|
العدد
13
| تشرين الثاني - كانون
الأول 2002
حاخام في مدينة نائية |
|
|
||||||||
|
|
||||||||
|
|
||||||||
|
بن تصيون ميخائلشفيلي، رئيس "الكولل" في عكا، توفي إثر سكتة قلبية وهو يبلغ من العمر 42 سنة فقط. هكذا انتهت حياة رجل متواضع جدا، كرّس كل أوقاته من أجل الفقراء، مجموعة بشرية من اليهود من مختلف جاليات الشتات. لم يتمكن قلب ميخائيلشفيلي من الصمود أمام جريمة قتل اقترفها جندي من حيّه، فقتل والديه وأخيه. في مساء ليلة السبت، في منتصف شهر كانون الثاني، ما يقارب الساعة الثامنة مساء، سمع إطلاق نار في حي راق في عكا. في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، دخل جندي إلى مركز الشرطة وأخبر الشرطي المناوب بأنه قتل والديه وأخاه. كتبت الصحيفة: "أهارون، الذي تجنّد قبل ثلاثة أسابيع، ولم ينه بعد فترة التجنيد الأولية، أخذ بندقيته وأطلق النار على والديه الذين جلسا في الصالون وأرداهما قتيلين، وعلى أخيه الذي عُثر على جثته ملقاة في الممر بجانب الحمام. بينما كانت الجثث ملقاة إلى جانبه، بدّل ثيابه وخرج إلى شاطئ البحر وتجوّل فيه لعدة ساعات". غداة ذلك اليوم استيقظ الحي الذي ترعرعت فيه، على أخوّة الرعب الذي اعتراه. بعد الظهر أحضِرت الجثث الثلاث ووضعت بجانب بيتها، وجمع غفير، معظمه من القادمين الجدد من جورجيا (الاتحاد السوفييتي سابقا) أتوا لمؤازرة ابنة العائلة التي بقيت وحدها مع أخيها القاتل، اجتمع هذا الجمع للمشاركة في جنازة القتلى. حاخامات من أبناء الطائفة حضروا من مختلف أنحاء البلاد، وعلى رأسهم حاخام الحي، بن تصيون ميخائيلشفيلي. ألقوا الخطب وعدّدوا المناقب، ولكنهم لم ينجحوا في تخفيف الأسى. تطايرت كلمات المواساة من قلوب الناس الذين رأوا الجثث الثلاث والبنت الواقفة صامتة فوق الجثث. بعد الجنازة، عاد الحاخام إلى بيته والأسى يعتصر في صدره. أحد أصدقائه سمعه وهو يقول، أنه "إذا اجتاز هذا الأسبوع، فإنه بالتأكيد سيعيش إلى الأبد". لم ينقض الأسبوع، وفي أمسية السبت، بعد طعام العشاء، توفي الحاخام إثر سكتة قلبية، وقد بلغ الثانية والأربعين من العمر. نجد في التوراة تمييزا بين المدينة والحقول، ويفترض أنّ صرخة الإنسان داخل حدود المدنية تكون مسموعة. إذا كان هناك نداء استغاثة ولم يُسمع، فإن أي جور يقع في المدينة يكون على عاتق رجالات المدينة وزعمائها. الحقل، مقارنة بالمدينة، هو مجال لا تُسمع فيه الصرخة ولا يوجد فيه منقذ؛ ولكن المسؤولية عن الحقول تقع كذلك على زعماء المدينة القريبة. في حال موت أحدهم في الحقل، يُفترض بزعماء المدينة أن يقدموا قربانا – عِجلة قطع رأسها في وادي دائم السيلان، وغسل أيديهم فوقها، والاعتراف ببراءتهم " أَيْدِينَا لَمْ تَسْفِكْ هذَا الدَّمَ، وَأَعْيُنُنَا لَمْ تُبْصِرْ" (سفر التثنية: الأصحاح الحادي والعشرون، الآية 7) وطلب الغفران. أفتى الحاخام موشيه بن نحمان فيما يتعلق بفتاة مخطوبة تعرضت للاغتصاب (سفر التثنية الأصحاح الثاني والعشرون، الآيات 23-28): (والقاعدة إذا كان هناك من يخلصها سواء في المدينة أو في الحقل، فإنها خاطئة، إذا لم يكن لها من يخلصها سواء أكان ذلك في المدينة أو في الحقل، فإنها ليست خاطئة، ولم يتحدث المكتوب إلا عن الحاضر". حسب الحاخام موشيه بن نحمان، فإن الواقع الحاضر هو الذي يحدد حدود المدينة والحقل. المكان الذي لا يُردّ فيه على الصرخة يُعتبر حقلا، ولا حاجة لصرخة لإثبات البراءة أو لتحميل زعماء المدينة المسؤولية.
في عصر الحياة الديموقراطية بالذات، التي ترتكز على حقوق الفرد في الحرية والمساواة، فإن معظم المدن هي بمثابة حقل، وصرخة الاستغاثة لن تُسمع بالضرورة وتلقى الرد. لقد أجاد كفكا في التعبير عن الغُربة والرعب حيال المؤسسة البيروقراطية والتطلع إلى الأخوة الإنسانية التي لا يمكن بلوغها. صحيح أن حاخام الحي، الحاخام بن تصيون ميخائيلشفيلي رحمه الله، كان يعيش في إطار حضارة غربية، ولكنه، بسذاجة وصدق، كان يرى في التوراة موجها لحياته، ولم يكن بمقدوره أن يقول: "أيدينا لم تسفك هذا الدم". وهكذا دون أي خلفية من أمراض القلب، يبذل جهده للحفاظ على طائفته أمام الشر الذي تفشى فيها، لم يصمد قلبه ومات. قبل حوالي شهرين، بدأت أكتب مقالا حاولت فيه رسم شخصية الحاخام بن تصيون كزعيم محلي. لم يكن الحاخام معني بالشهرة، ولكنه وافق على مقابلتي دون ذكر تفاصيل معرّفة. بعد موته، عبّر أبناء عائلته عن نيتهم في نشر اسمه وصورته.
بيت
والديّ البيوت المكعّبة ترتفع فوق أعمدة. تبدو الجدران لأصحاب البيوت أسوارا محصّنة، ولكنها أكثر ما تشبه القواطع اليابانية؛ خفيفة؛ يسهل سماع ورؤية الأصوات والمشاهد، حتى وإن لم تسُد علاقة من الحديث والمشاركة. أعرف ابن الجيران الساكنان قبالة شقة والديّ منذ طفولتي. إنه يكبرني بعشر سنوات تقريبا. عمليا، لم نتحدث فيما بيننا ذات مرة. لكنني عندما كنت أرغب في الهرب من الكلمات، كنت أستضيف أخته الصماء دالي، التي كانت صديقتي. هكذا عاش أحدنا إلى جانب الآخر. اليوم، وبعد سنوات عديدة، أنظر من نافذة وجودي وعتبة بابي، وأحاول أن أجمع بين الأصوات التي اخترقت الجدران، والمشاهد التي رأيتها طيلة السنين. أحاول عن طريقها أن أسلّط الضوء على شخصية شخص نشأ في الحي وأصبح زعيما شعبيا محليا، الذي اقترح على بعض الناس الموجودين في تلك البيئة اجتياز عتبة بابهم المحبطة.
البيئة
تتغير بعد سنوات، عاد ابن الجارة التي تسكن مقابل شقتنا للسكن في عكا مع أمه وأخته. في هذه الأثناء تزوجت اخته-صديقتي وانتقلت للسكن في بيت شآن، وقد علمت بأنهم يبحثون له عن زوجة. وبالفعل فقد تزوج بعد ثلاث سنوات وبقي هو وعروسه للسكن مع أمه العجوز. كنت في تلك الفترة أتعلم وأعمل في القدس. في زياراتي إلى بيت والديّ، بدأ يقل اهتمامي شيئا فشيئا بالحياة في الحي. رغم ذلك، راقبت تغيّر البيئة: بدأ أكثر فأكثر يظهر في الشوارع أشخاص يلبسون البذل السوداء، ونساء يغطين رؤوسهن بالقبعات الضيقة. كنت أصنفهم في دماغي كنتاج لحركة شاس التي بدأت تنمو في الحي. كنت ألتقي بعض هؤلاء الأشخاص على درج البيت عندما أحضر لزيارة الجار الساكن مقابل شقتنا، أو أنني أعبر من أمامهم عندما كانوا يقفون على المدخل، يجتمعون حول جاري الذي كان يتحدث بصوت هادئ وعميق. أو أنه كان صامتا. أثار انتباهي أنه لا يعود من الكنيس لوحده أبدا؛ كان يرافقه أشخاص دائما. بعض الأقوال: "ربنا، ربنا الحاخام بن تصيون"، من قبل تلاميذه الذي وقفوا في الأسفل، بجانب المبنى، وأدركت المكانة التي كانوا يكنونها له في قلوبهم. أدركت أنه بمثابة مرجع من المعرفة ومرجع أخلاقي، يبيّن الطريق، يمنح فرصة لخلق الهوية، يتيح وجود أخوّة إنسانية ضرورية. روت لي زوجته إلى أي مدى يشارك هو في حياة تلاميذه-أصدقائه، كيف يشاطرهم أفراحهم وأحزانهم. يسدي المشورة للأشخاص الذين يأتون للتحدث معه، يصلح ذات البين بين الأزواج المتنازعين. في أكثر من مرة كنت أسمع صيحات رجل وامرأة غريبين عن بيته. عائلته كبيرة. سبعة أفراد يعيشون في الشقة المتواضعة المؤلفة من أربع غرف، ومعظم الأثاث فيها أحضر من جورجيا، عندما قدم والداه إلى البلاد، قبل ثلاثين سنة. اعتاش بن تصيون، طيلة هذه السنوات، من التدريس في الحلقة الدينية وأعال عائلته بتواضع. عرفت من اجتذاب أطراف الحديث مع زوجته، التي كانت تزور بيت والدتي كثيرا، أنه يتقاضى أجرا يساوي أجري، وهو يعيل به العائلة؛ أجر أواجه صعوبة في الاكتفاء به رغم أنني وحيدة؟ الأخوية
الإنسانية الأساسية رغم الهوة السحيقة بين آرائي وآرائهم بمواضيع مختلفة، وبالأساس بكل ما يتعلق بمكانة المرأة والتوجهات التربوية، إلا أنه تسود بيننا علاقات من الجوار والقرب. كنت أحيانا أقصد الشقة المقابلة لاستعارة الكتب: التلمود أو كتب التعاليم الدينية التي كنت أحتاجها. عند طلبي كان يظهر جليا الفرق الذي بيننا: أنا امرأة أدرس الكتب التي كان يستخدمها الحاخام بن تصيون لوحده. كنت أتلقى ردا إيجابيا دائما، دون استغراب أو معارضة. ذات مرة، حين لم يكن الحاخام متواجدا في البيت، قالت لي زوجته أنها لا تعرف ما أريد، وقالت "إذن أدخلي وابحثي لوحدك". كنت أعلم أن بإمكاني أن أتحدث مع الحاخام بن تصيون حول مواضيع ذات اهتمام مشترك، ولكنه من الناحية الفعلية، وطيلة سنوات الجوار، كنت أدير معه محاورات حول المواضيع الثقافية والتوراتية فقط. كنت أعلم أن الفروق التربوية تبعد الجيران عن بعضهم البعض، وعلى الأكثر تبقي مكانا لخلق أخوّة إنسانية أساسية. من منطلق معرفتي طويلة السنوات للحي، تعلمت كيف أعرف وأقدر تأثيره. كنت أعلم أنه يمنح الناس فرصة للانتماء، الهوية، ويريهم السبيل الذي ينقذهم من الاغتراب الممأسس، من القمع الطبقي ومن الملاحقات المادية، سبيل يمنح إمكانية العيش الشخصي الأخلاقي المحترم، كجزء من إطار واسع. الحاخام، الزعيم المحلي، هو قناة للتوراة والتراث، التي ينظرون إليها هم كنوع من الانتماء القديم-الجديد. عندما اتصلت به هاتفيا وقلت له بأنني أريد الكتابة عنه، ساد الصمت ثم قال: "لست على يقين من أنني أرغب في الشهرة". بعد حديث طويل أبدى موافقته. أجرينا المقابلة في بيت أمي. طلبت من زوجته أن تنضم إلينا. قال لي في بداية الحديث أنه غير معني بنشر اسمه الكامل وصورته: "ربما يتعلق هذا بالطبع"، وأضاف مفسرا، "منذ طفولتي وأنا ألوذ إلى الصمت وأردت أن أبقى في الظلال. ناهيك عن أنه مكتوب "تكلم قليلا وافعل كثيرا". من المفضل أن نعمل، وألا نتكلم عن العمل، والتواضع جميل بشكل خاص في الأمور التي أتعامل معها". تم تعيين بن تصيون حاخاما للحي قبل ثمانية أشهر من ذلك الوقت: "التعيين في نهاية الأمر لم يكن إلا اعترافا رسميا. من الناحية العملية أنا أواصل العمل فيما كنت أعمله سابقا. أنا مستمر في تعليم وتعلّم دروس التوراة (في التلمود، الهلخاه والأخلاقيات) دائمة في عدة أنحاء من المدينة، أجيب على الأسئلة وأقدم المشورة بمجالات مختلفة. الناس يسألونني حول مواضيع الأرزاق، التربية والصحة، ويطلبون مني التدخل في أمور الأزمات الزوجية. أنا أصغي عادة ولا أجيب دائما، وخاصة إذا كان الأمر متعلقا بمواضيع لا أفقه فيها شيئا، مثل الصحة أو التجارة. في مثل هذه الحالات أقوم بتوجيههم إلى أشخاص خبراء في ذلك المجال. أنا أعقد القران، أخطب في مراسم الذكرى وأتعامل مع مختلف شؤون الجمهور التي يجب التعامل معها في مختلف دوائر الحياة". تكلم الحاخام بن تصيون ببطء، بصوت منخفض وهادئ. لم ينظر إلي مباشرة.
تكلم
قليلا وافعل كثيرا تدخّلت زوجته: "احكي لها عن الجمعية الخيرية التي تديرها". وصف بن تصيون ذلك بالتفصيل: أقام الصندوق هو واثنين من أصدقائه-تلاميذه. يتم تمويل الصندوق من تبرعات التلاميذ الذين يتعلمون في "الكولل"، وهو تحت تصرف الجمهور عامة. أمر وجود الصندوق ينتقل من شخص إلى آخر، والكثير من الناس يتوجهون للحصول على مساعدة مالية، وخاصة في الواقع الاقتصادي الصعب الذي نعيشه اليوم. مدير خدمات الرفاه في البلدية هو تلميذه وفي بعض الأحيان يوجه إليه المحتاجين، الأشخاص الذين لا يمكنهم تلقي رد فوري من البلدية. لقد تحدث عن عائلة واجهت صعوبة في دفع القرض السكني. "لقد باعوا الشقة وظلوا دون مأوى، ذلك لأنهم لم يكونوا من مستحقي المساكن الشعبية، لأنهم ليسوا مدمنين على المخدرات وليسوا أحاديي المعيل، وقد كانوا يملكون شقة في الماضي. لم يكن بإمكانهم دفع رسوم استئجار كاملة. الحل الوحيد الذي توفر لديهم للحصول على مساعدة من الحكومة هو الطلاق، وأن تحصل الزوجة على مساعدة كأم أحادية المعيل. تم توجيههم من قسم الرفاه للحصول على مساعدة من الصندوق". "يتوجه إليّ أشخاص من كافة قطاعات الجمهور، لأهداف الحسنات ولأهداف إسداء المشورة، ولا أكترث إلى كونهم متدينين، علمانيين أو عائدين إلى الدين. أحاول التصرف بالحسنى دون محاولة الإقناع أو الالتزام بأية وجهة. الناس يحضرون إليّ ولديهم حاجة معينة، سواء أكانت اقتصادية أو شرائعية أو دينية (مراسيم)، وأنا أحاول الإصغاء والاستجابة، إن تمكنت من الأمر".
سألته فيما إذا حدث أن نصح شخصا بألا يعود إلى الدين. رأيت أن سؤالي قد أربكه بعض الشيء. أغرق في التفكير، وبعد صمت قصير أجاب: "انظري، العديد من مسائل إصلاح ذات البين في البيت التي أحاول حلها متعلقة بأزواج عاد أحدهما إلى الدين. من المهم أن نتذكر أن هؤلاء الأشخاص ليسوا كفرة بل أشخاص يحافظون على التقاليد وأحد الطرفين يريد تنفيذ تعاليم التوراة والوصايا أكثر من الآخر. عادة، أرشدهما إلى أن الزوجية والحياة العائلية هما أمران هامان للغاية. من أجل العيش المشترك يكفي الحفاظ على الحد الأدنى، وهو الابتعاد أثناء الحيض والالتزام بالأكل "الكوشير" (الحلال)، فيما يتعلق بالملبس، تغطية الرأس وغيرها، أنصح الأزواج الرجال عادة بالتنازل. من المهم الحفاظ على الاستقرار العائلي، وليس فقط تنفيذ تعاليم التوراة، بل كذلك السكن في مكان المقدس؛ أي بما معناه، أنه من المهم لديّ أن تتيح العملية، التي يجتازها الناس أو الأشخاص، لهم ولمن يحيط بهم العيش والاستمرار".
إطار من الانتماء حسب رأيه، فإن القدرة على القيادة هي هبة يجب تعلمها وتطويرها. التعلم في مواضيع الهلخاه هو أمر لا نهاية له و "إذا كنت لا أعلم، فأنا أوجه السؤال إلى الغير. مجرد القدرة على تفهّم الآخرين، الإصغاء، تخفيف المعاناة حيث يمكن، الحساسية المطلوبة، هو نوع من الهبة التي تتطور مع مرور السنين ومع زيادة التجربة، والمبدأ في الأعمال التي أقوم بها هو الإصغاء والنية القلبية، التعاطف والاستعداد لتقديم يد العون". في مدينة نائية، عند خروج السبت، تحدثنا لمدة ساعتين. طرحت أسئلة حول مواضيع العمل الإبداعي، التربية، مكانة المرأة، السياسة والقوة. أسئلة كان بعضها مستفزا. دار الحديث بهدوء حذر ولكن ليس مضايقا، رغم أنه لم ينظر إليّ نظرة مباشرة، أحسست بالارتياح في مواصلة طرح الأسئلة. شيء ما من جو الحيّ، الذي يحافظ على التعايش السلس لجسور الحياة بغض النظر عن الفجوات القائمة، قد أثر علينا. طيلة الحديث، شدد بن تصيون على التحدث باسمه فقط، واعترض عندما حاولت وصفه كممثل عن حركة شاس. لقد ادعى بأنه قد بدأ نشاطه في الحي قبل انتشار حركة شاس، وقد انضم إليها في وقت لاحق وأيّد نشاطاتها. يبدو أنه بعد سنوات من الإجحاف، الإهمال وكسر الأطر الاجتماعية لدى القادمين الجدد من الدول الشرقية، يتيح لهم أشخاص مثل بن تصيون إمكانية إعادة خلق إطار من الهوية والانتماء التي لا يدفعها الإحساس بالإجحاف والغضب وتتيح للأشخاص التوجه إلى العمل الشخصي، الديني، الروحانية والكينونة اليومية، بينما يساعد أحدهم الآخر ويساعدون بيئتهم القريبة. التوجه إلى العمل اليومي الشخصي، الديني والوجودي من خلال مد يد العون لمساعدة الآخرين وإلى البيئة القريبة. عند خروج السبت، في اليوم الذي توفي فيه، اتصلت بالحاخام بن تصيون لأسأله فيما إذا كانوا قد رأوا أمي يوم السبت، بعد أن لم أنجح في الاتصال بها لمدة ساعتين تقريبا. لم يكن هناك رد في بيت الحاخام. استغربت الأمر. بعد حوالي ساعة اتصلت أمي وقالت لي وقلبها يعتصر من الأسى أن بن تصيون قد توفي إثر سكتة قلبية وأنها قد قضت طيلة يوم السبت مع زوجته والأولاد. لقد فاجئني هذا الخبر المشئوم. وأضافت أمي قائلة أنه منذ جنازة الثلاثة شعر بألم في قلبه ولكنه لم يعيره اهتماما واعتقد بأن الجميع يحسون بذلك. قالت لي أن الجنازة قد أجريت فورا، وبعض تلاميذه أعلنوا الحداد.
غداة ذلك اليوم سافرت إلى عكا، واتضح لي أنه كان رئيس "الكولل" في المدينة
منذ سنوات عديدة، ويصل عدد تلاميذه إلى المئات. لقد أصغى الحاخام بن تصيون
وسمع صرخة إنسانية صامتة ونجح في منح الناس مخرجا لأنفسهم ولجيرانهم عن
طريق تعلم التوراة والتداخل الاجتماعي. حتى لم يعد يتحمل قلبه تلك الفظاعة. |
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |