إعادة الإصلاح، في كتابه "اليهودية بصفتها حضارة" "Judaism as a Civilization". يفترض النمط العرقي بأن حجر الأساس في الهوية اليهودية المعاصر هي تأثير العبرية، بصفتها تحمل الثقافة الجماعية، الرموز التربوية، النصوص، الروايات القومية، العادات والأعياد. هذا نمط مثمر للتعبير عن الهوية اليهودية في عصرنا هذا، لكونه نمط مفتوح، شكلا وليس مضمونا. تكمن المشكلة في أن المفهوم اليهودي كثقافة لم يسبق له مثيل حقيقي في الماضي التاريخي لشعب إسرائيل، وهو بحد ذاته حل أزماتي، يخلق ضائقات ليس بأقل مما يحلّها. تشتمل أي حضارة من الحضارات على أكثر من نظام إيماني واحد، أو أسلوب حياة واحد، وعلى ما يبدو أكثر من نص مثبت واحد أيضا. يكثر في أيامنا هذه اليهود الذين لا تشكل اللغة العبرية لغتهم، وأعياد إسرائيل هي بالنسبة لهم ماض بعيد، ولذلك فهو مصطنع أيضا، وهم لا يعرفون نصا يهوديا تقليديا.

كذلك النمط العائلي، الذي يكون اليهودي بموجبها من ولد لأم يهودية (أو أنه اعتنق اليهودية)، ليس فيه أي رد ذي معنى على السؤال المتعلق بمضامين الهوية اليهودية. إنه يخلق، بحد ذاته، أزمة بين اليهود، أكثر مما يحلّها. في دولة إسرائيل لوحدها هناك عشرات آلاف الأشخاص الذين يرغبون في الانتماء إلى الشعب اليهودي ويعرفون أنفسهم بأنهم يهود، غير أن النمط العائلي يصنّفهم كغير يهود أو كيهود مشكوك بأمرهم.

كل هذه المشاكل تتعلق بمسألة نفاذ إطار الوعي اليهودي العام، وهو إطار قصصي بطبيعته. تتعلق المشكلة باليهود المتدينين وغير المتدينين على حد سواء: هل عادت الأرض لتكون خالية خاوية؟ إذا كان الرد إيجابيا، فإن الاستنتاج الذي لا بد منه هو السخرية وليس الصهيونية، وعدم الثقة بالقوانين الروحانية ولا التربية على القيم.

 علوم العالم الآخر اليهودية وحياة يومية دنيوية: هل يمكنهما أن تتماشيا معا
يعيش العالم اليهودي التقليدي اليوم، الذي تصرف فيه الشعب اليهودي كمسيّر ونفّذ كلام تعاليم الله على وجه الأرض، في ازدواج شخصية في روح اليهودي، إلى جانب عالم اللاجئ الذي يبحث عن يومه العادي، الأمان والملكية والأمن. هذان العالمان متنازعان فيما بينهما، ولكنهما مشحونان، حتى أنهما غير قادرين دائما على سماع أحدهما للآخر.

لا يمكن التعبير عن تجربة اليأس بالنصوص الفلسفية فقط، فإن لها تعبيرا في الحياة المجردة لأبناء شعب الضحايا كذلك. كيف يمكن مواجهة اليأس ومن أي مصدر يمكن استقاء القوة لاستمرار العيش، هذا ليس موضوع فلسفي محض بل حاجة وجودية ملحّة. اليهودي الذي عاصر بطلان الكارثة والنضال من أجل البعث من جديد يشعر أكثر من غيره بمتطلبات الحياة، بالرغبة الأساسية بالحياة، الحياة الجيدة والجميلة، تأسيس عائلة، تربية أولاد، والوصول إلى الراحة والمبتغى. التجربة الأساسية لليهودي في أيامنا هذه هي أن الحياة ذاتها ليست آمنة. ليس المخلص هو الذي يقضّ مضجع إدراكه، بل الشطيرة التي عليه تحضيرها لابنه عند ذهابه إلى المدرسة في الصباح.

اليهودية الحاخامية التاريخية، التي تناولناها في مستهل حديثنا، عرفت كيف تبعد قيمة الحياة الدنيوية عن شؤون الأبدية. كل ما يمكن لليهودي ما بعد الكارثة أن يتطلع إليه هي الحياة الدنيوية، هنا على وجه البسيطة. هذه الحياة التي أذلت بالأمس وتحولت إلى رخيصة وهشة وقابلة للانهيار. الحياة التي وصلت إلى أدنى مستويات الانحطاط هي الحياة الوحيدة التي توجد فيها الحقيقة. في هذه النقطة نشأت فجوة كبيرة – لم تكن دائما من خلال قرار عن وعي – بين عالم اليهودية الحاخامية وبين عالم ما بعد الحاخامية وما بعد العقائدية للكثيرين من أبناء الشعب اليهودي في أيامنا هذه

   

اليهودية الحاخامية التاريخية عرفت كيف تبعد قيمة الحياة الدنيوية عن شؤون الأبدية. كل ما يمكن لليهودي ما بعد الكارثة أن يتطلع إليه هي الحياة الدنيوية، هنا على وجه البسيطة. هذه الحياة التي أذلت بالأمس وتحولت إلى رخيصة وهشة وقابلة للانهيار. الحياة التي وصلت إلى أدنى مستويات الانحطاط هي الحياة الوحيدة التي توجد فيها الحقيقة. في هذه النقطة نشأت فجوة كبيرة – لم تكن دائما من خلال قرار عن وعي – بين عالم اليهودية الحاخامية وبين عالم ما بعد الحاخامية وما بعد العقائدية للكثيرين من أبناء الشعب اليهودي في أيامنا هذه

 

ماذا نقول للناجي من الكارثة، الذي بنى لنفسه، على حافة هاوية الجنون، حياة جديدة؟ ماذا نقول لأرملة من سقط في الحرب التي يتوجب عليها التغلب على يأسها والنهوض كل صباح لتعتني بأولادها، تبتسم لهم وتدعمهم؟ في معظم الأحيان هي لا تسمع الصوت الآتي من سيناء، بل تشعر بالصعوبة غير المحتلمة في الاستمرار. القادم الجديد الذي كان لاجئا في مراكش، صنعاء، أديس أبابا، كييف، بوخارست، بونس أيريس، وترك بيته، صفر اليدين أحيانا، وعليه بناء حياة جديدة في بلاد غير معروفة بالنسبة له – هل نقول له، أن بحثه عن البيت وكسب الرزق والأمن هي أمور تافهة أمام النبوءة الأبدية.

يحمل الشعب اليهودي بين ضلوعه الكثير من أحاسيس الذنب تجاه هويته التاريخية، التي أهملها عن سابق تفكير أيضا، ولكن بنسبة أكبر بسبب الظروف الآنية الملحّة. قبل الانهيار الكبير في القرن العشرين، وضعت نبوءة هرتسل مقابل العالم القديم حكاية جديدة، أهم ما فيها هو النضال من أجل حياة جيدة في مجتمع متسامح وديموقراطي، من خلال التخلي عن تاريخ القدسية. لقد جعلت ظروف القرن العشرين الحياة الجيدة أفقا روحانيا ممكنا بالنسبة للناجي من الكارثة أو بالنسبة لللاجئ اليهودي.

إلا أنه حيال المطالبة بالحياة الدنيوية، عاد وهبّ أمل الخلاص المتعلق بعلوم العالم الآخر. المسيحية اليهودية، أمل الخلاص الآتي لا محالة والأعمال المشتقّة من هذا الأمل، عشّشت في قلب الإنسان اليهودي كجزء من الرواية الحاخامية، غير أن الظروف السياسية حبستها، طيلة أجيال، بين طيات أدب باطني وبين جدران المدرسة الدينية. تجديد المكانية اليهودية الرسمية أدى إلى تحرر النبوءة بمجيء المسيح من قيود الحوار الوهمي. لقد لمست الصهيونية خلية عصبية حساسة وعميقة في قلب الأسطورة اليهودية: الأمل في تأسيس ملكوت السموات على الأرض لتحقيق نهائي لأجزاء من الرواية اليهودية الحاخامية. إلا أن النبوءة الأسطورية قد وجدت نفسها عالقة داخل نزاع في إطار ازدواج الشخصية اليهودية التي نتناولها هنا مع أيديولوجية علمانية-ليبرالية ومع واقع يهودي، لم يعد قادر على استيعابها. الشعب اليهودي، في أعقاب التقلبات التي عاصرها، بعيد بمعظمه، بسنوات ضوئية، عن تجربة الحاخام يهودا هليفي التاريخية.

أسطورة الحكماء اليهود التي كانت العمود الفقري للوعي اليهودي التاريخي، غريبة تماما عن جزء كبير من الشباب اليهودي. كذلك وجود المدارس الدينية محببة إلى قلوب الشبيبة غير المتدنية، التي تقام هنا وهناك وتشغلهم بتعلم تعاليم مختارة كإثراء ثقافي، لا يغير حقيقة الرواية اليهودية، كأسطورة يهودية مثبّتة، ميتة بالنسبة لجزء كبير من شعب إسرائيل. إضافة إلى أن هؤلاء لا يعيشون الرواية، فإنهم غير قادرين على فهم لغتها والرموز المشفرة التي تميزها. هذا هو أصل عدم الفهم العميق بين أوساط مختلفة من شعب إسرائيل. الجمهور الحاخامي يعيش رواية يمكن للجمهور غير الرباني أن يسأل عنها كما قال الابن الشرير في رواية الفصح: "ما هذا العمل الذي تقومون به؟". إنه موجود خارج الرواية. اللغة التوراتية غريبة عنه وصورها لا تثير خياله. إنه لا يرى في ساحات الخليل، مدينة الأجداد، إبراهيم، إسحاق ويعقوب الذين يمشون في شوارعها، بل يرى فقط شوارع تعلوها الغبار ومدينة تعصف بها النزاعات العنيفة. إنه لا يشعر برفرفة جناحي الألوهية، بل يرى عبء الخدمة في الاحتياط بسبب الوجود العسكري هناك. إنه غير قادر أيضا على إبداء تعاطف مع ذلك الجمهور الذي يشعر ويرى، من أعماق قلبه، تلك الصور، ماض قديم ومستقبل قديم، تظهر من بين حروف النص وتحتل مكانها في الجغرافية الإسرائيلية الجديدة.

يوجد في ازدواج الشخصية هذا، بين الروايتين اليهوديتين كذلك، أصل النزاع السياسي اليهودي. اليهودي غير الحاخامي لا يعرف كيف يميز بين شحنات القيم الموجودة في النقاشات حول "دين موسير" (عقاب من يتنازل عن جزء من أرض إسرائيل) و"دين روديف" (عقاب من يلاحق الشعب اليهودي* و"حفلي مشياح" (الكوارث التي تسبق مجيء المخلص)، ولا يشعر دائمة بالطاقة الروحانية الكامنة في هذه التعابير. لذلك فهو لا يعرف دائما كيف يتعرف على المخاطر التي يمكن أن تكمن في تلك التعابير، كما تعود وتُكرر على الشفاه في أوقات الأزمات. من جهة أخرى، إنه غير قادر على إبداء تعاطفه مع المصطلح القيمي اليهودي القديم "تلمود-توراه"، ويرى في الدعوى لاحترام من "يكرس نفسه لتعلم التوراة" مؤامرة للتسرب من الخدمة العسكرية وليس وفاء لشخصية التلميذ الحكيم "المواظب"، الذي حملته كفوف المجتمع اليهودي على مر الأجيال.

كذلك الصراع بين تقبل قانون السماء وتقبل قانون الدولة، وبين الانصياع للمرجع الشرائعي هو تجسيد للنزاع بين نمطين مختلفين تماما للوجود اليهودي. يمكن لليهودي أن يتقبل، لأجيال طويلة، قانون السلطة غير اليهودي تنفيذا لوصية "دينا دلملخوتا دينا" (حكم السلطة مطاع)، غير أنه يواجه صعوبة في تقبل قانون السلطة اليهودية، التي لا تتصرف وفق قانون التوراة.

تكمن هنا بؤرة الحيرة اليهودية. اليهودية الحاخامية هي بالفعل مرآة الشعب اليهودي منذ أجيال طويلة. غير أنه قد حدث أمر ما في القرن العشرين، ولم تعد هذه المرآة تعكس الحاضر اليهودي. إلا أن عالم الجد والجدة الذي انهار، لم نجد له مكانا بعد في غمرة الحاضر. يتراكض الجمهور اليهودي في هذا الفضاء الموجود بين الواقعية والصورة الذاتية، وهو مربك ويبحث عن الطريق. في الوقت الذي يتمسك اليهودي الحاخامي بالرواية اليهودية القديمة دون أن يدع  الماضي اليودي القريب أن يغيّب عن ناظريه القصة القديمة، لا يستطيع اليهودي غير الحاخامي أن يكون جزءا من تلك الرواية القديمة، بسبب الحاضر اليهودي الضاغط والماضي اليهودي القريب. هذه وصفة لحوار بين صُمّ، يمكن لربما أن يخلّف مظاهرات كبيرة وحتى إطلاق نار من مسدس في ساحة المدينة، ولكن لا يوجد فيه أي حوار بناء.
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004