العدد 12 | أيلول - كانون الأول 2002

من جمهور عمال إلى جمهور وحيد
آفي برئيلي

 أضحت الهستدروت أقل أهمية بالنسبة لزعماء حزب العمل وزعماء مبام، لأن العاملين أصبحوا أقل أهمية بالنسبة لهم

 

كيف حدث أن بدت هستدروت العمال في أرض إسرائيل، وهي أحد أقوى التنظيمات العمالية في العالم، بدت وكأنها نمر من ورق عندما وصلت إلى عتبتها جرافات الخصخصة؟ د. آفي برئيلي يحاسب زعماء حزب مباي بمختلف أجيالهم - حتى الوصول إلى زعماء جيلنا هذا، على أنهم تخلوا عن مصلحة العمال لصالح مصالح شريحة ضيقة من الجمهور في إسرائيل، هجوم اقتصادي من اليسار

 "زيادة مرونة سوق العمل " – هذا هو أحد أهم شعارات المعركة التي يشنها مؤيدو خصخصة المجتمع الإسرائيلي في الثمانينيات وبداية التسعينيات. هذا الشعار كان لغة راقية التعبير عن توجه لتقليص قدرة العمال في إسرائيل على الحصول على نصيب لائق من ثمار الاقتصاد ومنع العمال المنظمين من حماية أنفسهم بمساعدة اتفاقيات العمل "المتشددة". من يطالب بالمرونة أراد، عمليا، تدعيم موقف المشغلين في المفاوضات مع العمال حول أجورهم، أو أنه من الأفضل إعفاء المشغلين تماما من ضرورة الوقوف أمام العمال المنظمين؛ لقد تآمروا على أن يتمكن المشغلون من إقالة العمال في النصف الثاني من سنوات عملهم، مثلا، أو أن يتمكنوا من تشغيل عمال مؤقتين-مثبتين، عن طريق شركات تعهدات للقوى البشرية، تنتزع منهم الحقوق الاجتماعية التي أحرزتها التنظيمات المهنية التابعة لهستدروت العمال في فترة الخمسينيات، الستينيات والسبعينيات. باختصار، كانت "المرونة" مصطلحا واهيا للتعبير عن إقصاء مكانة العمل والعمال، مقابل مكانة الأموال وأصحابها في المجتمع الإسرائيلي.

نداء الحرب هذا قد أحرز نجاحا كبيرا. يسيطر المشغلون وأصحاب الأموال، اليوم، على سوق العمل بشكل كبير. لقد تم إضعاف وزارة العمل والرفاه الاجتماعي، فالمشغلون لا يرغبون في أن تضايقهم الحكومة في بلورة سوق العمل كما يحلو لهم. أصبح سوق العمل اليوم أشبه "بتكيّة" حكومية كبيرة، وقد تم تقليص خدمات التشغيل المتواجدة فيه إلى أن أصبحت مكتبا بيروقراطيا خاملا؛ إذ أصبحت الحلبة خالية لصالح شركات القوى البشرية، لضبط سوق العمل كما يحلو لها، وبما يتماشى مع مصالح المشغلين فقط.

   

لقد أصبح العمل المنظم في إسرائيل في الألفية الثالثة أقل بكثير، أي عدد أقل من العمال المحميين وأصحاب الحقوق مثل مخصصات الشيخوخة أو التثبيت في العمل، وهو يحتوي على المزيد من العمال الأجانب الذين يتبعون بشكل تام لسيادة مشغليهم. قلّ عدد العمال المنظمين في الصناعة، وهناك قطاعات كاملة لا تعرف الصيغة الاجتماعية القديمة المسماة "لجنة العمال" ويصمد فيها العمال أو يسقطون لوحدهم أمام مشغليهم، دون تلقي مساعدة زملائهم في العمل.

 

لقد أصبح العمل المنظم في إسرائيل في الألفية الثالثة أقل بكثير، أي عدد أقل من العمال المحميين وأصحاب الحقوق مثل مخصصات الشيخوخة أو التثبيت في العمل، وهو يحتوي على المزيد من العمال الأجانب الذين يتبعون بشكل تام لسيادة مشغليهم. قلّ عدد العمال المنظمين في الصناعة، وهناك قطاعات كاملة لا تعرف الصيغة الاجتماعية القديمة المسماة "لجنة العمال" ويصمد فيها العمال أو يسقطون لوحدهم أمام مشغليهم، دون تلقي مساعدة زملائهم في العمل. يبدو، لأول وهلة، أن بإمكانهم طلب يد العون من المحكمة، إلا أن هذه القدرة مشكوك بأمرها للغاية، إذ أن المشغلين يتمتعون بامتيازات بنيوية على الحلبة القضائية، وليس مقابل العمال الفقراء فحسب، بل كذلك مقابل العاملين من الطبقات الوسطى. أصبح سوق العمل الإسرائيلي، اليوم، أكثر مرونة من وجهة نظر المشغلين، ولكنه أكثر تشددا من ناحية العمال الإسرائيليين، الفلسطينيين والأجانب.

النجاحات الخطابية لمؤيدي الخصخصة وصلت إلى حد ترسخت في وعي الكثير من الإسرائيليين النظرة التي ترى بأن الفساد، على سبيل المثال، في الآليات الاجتماعية-الاقتصادية الذي يمنع إقالة شخص ما فقط بسبب سنه. حماية الأشخاص من التمييز على خلفية السن أو جراء قسوة قلب المشغّل أو المسئول، تعتبر من وجهة نظر الكثيرين أنها تعادل حماية المتقاعسين. الحماية المبالغ بها من قبل التنظيمات المهنية، في السنين التي كانت في أوج قوتها، ساعدت بالفعل على تطور هذا الوعي، الذي يتخلى عن العمال ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم، ويهدد الأمان الاقتصادي لمزيد من الإسرائيليين. الحماية المبالغ بها يمكن بالفعل أن تلحق الضرر بأماكن العمل، والأنكى من ذلك، كما حدث في الموانئ البحرية، هو أن من شأنها أن تلحق الضرر بقطاعات اقتصادية كاملة، وبهذا الشكل، ما يُفيد عمالا قليلين يمكن أن يضرّ بالكثير من العمال. تلك المبالغة ساعدت مؤيدي الخصخصة على إقناع الكثيرين بصحة اقتراحاتهم الاجتماعية-الاقتصادية، رغم أنه كان بالإمكان التخفيف كثيرا من أضرار تلك المبالغة لو تم انتهاج تصحيح في التنظيمات المهنية وإجراء مراقبة سياسية فعالة من قبل حزب اشتراكي-ديموقراطي يحترم نفسه؛ لتحقيق ذلك الهدف، لم تكن هناك حاجة إلى القضاء على العمل المنظم في معظم قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي.

 نمر من ورق
على أية حال، أضرار القوة السابقة للتنظيمات المهنية هي أقل بكثير مقابل "الدواء" الذي تم وصفه وتبنيه، مقابل سوق عمل "مرن" يخلق جمع وحيد من العمال والعاطلين عن العمل قليلي الحقوق ومنخفضي الأجر، أشخاص لا يوجد أمامهم وأمام أولادهم أفق من التطور الاجتماعي والاقتصادي. السمعة السيئة التي لحقت برجالات الهستدروت في تلك السنوات الطويلة، التي أهمل حزب العمل فيها الهستدروت ولم يراقب نشاطاتها، هذه السمعة لا تبرر تبني الموقف المهمل، من عدم الاكتراث الذي تأصل في المجتمع الإسرائيلي تجاه أشخاص بالإمكان أن تُملى عليهم شروط العمل: المتقدمون في السن، العمال غير الحرفيين، النساء، العمال الأجانب، الفلسطينيين، وفي نهاية الأمر تجاه كافة العمال في إسرائيل.

 حالة الإدراك هذه- عدم منح الشرعية الأساسية للعمال المضربين بهدف الدفاع عن حقوقهم – هو انتصار ساحق لمؤيدي خصخصة سوق العمل في إسرائيل. لقد تمت خصخصة سوق العمل الإسرائيلي، وقد تأصّل في وعي الإسرائيليين الرأي غير الناقد القاضي بأن لا مفر من خصخصته وسيطرة أرباب العمل عليه. هذا هو مصدر اليأس الرئيسي لدى المتضررين الكثيرين من خصخصة المجتمع الإسرائيلي وخصخصة سوق العمل فيه، وسبب قدرتهم النسبية على التحمل، وهذا التحمّل ربما يكون أكبر انتصار لمؤيدي الخصخصة

 المستخدمون المضربون مؤخرا في الخدمات العامة – وهم الأغلبية العظمى من بين العمال المنظمين اليوم في السوق الإسرائيلي – يتلقون ضربات بلاغية عن كونهم "'عمال أثرياء" لا يكترثون لوضع الاقتصاد البائس. إن في ذلك من الحقيقة ومن الكذب. الحقيقة هي أن وضع العاملين المنظمين كان دائما أفضل من وضع زملائهم غير المنظمين، وبالأخص زملائهم العاطلين عن العمل، إلا أنه تجدر الإشارة إلى الاستخدام المحرض لهذه الحقيقة؛ والكذب أن التنظيم المهني يمكنه أن يضمن للعمال حماية حضارية هامة جدا، ولكنه لا يمكن أن يحول السكرتيرة في المحكمة أو الأخصائية النفسية التي تعمل في الخدمات النفسية البلدية إلى "عاملات ثريات".

حالة الإدراك هذه- عدم منح الشرعية الأساسية للعمال المضربين بهدف الدفاع عن حقوقهم – هو انتصار ساحق لمؤيدي خصخصة سوق العمل في إسرائيل. لقد تمت خصخصة سوق العمل الإسرائيلي، وقد تأصّل في وعي الإسرائيليين الرأي غير الناقد القاضي بأن لا مفر من خصخصته وسيطرة أرباب العمل عليه. هذا هو مصدر اليأس الرئيسي لدى المتضررين الكثيرين من خصخصة المجتمع الإسرائيلي وخصخصة سوق العمل فيه، وسبب قدرتهم النسبية على التحمل، وهذا التحمّل ربما يكون أكبر انتصار لمؤيدي الخصخصة

ما الذي سمح بهذا الانتصار؟ لا يمكن للإجابة أن تكون بسيطة. إنها تحتاج إلى تحليل معقد، لا يمكنني أن أجريه هنا. لكن بإمكاني أن أقترح هنا بداية للإجابة على جزء من هذا التساؤل: البدء بالإجابة على السؤال، كيف حدث أن التغيير الجارف لم يلقى أي اعتراض. لندع السؤال: كيف تطور نفوذ أصحاب الأموال الذاتي جانبا، وكذلك السؤال: كيف حاز مؤيدو الخصخصة على دوافع قوة لتنفيذ التغيير الاجتماعي الحاسم، الذي ذكرناه هنا بإيجاز. لنتناول الجزء الثاني من المعادلة: السؤال هو: لماذا كان هذا التغيير شفافا تقريبا ولم يكن منوطا بالنزاعات، بالمواجهات أو بالجدالات؟ وبالأساس، كيف حدث أن أحد التنظيمات المهنية الأقوى في العالم نسبيا، وهو الهستدروت العامة للعمال في أرض إسرائيل، بدا كنمر من ورق؟

ماذا فعلت الهستدروت أو لم تفعل، هذا تساؤل أكثر جوهرية بالنسبة لنا من السؤال: ماذا فعلت الحكومة أو لم تفعل؛ لأن السلطة في الحكومة تتبادلها جهات سياسية يمينية أو يسارية، في الوقت الذي كان على الهستدروت أن تكون فيه العنصر الاجتماعي-الاقتصادي الأكثر ثباتا في النزاع الاقتصادي-الاجتماعي البنيوي بين الأموال والعمل، في النزاع ذاته الذي ميّز كافة المجتمعات المعاصرة ويستمر في تمييزها اليوم أيضا. يتطلب التعامل مع هذا التساؤل إلى نقاش واسع النطاق، ولا يمكننا هنا سوى البدء به فحسب. يجب البحث عن إجابة له في ثلاثة عناوين: العنوان الأول: زعامة حزب العمل منذ النصف الأول من الستينيات وحتى بداية السبعينيات (حوالي سبع سنوات برئاسة ليفي إشكول، حوالي خمس سنوات برئاسة غولدا مئير واثنتان وعشرون سنة (!) برئاسة الخصمين إسحق رابين وشمعون بيرس) وزعامة مبام، شريك حزب العمل في تلك السنوات (معظم الوقت مئير يعاري ويعقوب حزان)؛ العنوان الثاني: زعامة الهستدروت في تلك السنوات، وبالأساس من شغلوا منصب السكرتير فيها، أهارون بكر، إسحق بن أهارون، يروحام ميشل ويسرائيل كيسار؛ والعنوان الثالث: رئيسا الهستدروت منذ عام 1994 وما بعده، حاييم رامون وعمير بيرتس. في خضم الأزمات الاقتصادية الوخيمة في الثمانينيات، سنوات انتقال الاقتصاد الإسرائيلي إلى الرأسمالية غير المقيدة التي تسودها حتى اليوم، كان من الممكن تمييز الهجوم القادم على سوق العمل. لكن الهستدروت العامة للعمال كانت قد أصبحت في ذلك الوقت جذع شجرة فارغ. إذا اتكئوا عليه فسيتفتت دون أي مقاومة. أحد الأسباب لانهيار القوة هذا، هو الإهمال المتواصل للعمال من قبل الهستدروت. لقد أودع زعماء حزب العمل وحزب مبام وسيلتهم الاجتماعية-الاقتصادية الهامة هذه بين أيدي أناس لا يملكون أي تفكير اجتماعي ذاتي، وقد كانوا منهمكين للغاية في صراعات النفوذ الداخلي، واثقين من أن هذا العالم الاقتصادي- الاجتماعي المصغر الذي وضع بين أيديهم سيدوم إلى الأبد. كان بن أهارون يختلف عنهم من ناحية صورته الجماهيرية. لقد كان معروفا ببوادره الكلامية والتمثيلية تجاه "الفئات الشرقية"، فقد تحول القادمون من إفريقيا وأسيا إلى أغلبية بين أوساط العمال في إسرائيل، وخاصة في الأعمال الحرفية اليدوية. وبذلك بشّر بن أهارون بالخط الجماهيري الذي سينتهجه يسرائيل كيسار خلفه: "سياسة الهويات". إلا أن بن أهارون لم يحاول تحديث هذه الهيئة الهام من الناحية الفعلية، وكذلك حركة التنظيمات المهنية، الخدمات الاجتماعية والتربوية وسوق العمال (ربع الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله في حينه). لقد هرب عائدا إلى كيبوتسه غفعات حاييم دون مقاومة، عندما أدرك أن رئيسة الحكومة، غولدا مئير، ووزير المالية سبير، قد ضيقا عليه الخناق. خلفاءه، ميشل وكيسار، كانا لقمة سائغة في فم غولدا وسبير، ووريثاهما رابين وبيرس.

 سنوات التستر
بهدف فهم خلفية ذلك الإهمال، يجدر بنا العودة إلى النصف الثاني من الستينيات. رئيس الحكومة ليفي إشكول وشريكه، وزير المالية بنحاس سبير، بادرا إلى كبح اقتصادي نشأ في أعقابه ركود شديد ونسبة بطالة كبيرة واستمر أكثر مما خططا له، على ما يبدو. لقد كان الركود في ذلك الحين بمثابة خط توزيع المياه من ناحية السياسة الماكرو-اقتصادية التي انتهجها حزب مباي: لأول مرة ينتهج سياسة اقتصادية يمينية واضحة. حتى ذلك الحين، وطيلة أكثر من 15 سنة، انتهج حزب مباي سياسة توسعية واضحة، اقتصاد تنموي، وقد كان أحد أهدافه الهامة إيجاد فرص عمل كاملة. فيما يتعلق بموضوعنا، فإن النتيجة الاجتماعية الهامة لتلك السياسة التوسعية التي نادت بإيجاد فرص عمل كاملة كانت تغيّرا دراماتيكيا في مدى المساواة الاجتماعية: من هوة اجتماعية بين ساكني المساكن المؤقتة (القادمين الجدد) وبين السكان القدامى في أواخر موجة الهجرة الكبيرة إلى إسرائيل عام 1953، إلى مجتمع كان مستوى عدم المساواة فيه، في منتصف الستينيات، من أدنى مستويات عدم المساواة في العالم.  

   

في خضم الأزمات الاقتصادية الوخيمة في الثمانينيات، سنوات انتقال الاقتصاد الإسرائيلي إلى الرأسمالية غير المقيدة التي تسودها حتى اليوم، كان من الممكن تمييز الهجوم القادم على سوق العمل. لكن الهستدروت العامة للعمال كانت قد أصبحت في ذلك الوقت جذع شجرة فارغ. إذا اتكئوا عليه فسيتفتت دون أي مقاومة. أحد الأسباب لانهيار القوة هذا، هو الإهمال المتواصل للعمال من قبل الهستدروت. لقد أودع زعماء حزب العمل وحزب مبام وسيلتهم الاجتماعية-الاقتصادية الهامة هذه بين أيدي أناس لا يملكون أي تفكير اجتماعي ذاتي، وقد كانوا منهمكين للغاية في صراعات النفوذ الداخلي، واثقين من أن هذا العالم الاقتصادي- الاجتماعي المصغر الذي وضع بين أيديهم سيدوم إلى الأبد 

 

إلا أنه قد سبق التحول إلى اليمين، في الركود الاقتصادي في الستينيات، إشارات توحي بأنه كان بالإمكان رؤيتها في مجريات مختلفة. كانت السنوات الاشتراكية للمجتمع الإسرائيلي كذلك سنوات اختباء مجريات ذات توجهات عكسية. أذكر هنا اثنين فقط، وهما الأهم من بينها: التمأسس الهرمي للآليات السياسية في حزب العمل، وخاصة مباي وهستدروت العمل، تحت قيادة مجموعة من مديري الحزب (إشكول ومئير، ومعهما في بداية الستينيات، لافون، أران، نمير، أرغوف ونتسر) وبرعاية رئيس الحكومة وزعيم مباي آنذاك، دافيد بن غوريون؛ وانتهاج سياسة تعليم هرمية ابتداء من عام 1955، "سياسة التسليك" لوزير التربية والتعليم زلمان أران، التي وجهت الأولاد إلى أجهزة تربوية متدنية، عززت الفجوة التربوية متعددة السنوات وأرفقت هذه الفجوة بوضع حجر الأساس لفجوة اجتماعية تطورت فيما بعد. المأسسة الهرمية لمباي والهستدروت ركزت القوة السياسية بين أيدي الزعامة الكبيرة والآلية الحزبية-الهستدروتية، أكثر بكثير مما كانت عليه لديهم قبل عام 1948، في فترة الاستيطان. أذكر هنا سببين فقط من أسباب هذه المجريات السياسية الهامة، حيث توجد لهما أهمية في السياق الذي نتناوله: التباعد الطائفي في إسرائيل في ذلك الحين وحقيقة نشوء الطبقية الاجتماعية التي أصبح معروف فيها أكثر فأكثر الهوة الطبقية بين الإشكناز والشرقيين؛ تركيز النفوذ السلطوي الجديد بين أيد رجالات الآليات السياسية الإشكناز، ورغبته في ترجمة هذا النفوذ إلى امتيازات اجتماعية واقتصادية أيضا.

 تشجيع عدم المساواة
كان الإنجاز الاجتماعي الذي تم التوصل إليه في الستينيات، إذن، هش وقابل للكسر جدا. المأسسة الهرمية في مباي وهستدروت العمال تسبب في افتقار المستفيدين من مدى المساواة التي تم التوصل إليها لفترة ما - كثيرون منهم كانوا من أصل شرقي، ولكن كان فيهم إسرائيليون من أصل أوروبي أيضا - افتقارهم إلى الوسائل السياسية لحمايتهم ضد المعنيين بالتوزيع الاجتماعي-الاقتصادي غير المتساوي. بينما منحت سياسة التعليم الهرمي التي انتهجها زلمان أران، منذ منتصف الخمسينيات، أفضلية ذات قيمة كبيرة لقلة من طلاب ذلك الوقت، وهم أبناء المتبرجزين من حركة العمل وأبناء الأغنياء القدامى وقد استخدموا هذه الأفضلية "لخلق هوة" اجتماعية واضحة منذ السبعينيات ولاحقا، ومن ثم تسريع هذه العمليات في الثمانينيات والتسعينيات. انتزعت من أبناء الفقراء، الذين تمتعوا بمكانة اجتماعية-اقتصادية أفضل، مقارنة بمنتصف الستينيات، الإمكانيات الثقافية والسياسية  للتنافس على مكانهم في المجتمع الإسرائيلي في العقود التالية.

رغم ذلك، فإن التأثير الاقتصادي على هذه المجريات السياسية والتربوية كان خفيا أو معرقلا في حينه، وقد انتهج حزب مباي حتى حلول الركود الاقتصادي في الستينيات، سياسة اقتصادية-اجتماعية يسارية في كافة المجالات: التشغيل الكامل والنمو، إقامة خدمات رفاه اجتماعي، تدعيم الاقتصاد الاشتراكي والملكية العامة على جزء كبير من المرافق الاقتصادية. منذ حلول ذلك الركود الاقتصادي، بدأ يبدو تغير في التوجه إلى اليمين من ناحية السياسة الاقتصادية في مباي، ومن بعده حزب العمل وشريكه مبام، فيما عدا سنوات يهوشع رابينوفيتش القصيرة في وزارة المالية (1974-1977). وهكذا، حتى منتصف الستينيات، كان هناك جو مشحون بين التوجه المركزي وغير المتساوي في بلورة السياسة والتربية، وبين السياسة الماكرو-اقتصادية، التي نمّت بنجاح المساواة الاجتماعية. بعد ذلك بدأت تبدو ملاءمة تدريجية في السياسة الماكرو-اقتصادية، وهي أيضا بدأت تصبح هرمية أكثر فأكثر، ببطء وبالتدريج، أي أنها كانت تعزز عدم المساواة الاجتماعية.

أسباب ذلك التوجه إلى اليمين هي أسباب معقدة. ولكن في السياق الذي نتناوله هنا، يكفينا أن نلاحظ بأن التوجه إلى اليمين كان السبب الرئيسي في إهمال هستدروت العمال. كان لهستدروت العمال، في فترة إقامة الدولة، أهمية من ناحيتين رئيسيتين: الأولى، حماية العمال-القادمين الجدد من الاستغلال في الظروف الصعبة التي سادة في تلك السنوات، والمساعدة على استيعابهم الاجتماعي والثقافي؛ وثانيا، خلق بنى تحتية لمجتمع اشتراكي، وقد كان ذلك بالأساس عن طريق مصانعها الاقتصادية. منذ الاستقلال عام 1948، بدأ الالتزام بالهدف الوهمي بالتدريج، وهو خلق مجتمع اشتراكي. بالمقابل، كان حزب مباي ملتزم بحماية العمال حتى منتصف الستينيات.

 إلا أنه ابتداء من منتصف الستينيات، في أعقاب التحول الاقتصادي باتجاه اليمين الذي انتهجه إشكول وسبير، وفي أعقابهما رابين وبيرس، انقرض أيضا الالتزام بحماية العمال. لقد انقرض ببطء وبالتدريج، وقد كان الركود الاقتصادي هو أول مؤشرات هذا الانقراض. تشهد على مدى الالتزام الأصلي حقيقة أنه قد تطلب وقت طويل لتلاشيه: الترتيبات الأهم المتعلقة بحماية العمال ظلت قائمة في البلاد حتى الثمانينيات، وعندها فقط بدأت الدعوة إلى "مرونة" سوق العمل تتزايد وقد لبست شكل الخطوات العملية والمهددة. إلا أن إهمال الهستدروت وإيداعها بين أيدي زعماء غير ملائمين منذ منتصف الستينيات كان، إلى جانب الركود الاقتصادي ذاته، أحد التعبيرات المسبقة لتآكل التزامات مباي، مبام وحزب العمل في حماية العمال. أصبحت الهستدروت أقل أهمية بالنسبة للزعماء-المدراء في حزب العمل ومبام، لأن العمال قد أصبحوا أقل أهمية  بالنسبة لهم، وقد احتاجوا إلى خدمات آليات الهستدروت في النزاعات السياسية الداخلية فقط أو في المعارك الانتخابية الخارجية. لقد انتهجوا سياسة اقتصادية-اجتماعية من نوع يحتاج إلى زعماء متعاونين في الهستدروت، وليس زعماء جمهور يمثلونه ولهم آراؤهم المستقلة.

لم يتجسد الإهمال في تعيين أشخاص كانوا موظفين فقط من الناحية الرئيسية، في مناصب احتاجت إلى قدرات قيادية وقدرة على بلورة منظومة اجتماعية، بل تجسد أيضا في التقاعس والامتناع التام لدى زعامة حزب العمل ومبام عن ملاءمة الهستدروت مع الظروف الاجتماعية-الاقتصادية المتغيرة. تم بناء الهستدروت، منذ الخمسينيات وما تلاها، لتكون منظومة من الأمانة البيروقراطية فقط، دون إنعاش ديموقراطي لممثلي العمال. التنظيم المهني الفعال يحتاج إلى البيروقراطية، ولكن زعامة حزب العمل ومبام قد أتاحت للبيروقراطية الحزبية-الهستدروتية السيطرة التامة على الهستدروت. كان الوضع مختلفا في سنوات التوطين على سبيل المثال. في العشرينيات، الثلاثينيات والأربعينيات، كان في الهستدروت ممثلون عمال راديكاليون وأصحاب تأثير، شعروا بأن الهستدروت هي "لهم" وليست لأفراد المنظومة الهستدروتية آنذاك. الدمج المتوتر والمعقد، المفعم بالأزمات، بين هؤلاء وهؤلاء هو الذي منح الهستدروت قوتها الجماهيرية في المدن آنذاك.

بالمقابل، كانت الهستدروت البيروقراطية المروضة مريحة لزعماء مباي، مبام وحزب العمل منذ منتصف الستينيات، وهكذا حصل إشكول وسبير على دعم سكرتير الهستدروت، بكر، لخطة كبح الركود الاقتصادي، ولم يواجه بيرس ورابين معارضة كثيرة من قبل ميشل وكيسار حين قادا حزب العمل باتجاه اليمين من ناحية نهجه الاقتصادي-الاجتماعي. حتى أنهما لم يواجها أية معارضة من قبل كيسار فيما يتعلق بعملية الخصخصة كبيرة التأثير التي بدارا إليها في حكومة رابين الثانية. لذلك عانت الهستدروت من مشكلة ثقة أخذت بالتزايد، وتخلى الناس تدريجيا عن ثقتهم بأنها متمسكة بمصالح العمال.

إلى أن قام يئير تصبان بطرح خطة ذات معنى، من قبل مبام في المعركة الانتخابية الأخيرة لمؤسسات "الهستدروت القديمة"، لدمقرطة الهستدروت (ولكنه فشل في الانتخابات أمام كيسار)، ولم يقترح أي شخص من الأحزاب اليسارية-الصهيونية سابقا إحلال تغيير جذري فيها، فيما عدا محاولات سكرتير شركة العمال آشر يدلين الفاشلة، في انتهاج عقلانية اقتصادية في الشركة العمالية، عشية حرب الأيام الستة (ذلك يدلين ذاته الذي يُذكر بالسوء بسبب فضيحة الفساد التي جاءت لاحقا). لم يحاول أي شخص، على سبيل المثال، دمج المفارقات التاريخية بين العضوية في الهستدروت والعضوية في صندوق المرضى؛ هذا الدمج هو الذي كشف النقاب عن سبب تأمين معظم السكان في إسرائيل أمام هجمات تخصيص الأموال من قبل خصوم الهستدروت في الحكومة ومسّ بمصداقية التزام الهستدروت بالصحة العامة غير المخصخصة، حيال رغبتها في الحصول على رسوم العضوية بهدف تمويل نشاطاتها. إن المهم، في السياق الذي نتناوله هنا، هو أن هذا الدمج قد كان موجّه الهستدروت أيضا، وحذا بها أن تشعر بالأمان من ناحية عدد أعضائها ولذلك ضعضع الجهد المطلوب لوجود التنظيم المهني: الجهد لتنظيم العمال. وقد بدا هذا الضعف جليا في أوقات الاختبار.

 سنوات اللامبالاة وسنوات الانقباض
عند ارتقاء الليكود للسلطة عام 1977 تقرر بوضوح بأن سوق العمال سيتوقف عن كونه المتعهد الاقتصادي الثانوي للحكومة، ولن يكون رأس المال الحكومي الرخيص تحت تصرفه. لقد كان العنوان ظاهرا على الملأ، فوزير المالية يغئال هورفيتس جسد ذلك التهديد بعد مرور بضع سنوات، ولكن زعماء حزب العمل ومبام لم يعملوا على ملاءمة السوق العمالي للوضع الجديد. كان السبب لذلك واضحا: الإمكانات الاجتماعية في سوق العمال لم تكن تعني زعماء حزب العمل أو مبام.

لم يكن الإهمال، الموصوف هنا باقتضاب، حصيلة تعب وكسل متعب فقط، بل كان حصيلة تغيير الأهداف لدى النخبة السياسية-الاجتماعية التي كانت مركّزة في حزب العمل وفي مبام، وبعد ذلك في ميرتس. لقد انتقل أفرادها من الالتزام بمصالح العمال وتطوير مجتمع اشتراكي ومتساو إلى العمل من أجل هدف آخر: إعادة توزيع موارد المجتمع الإسرائيلي وتركيزها بين يدي القليلين، نتيجة الأزمات الاقتصادية التي ستنتج عن سياسة مالية مقيدة، وعمليات خصخصة متسارعة. بسبب هذا التوجه كان من الواضح أن الغاية من الهستدروت كانت من أجل الاستخدام السياسي على المدى القصير فقط، وكان من الواضح كيف حدث أن تم إيداعها بين أيد غير أمينة، قامت بإضعافها لتصبح معدومة القوة.

سنوات هذه اللامبالاة كانت بالأساس في السبعينيات، قبل ارتقاء بيغين للسلطة وبعده. لقد تبدل المشهد ابتداء من النصف الأول من الثمانينيات. لقد أصبحت الظروف مواتية الآن لتنفيذ عمليات خصخصة الاقتصاد الإسرائيلي بعيدة التأثير، وقد كانت الهستدروت، رغم وضعها المتدهور، عاملا معرقلا من كافة النواحي: بنظام اتفاقيات العمل الذي أوجدته، وجراء القوة المعنية التي حظي بها تنظيمها المهني، بسيطرتها على الجهاز الصحي، بسيطرتها على ربع السوق الإنتاجي تقريبا. لذلك، عاد أفراد من حزب العمل للتفكير بهستدروت العمال العامة. في هذه المرة كان هؤلاء هم طبقة الزعماء الجدد في ذلك الحين، وقد لمع بينهم يوسي بيلين وحاييم رامون. وكن حيال تراجع الهستدروت أمام تعامل بيرس ورابين المتقاعس، الذين تأخرا في الاعتزال، لم يقترح بيلين ورامون أي برنامج للإنقاذ وإعادة التأهيل، بل برنامج للتصغير والانقباض. لقد اقترحا، عمليا، تعزيز عملية تراجع هستدروت العمال عن المجتمع الإسرائيلي. وبدل تدهور بطيء حسب طريقة بيرس ورابين، قد بادرا إلى تقليص كبير، واقترحا على حزبهما، عمليا، تبني برنامج الليكود  فيما يتعلق بالهستدروت وتحويلها إلى "تنظيم مهني فقط".
هناك اقتراحات مماثلة قدمها سياسي يوازيهم في مبام ومن ثم في ميرتس، حاييم أورون.

إن ما يبدو لأول وهلة، وكذلك وفق فصاحة بيلين، رامون وأورون، فإن أهم ما لديهم هو تعزيز حماية العمال عن طريق تنظيم مهني لا ينحرف إلى الجوانب، ويهتم بوظيفته الطبيعية فقط: كلب الحراسة على حقوق العمال. ولكن، ولسبب غير معروف، بعد حيازة رامون على ثقة أعضاء الهستدروت في الانتخابات العامة، وتحقيق برنامجه كاملا، لم يُنفذ وعده وأصبحت هستدروت العمال عنصرا ضعيفا  للغاية، يخوض معارك ضارية أمام قوى تتمتع بأفضلية كبيرة. لا أكتب هذه الكلمات فرحا لبؤس الغير، بل من منطلق الألم.

نحن نتناول هنا حالة واضحة من دحض نظرية "مستقاة من الحياة ذاتها". رامون طرح برنامجه مرفقا بوعد، وقد حققه ولكنه لم يفي بالوعد. هذا كان ادعاء بيلين، رامون وأورون، وكذلك ادعاء حيروت من قبلهم، وهو الحزب الليبرالي وحزب الليكود اللذان هرعا إلى الظهور كحماة العمال: الخلط بين إدارة الاقتصاد وبين حماية حقوق العمال يضعف الالتزام بالدفاع عن العمال، وذلك بسبب تضارب المصالح. لقد كان هذا الادعاء مستساغا جدا على الآذان، ولكنه ادعاء كاذب. لقد ترك الخلط تأثيرا معاكسا تماما: لقد مس بالتزام شركة العمال بالعقلانية الاقتصادية ومنح التنظيم المهني تأثيرا مبالغا به على الأجور وعلى ظروف العمل، يكاد يوصل إلى إلحاق الخطر بالربحية وكذلك بمكان العمل. "قرار التنظيم المهني" الذي كان معروفا في حينه، منحه قوة زائدة والصلاحية الأخيرة في تحديد الأجور في سوق العمل. كان من الممكن مواجهة هذا الإخفاق، عن طريق إنعاش التنظيم المهني وتطوير زعماء يدركون بأن لا مصلحة للعمال في إلحاق الخطر بمكان عملهم؛ إلى جانب أوامر سياسية يصدرها زعماء حزب العمل ، تحول دون تمكن التنظيم المهني من التمتع بمثل هذه الحقوق المبالغ بها، شريطة أن تكون الزعامة معنية بإنعاش السوق العمالي. هذا الشرط لم يُنفّذ.

 رامون، باتفاق وثيق مع ميرتس وأورون وعمير بيرتس، أسرع لبيع الهيئات الهامة في الشركة العمالية، شركتا "سوليل بونيه" و"كور"، بعد أن انتقلتا إلى الربحية في فترة من سبقه في المنصب لفترة قصيرة، حاييم هابرفلد. أثارت عملية البيع أسئلة لاذعة في وسائل الإعلام، ولكن ما هو مهم في السياق الذي نتحدث عنه هو أن مسألة استقامة شارون أقل أهمية من مسألة أخرى: لماذا خاب أمله، إذا كان يأمل بالفعل بتعزيز مكانة التنظيم المهني في الهستدروت بعد تجريدها من صندوق المرضى وسوق العمل؟ خاب أمله لأن حيازة الهستدروت على ربع قيمة السوق الإنتاجي في إسرائيل لم تضعف التنظيم المهني، بل زادت من قوته، وكذلك مكانة العمال في السوق الإسرائيلي. أولا، وبأبسط شكل، كل العمال في المرافق الاقتصادية كانوا منظمين، ولذلك كانوا يتمتعون بالحقوق الاجتماعية، محميين ويلتقون أجر جيدا نسبيا. ثانيا، معرفة الهستدروت بظروف إدارة الصناعة والبناء، في إسرائيل قد منحتها نقطة انطلاق أفضل في المفاوضات مع المشغلين. ثالثا، إن حقيقة وجود سوق عمل، في ظروف تشغيل كاملة، قد أعاقت النضال البنيوي الذي انتهجه المشغلون في القطاع الخاص ضد العمل المنظم.

هذه ثلاثة أسباب تتعلق بشكل مباشر بحلبة سوق العمل. إلا أنه بشكل عام، تقليص الهستدروت في فترة الدورة الإدارية القصيرة في عهد رامون، إضافة إلى التدهور متعدد السنوات الذي واجهها في فترات سابقيه، قد مس مسا بالغا بقدرتها على مواجهة خصومها في سوق العمل، واقتلعها تقريبا من أجزاء كبيرة فيه. يدور في كافة المجتمعات المعاصرة، ويبدو بأنه سيستمر، شد حبل بين العمل والأموال، صراع قوى يدور رحاه على حلبات من أهمها حلبة سوق العمل، ولكنه متأثر إلى حد كبير بحلبات اقتصادية-اجتماعية أخرى. هذا لم يفهمه بيلين، رامون، أورون وزملائهم، أو أنهم جعلوه مبهما، وهم من طاقم زعامة حزب العمل، مبام-ميرتس. مبنى ملكية وسائل الإنتاج يؤثر تأثيرا كبيرا على موازين القوى بين العمل والأموال. الملكية العامة على أنواعها تحسن جدا مكانة العمل، والعكس بالعكس، فالتخصيص العميق والواسع الذي انتهجه رامون بسرعة، كشخص يسرع لئلا يوقفوه، مسّ مسا بالغا بقدرة العمال في إسرائيل على حماية أنفسهم أمام قوة المال الآخذة بالتزايد.

   

رامون، باتفاق وثيق مع ميرتس وأورون وعمير بيرتس، أسرع لبيع الهيئات الهامة في الشركة العمالية، شركتا "سوليل بونيه" و"كور"، بعد أن انتقلتا إلى الربحية في فترة من سبقه في المنصب لفترة قصيرة، حاييم هابرفلد. أثارت عملية البيع أسئلة لاذعة في وسائل الإعلام، ولكن ما هو مهم في السياق الذي نتحدث عنه هو أن مسألة استقامة شارون أقل أهمية من مسألة أخرى: لماذا خاب أمله، إذا كان يأمل بالفعل إلى تعزيز مكانة التنظيم المهني في الهستدروت بعد تجريدها من صندوق المرضى وسوق العمل؟ خاب أمله لأن حيازة الهستدروت على ربع قيمة السوق الإنتاجي في إسرائيل لم تضعف التنظيم المهني

 

يوجد لذلك الكثير من السّمات. كل من يعرف، على سبيل المثال، ما يحدث في الشبكة الواسعة جدا من الجمعيات الاجتماعية التي تحاول مساعدة العمال والمتضررين جراء الخصخصة في إسرائيل، عامة – وفيها إحدى أهم الجمعيات وهي الهستدروت الجديدة التي يتزعمها بيرتس - يعرف أنها تعمل في إطار اختناق مالي. من يحاول حماية العمال في إسرائيل اليوم، ومن يحاول تنظيم العمال والعاطلين عن العمل من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والمتدنية في إسرائيل، يعمل في إطار ظروف مالية مقيّدة جدا. هذه إحدى نتائج تبني أساليب بيلين، رامون وأورون.

السمة المالية هي إثبات هام للحقيقة العامة بأن شد الحبل بين العمل والأموال هو أساس نضال معقد حول مدى السيطرة. يمكن تجسيد ذلك بشرح مقتضب عما حدث في شركة العمال وفي صندوق المرضى العام – هاتان المنظومتان الاجتماعيتان المريضتان في هستدروت العمال، مهملتان للغاية في أيام الإهمال الطويلة التي عاشتها الهستدروت، ولكنهما منظومتان لهما وظيفة اجتماعية حيوية تتعدى وظيفتهما المباشرة. كان من المتوقع أن يكون صندوق المرضى العام أداة سيطرة تستخدمها الهستدروت في كفاحها ضد خصخصة الخدمات الصحية وضمان الحد الأقصى من وصول السكان في إسرائيل إليها (لذلك لم تكن هناك حاجة في الربط الضار بين العضوية في صندوق المرضى وبين العضوية في الهستدروت، ولكن كانت هناك حاجة في الحفاظ على استمرارية سيطرة الهستدروت على الصندوق)؛ كان من شأن شركة العمال، من بين أمور أخرى، أن تكون أداة  سيطرة بيد الهستدروت لدفع العمل المنظم في إسرائيل قدما. لقد تم التخلي عن هاتين الأداتين الهامتين لتسقطا بين أيدي من هم غير مؤهلين إلا لضعضعتهما؛ ومن ثم، بدل إنعاشهما واستخدامهما لأهداف إيجابية، قام الزعماء الجد الذين ظهروا في حزب العمل وفي ميرتس بالقضاء عليهما نهائيا، وأخلوا الطريق بذلك للخصخصة العميقة في الخدمات الصحية (وصولا إلى النقاشات الحالية حول خدمات طبية خاصة قانونية، أو لتوخي الدقة، خدمات طبية مبيّضة، في المستشفيات الحكومية) وسوق العمل، الذي أصبح يشبه إلى حد بعيد سوق عبيد، يعمل فيه عمال أجانب وفلسطينيون بظروف استغلالية ويتم استخدامه كسوط على ظهور العمال الإسرائيليين.

إن تداعي الأمور الذي وصفناه هنا لهو أمر محزن، وهناك تخوف من أن يؤدي هذا الحزن إلى الشلل. حيال العمليات التي تمزق المجتمع الإسرائيلي إربا إربا، يبدو للعديدين أنه من غير الممكن فعل شيء. إلا أن لا حياة مع هذا الخيار. عملية تسارع الخصخصة وسيطرة الأموال على الاقتصاد على المجتمع والسياسة الإسرائيلية تمس بالمزيد من الإسرائيليين، وليس فقط بالفقراء منهم. لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بطأطأة الرأس. يجب التفكير مليا، أي الأنقاض الاجتماعية التي خلفتها التسعينيات علينا أن نرمم، وما هي البنى الاجتماعية الجديدة التي يمكننا إقامتها.
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004