|
العدد
11
| تموز - آب 2002
لا توجد قيادة دون مضمون |
|
|
||||||||
|
زعماؤنا السياسيون بدءوا ينظرون إلى الأغنياء وكأنهم جمهور ناخبيهم الوحيد |
||||||||
|
|
||||||||
|
التشديد على القيادة كسمة قائمة بحد ذاتها هو جزء من المرض الذي تدعي القيادة بأنها تعالجه. بصفتنا مجتمع، ليس من الضروري أن نكون على علم بمن سيتزعمنا، بل إلى أين نريد أن نتقدم، وإلى أين من المناسب أن نصل. اللهفة إلى القيادة من شأنها أن تعمي أبصارنا عن رؤية المهمة الحقيقية الماثلة أمانا: إنعاش قدرتنا والنضال معا من أجل مستقبلنا المشترك. منذ سنوات عدة، تغرق إسرائيل والعالم تحت وابل من دورات التأهيل وورشات العمل حول القيادة. جمعيات خيرية يهودية استثمرت عشرات ملايين الدولارات في دورات للقيادة وتطوير القيادة. ويتم، في السياسة الإسرائيلية، البحث غير الخجول عن قيادة ذات حضور (كاريزما)، كخيار افتراضي لأحزاب على وشك الانهيار. القادة مهمون في أوقات الأزمات بشكل خاص، حين يضطر المجتمع إلى تغيير ذاته. هذا هو الشعور الكامن خلف الاهتمام الهائل بالقيادة اليوم: نحن نشعر أنه يتهدد مجتمعنا، وحتى عالمنا، خطر محدق، ونأمل أن تقودنا قيادة جديدة إلى برّ الأمان. رغم أن هذا الشعور من شأنه أن يكون صحيحا وسليما، إلا أن التوجه بحد ذاته خاطئ تماما. بصفتنا مجتمع، ليس من الضروري أن نكون على علم بمن سيتزعمنا، بل إلى أين نريد أن نتقدم، وإلى أين من المناسب أن نصل. "القيادة" كفكرة مجردة، موجودة بمعزل عن رؤانا الأخلاقية فيما يتعلق بمجتمعنا، يقلل من قيمة السياسية ويقلصها لتصبح أمرا تقنيا. مناقشة القيادة كأمر يمكن فصله عن مضمونه يشبه الطعام المقدم في المطاعم السريعة: في أفضل الأحوال، لا تكون له قيمة غذائية، وفي أسوأ الأحوال من شأنه أن يتسبب بالتسمم. اللهفة إلى القيادة من شأنها أن تعمي أبصارنا عن رؤية المهمة الحقيقية الماثلة أمانا: إنعاش قدرتنا والنضال معا من أجل مستقبلنا المشترك. الإحساس بأننا جزء من الكل هو الذي يخلق إمكانية نمو القيادة. في الوقت ذاته، فإن أزمة القيادة التي نواجهها مرفقة بابتعاد قادتنا عن المجتمع الإسرائيلي الواسع ورفضها التعاطف معه. البيت الذي يبنيه إيهود باراك لنفسه في كفار شمرياهو، بتكلفة تصل إلى مليون وربع المليون دولار، هو رمز يسهل بواسطته التعبير عن ذلك الابتعاد. لماذا اكتفى دافيد بن غوريون بكوخ في سديه بوكير، ومناحيم بيغن اكتفى بشقة متواضعة في تل أبيب، بينما يرى إيهود باراك أن من الضروري أن يسكن في فيلا في كفار شمرياهو.
لا أعتقد بأن الإجابة تكمن بالضرورة في حقيقة أن باراك هو إنسان محب للانتفاع أكثر من بن غوريون، أو أنه مفعم بالتضحية الذاتية أكثر من بيغين. نحن نتحدث، في نهاية الأمر، عن إنسان خاطر بحياته أكثر من مرة واحدة لكي ينقذ الآخرين. باراك أراد السكن في كفار شمرياهو لنفس السبب الذي جعل بيغين وبن غوريون يسكنان في المكان الذي سكنا فيه: لكي يتمكن من القول، "أسكن داخل شعبي". بيغين وبن غوريون اعتبرا نفسيهما زعيمين مناسبين لإسرائيليين كثيرين، ينتميان إلى الطبقة الاقتصادية المتوسطة-الدنيا. من رغب في قيادة هذا الجمهور في إطار مجتمع ديموقراطي كان عليه، رمزيا على الأقل، إدارة نمط حياة يشبه نمط حياة جمهور ناخبين. الزعيم الإسرائيلي في أيامنا هذه، من النوع الذي يمثله باراك، ينظر إلى جماعته نظرة أكثر ضيقا، ويضم إلى صدره الإسرائيليين أصحاب المال، وبالتالي أصحاب التأثير. بعد سيطرة المصالح التجارية على شرائح آخذة بالنمو كانت تعتبر ذات مرة قطاعا عاما (مدارسنا الحكومية هي مؤسساتنا التي تنتظر دورها والتي ستواجه بيعا حتى نفاذ المخزون). لصالح مصالح شخصية بدأ قادتنا السياسيون النظر إلى الأغنياء وكأنهم جمهور ناخبيهم الحقيقي الوحيد في الديموقراطية الإسرائيلية. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نصنع من كفار شمرياهو سديه بوكير الجديدة؟
سياسة
مزيفة وكما انهارت اتفاقيات أوسلو بالضبط، ها هي الديموقراطية الإسرائيلية على وشك مواجهة خطر الانهيار، إلا إذا سنحت الفرصة لمواطني إسرائيل بأخذ نصيبهم من الديموقراطية، وليس مشاهدتها فقط وكأنها مسرحية دراماتيكية. على الزعامة أن تقودنا إلى ديموقراطية من نوع جديد يكون التعاون فيها أكبر، وتعيد للمواطن قدرته على الإسهام في تصميم حياتنا العامة. يجب على الديموقراطية، وليس في إسرائيل فقط، أن تتطور إلى ما بعد الفكرة القائلة بأن إجراء الانتخابات كل بضع سنوات هو خلاصة النظام الديموقراطية. المسار البديل الآخر سيؤدي بنا إلى نفور الجمهور المتزايد من السياسة ومن الحياة العامة. يجب بدء تطور العملية الديموقراطية بزيادة مستوى الشفافية في عمل السلطة. مستندات متجمدة ولكنها ذات معنى كبير جدا، مثل موازنة الدولة، التي يصعب حتى على أعضاء الكنيست فهمها، يجب أن تخضع إلى تبسيط وتوضيح لتصبح مفهومة لدى كل من يطلب قراءتها. الجهات البيروقراطية صاحبة التأثير الكبير، مثل دائرة أراضي إسرائيل ولجان التخطيط والبناء المحلية والقطرية يجب أن تكون مفتوحة أمام التحقيق والفحص الدقيق، اللذان يمكن أن يتحققا فقط بعد أن تصبح هذه المؤسسات شفافة ومفهومة. يجب التحقيق بعمق وفهم كل القوانين الخاصة ووسائل الضغط التي تتيح لرجال الأعمال الحصول على فوائد سياسية. كذلك الأمر بالنسبة لما يتعلق بتعيين القضاة، والقيم الأساسية التي ترتكز إليها قراراتهم. من البديهي أن المؤسسة المتحصنة خلف مواقفها لن تتطوع لتكشف عن مسارات النفوذ الخفية فيها، وتجعلها مسارات سريعة يستخدمها الجمهور. إلا أن القيادة التي تحترم نفسها ستجد الطريقة لتنفيذ هذا الأمر بالذات.
اختيار
إنساني
الأهم من ذلك هو أن تفهم هذه القيادة بأن الشيوعية قد فشلت لأنها ركزت النفوذ بين يدي الأقلية، والرأسمالية غير المكبوحة ستفشل للسبب ذاته أيضا. على الزعامة الجديدة التي نحتاجها ألا تتطلع إلى أضواء الإعجاب الجماهيري وإلى الثقب الأسود الكامن في الحاجة النرجسية، بل أن تخرج النور إلى الخارج بهدف دفع المجتمعات المحلية، المجموعات والأفراد قدما، ولتشجع المحاولات الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية التي ستخلق أنماطا جديدة لحياة عادلة ومتجانسة.
لكي تتمكن من القيام بكل ذلك، تحتاج الزعامة الجديدة إلى موجة عارمة من دعم
عدد لا بأس به من الناس. لتحقيق هذا الهدف عليها الإيمان بأن التغييرات
التي يحتاجها المجتمع الإسرائيلي هي تغييرات هامة بما فيه الكفاية للخروج
في سبيلها إلى الشوارع، توزيع المناشير والطرق على الأبواب – وليس فقط في
فترة الانتخابات بل كل الوقت، وليس في تل أبيب أو في القدس فقط بل في كل حي
من الأحياء. ستكون القيادة الجديدة قادرة على القيادة، فقط إذا عملت
بالحماس الذي ينشر فيه أتباع برسلاف بشارتهم في كل أنحاء البلاد، فقط إذا
كانت مصرّة ويائسة مثل المدمنين على الهيروين الذين يطلبون الصدقة على
مفترقات الطرق الرئيسية. التغيير الذي نحتاج إليه ستتخلله انطلاقة تطورية،
ولكن بهدف تحقيقه نحن نحتاج إلى حماس ثوري. ولا أقل من ذلك.
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |