|
العدد
14
| كانون الثاني - شباط
2003
لن يكون بحوزة ابننا جواز سفر أمريكي |
|
|
||||||||||||
|
نظير مجلي: "نحن ندرك جيدا ما معنى الإحساس الدائم بأنك ضعيف " |
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
"سنعود إلى البلاد بعد شهرين، بعد ثلاث سنوات تقريبا في نيويورك، في خضم
ركود اقتصادي عميق، موجة من الإرهاب غير المنقطع، وعلى ما يبدو عشية حرب
الخليج الثانية، وأنا حامل" لقد أقفلت الهاتف لتوي بعد مكالمة مع صديق آخر من إسرائيل، حيث قال لي أن أعيد التفكير في ترك نيويورك والعودة إلى البلاد. غادرت إسرائيل قبل حوالي سنتين ونصف. يمكن القول أنه في ذلك الحين كان هناك سلام. ليس سلاما بالضبط ولكنها ليست حربا بالضبط. قبل دخول شارون الحرم الإبراهيمي الشريف، قبل انهيار محادثات كامب ديفيد. صحيح أن مؤشر الأسهم الأمريكية كان قد انهار ولكن الأشخاص العاديين لم يشعروا بذلك بعد، أو على الأقل لم أشعر بذلك أنا. كنت مخرجة شابة، بدأت العمل فور انتهاء دراستها، وبعد سنة قررت الانضمام إلى زوجها في نيويورك، إيجاد الوقت لتقييم مجدد بعد سنوات من الدراسة الشاقة. يسقط اليوم ثلج رائع، كل شيء مغطى بالأبيض، لم ينظفوا شارعنا بعد بواسطة كاسحات الثلج. إذا استمر ذلك لعدة ساعات أخرى فسيصل الثلج إلى ارتفاع متر. خرجت إلى "أكويلوني"، وهو مقهى على ناصية شارع رقم 11، لأن له واجهات باتجاه الشارع، لأنظر قليلا إلى الثلج ولكن الواجهات كانت مغطاة بالبخار المتكاثف وكنت بداخل "أكواريوم" محكم. سنعود إلى البلاد بعد شهرين، بعد ثلاث سنوات تقريبا في نيويورك، في خضم ركود اقتصادي عميق، موجة من الإرهاب غير المنقطع، وعلى ما يبدو عشية حرب الخليج الثانية، وأنا حامل. لنا ابن ندعوه، مؤقتا، ميغل، حتى وإن لم نكن نأمل بأن يصبح طباخا مكسيكيا. قرار العودة إلى البلاد كان سهلا بالنسبة لي. أنا أشعر بأنني أريد أن أكون هناك، ولكن رغم ذلك لا يمكنني القول أني بريئة من أي خوف: ماذا إذا مات أحدنا في عملية إرهابية؟ ماذا إذا لم يكن لدينا عمل؟ إذا لم أنجح في تحقيق تطلعاتي؟ وماذا بالنسبة لكل الأمور التي كان يمكن أن تحدث لو بقينا هناك؟ بالرغم من ذلك، كلنا ترقب لما سيحدث. إحساس بأن هذا الانتقال سيفتح أبوابا جديدة ويحمل في ثناياه وعدا. بعد زيارتي الأخيرة للبلاد، أحسست بأن قرار العودة إلى البلاد هو أكثر القرارات ترددا التي اتخذتها في حياتي. لقد نصحني معظم الناس بعدم العودة، أو على الأقل استغربوا ذلك جدا. "لقد بدأت حياتك في أمريكا، ما الذي ستفعلينه هنا؟"، "لن تكون الأمور جيدة هنا في السنوات العشر المقبلة"، "لديكم عمل جيد هناك". وفي حال نجحت في أن أوضح أن حياتنا هنا، في أمريكا، تتخللها السلبيات، عندها يأتي الادعاء الحاسم: "ما العيب في أن يحصل الولد على جواز سفر أمريكي؟". هناك ثلاثة أصدقاء يتفهمون رغبتي للولادة في البلاد. أما الباقون فيأسرهم إغراء الحصول على جواز السفر الأجنبي: الطريق المضمون إلى السعادة. يحب الأشخاص التفكير: "أنا لست مثلكم، منغمس في الجثة الإسرائيلية، يمكنني أن أحمل أمتعتي وأرحل، أنا أفضل منكم". وهم الناس بأن تل أبيب مثل نيويورك وأن بإمكانهم التحوّل إلى فرنسيين، ألمانيين، أو بولنديين، بمجرد التلويح بدفتر أزرق، يدعو إلى السخرية.
يتواصل سقوط الثلج ويدخل إلى المقهى إسرائيلي نعرفه يسكن في الحي، وهو غير سعيد في نيويورك. لقد أصابه الملل، ولكن ليس لديه ما يعود من أجله. لا يوجد عمل في مجال تخصصه. يقول "هكذا يبدو الوضع على الأقل". هذا سبب حزين جدا أن تكون عالقا في مكان لا تريد أن تكون فيه.
12
كانون
الأول
2002
ذهبنا إلى
متجر يبيع الأدوات الكهربائية التي تعمل بـ 220 فولط في شارع كنال ناصية
أسكس، لكي نتمكن من إرسال أجهزة كهربائية في حاوية (كونتينر) إلى البلاد
بحيث تكون معفية من الجمارك. هذا أيضا أمر يجب التعوّد عليه. من كوننا
زوجان لا يملكان أية ممتلكات، تحوّلنا إلى أصحاب ثلاجة، ماكينة غسيل،
ماكينة لغسل الأطباق، فرن وغيرها. حاولت أن أتخيل البيت الذي سيكون لنا،
يلمع بالأجهزة الكهربائية البيضاء، البشعة والكبيرة كما في أمريكا. لقد رأى ألف مثلنا. كلهم يفعلون ذلك. الأجهزة هنا أرخص ولهذا السبب سنعود، على ما يبدو، برجوازيين بكل ما في الكلمة من معنى. كان المتجر يبدو عند الدخول إليه كأي دكان لتصليح الأفران من الخمسينيات على الأكثر. تقف خلف الطاولة امرأة حاريدية مهملة، توجهنا بنظرة إيدية (إيديش) إلى الخلف، إلى دهليز مظلم من علب الكرتون حيث توجد في نهايته صالة عرض مضاءة، متطورة ورائعة. ما الذي يخفونه بواسطة هذه الواجهة البسيطة؟ يا للويل، من يعلم؟ اعتقدت أن عودتي إلى البلاد هي عمل مبالغ به، وقد توقعت أن أكون لوحدي في الدكان. من سيعود إذا كان الحديث هنا عن شغف حقيقي؟ لقد خاب ظني. كان في الدكان إسرائيليون آخرون. ليسوا كثيرين، ولكنهم شباب ولهم أولاد صغار وأي منهم لم يكن يبدو وكأنه سيشتري جهاز "مجيميكس" آخر قبل نهاية العالم. "هل عدد العائدين الآن إلى البلاد أقل؟"، سألت حاييم الباع. وأجابني، نعم. هذا ما يحدث في الشتاء دائما. الأغلبية تعود في الصيف. ما زلت أشاهد التلفزيون. بدأت تقل وتيرة التقارير من البلاد. أجلس على الكنبة وأسال نفسي كم سأستغرق من الوقت حتى أبدأ بالعصبية، ألا أعطي حق المرور للناس، أن أشتم، أن أكشف عن عدوانيتي بشكل اعتيادي، أن أعتقد بأن الجميع يحاولون خداعي وغشي وأن أكون دائما على حق. 14 كانون الأول 2002 صباح يوم السبت، يوم المكالمات الهاتفية الواردة من إسرائيل. رددت على الهاتف، وكان ذلك خطأ. أشعر بالنقد الذي يوجهه لنا الناس لأننا عائدون. حتى الأمر المفروغ منه وهو أنهم سعيدون بعودتنا لا يقولونه. البعض منهم ينطلقون من المنطلق الأساسي بأن حياتنا جيدة وحياتهم صعبة. الجو لديهم دائما أكثر حرارة أو أكثر برودة. أكثر من يثير العجب هؤلاء الذين ينجحون في قلب الأمور حيث تكون درجة الحرارة في نيويورك 0 وفي تل أبيب 18، بحيث يكون الجو لديهم أكثر برودة؟ "حسنا، ولكن لديكم تدفئة...". إنهم يحرزون نصرا ساحقا في المنافسة حول من هو المسكين بيننا. تبدو لهم حياتنا، لسبب أو لآخر حياة متألقة. رغم أن معظمهم لا يعرف عن هذه الحياة أي شيء. الصديقة التي اتصلت هي من هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون بأن العودة ووقف المستقبل المهني هو خطأ فاحش. أول ما يطرح هو موضوع جواز السفر الذي سيحظى به الولد الذي لم يولد بعد.
نجحت في
التملص: قلت لها "يمكنك أن تتخيلي أن الجميع يقولون لي ذلك. سأشرح لك لماذا
قررت أن ألد في البلاد، عندما سنلتقي". ومن جواز السفر إلى (إبرة الظهر)
الإبيدورال: "إذا أردت الولادة دون إعطائك الإبيدورال فعليك أن تجهزي نفسك
لذلك"؛ كما فعلت هي، بطبيعة الحال، وقد كانت تلك تجربة مثيرة. قلت لها أني
لم أبلور موقفا بعد وليست لي مبادئ معينة تتعلق بهذا الأمر. إلا أن إجابتي
كانت متلعثمة وعلى ما يبدو غير كافية، عندها حكت لي عن امرأة سافرت
بالطائرة في فترة حملها، كما أنوي أن أفعل أنا تماما. بدأ المخاض لديها
وكانت الطائرة على وشك الهبوط في لندن. لم تخسر الشعور المثير بالولادة
فحسب، بل أن شركة الخطوط الجوية قدمت شكوى ضدها. في الوقت الذي قالت له كم هو صعب الوضع في البلاد وأنه لن يجد عملا أبدا، فكرت في كل الأشخاص الذين يشتكون من الإسرائيلية ويتوقون إلى مغادرة البلاد، ولكنهم يفعلون أكثر الأمور إسرائيلية. لا، أنا لا أقصد سرقة الحنفيات، بل تدخل أحدهم في حياة الآخر والانتقاد اللا نهائي، دون توفير حيّز لغوي بين الأشخاص. لماذا يجدر بي أن أسمع الانتقاد من كل الناس؟ أشعر أنه إذا لم أشتر ثلاجة كما يفعل الجميع، فإنهم يهاجمونني.
قلت لروعي
بغضب أنني لست على استعداد ليتدخل أحد في حياتي. قال لي ببرودة أن هذا هو
بالضبط ادعائي العكسي تجاه حياتنا في نيويورك. "أنت تشتكين دائما من عدم
تدخل الناس وأننا وحيدون مع أنفسنا.
وأن لا
أحد يفصح لنا عما يفكر به ولا يوجد ضمان متبادل".
16
كانون
الأول
2002
ابتداء من طابور التفتيش الأمني كان هناك إحساس بنوع من المرارة. استغرق الأمر وقتا طويلا وكل واحد تصرف وكأنه يقول، ماذا يريدون منه؟ إنه هنا بمحض الصدفة. هناك من يفكر بالتأكيد بأن "ها هم المحكوم عليهم بالموت في العملية الإرهابية التالية". هناك من يفكر، "ها هم الفاشلون": هؤلاء الذين لم ينجحوا في أمريكا وها هم يضطرون للعودة ويأملون في عدم نسبهم إلى هذه الفئة. هل هناك من يعتقد: ها هم خيرة أبنائنا؟ لا يبدو لي أي شخص منهم شاذ أو متخلف، ولكن ما هو الذي يمكن أن نعرفه من مجرد النظر إلى الطابور. صعد مدير عام وزارة الاستيعاب، السيد رونين بلوط، وهو رجل كبير الحجم مثير للإعجاب وله لكنة روسية طفيفة، للتحدث أمام حوالي خمسين أو ستين شخصا. لقد شرح أن إعادة الإسرائيليين إلى الديار هو أحد أهداف وزارته. لا يحاول أن يقول لنا أن الاقتصاد هناك أفضل، أو أن الوضع الأمني أفضل، بل أن هناك أمور لا يمكن انتزاعها من دولة إسرائيل. ورقة العواطف تُسحب بتلقائية طبيعية. "ماذا علينا أن نفعل لتسهيل أمر عودة الناس؟" يسأل في نهاية الأمر. نظرت إلى جمهور العائدين. هذا الجمهور مؤلف من شباب يلبسون بذل عمل أنيقة، كبار في السن جاءوا من نيو جرسي أو من لونغ آيلاند. بقي السيد بلوط صامتا إلى أن نهضت إحدى السيدات وقالت: "أنا أريد بيتا"، شخص ما يقاطعها: "سيمنحونك بيتا في ديمونا، ماذا ستفعلين هناك؟". ينفجر الحاضرون ضحكا. وآخر يقول: "سلة الاستيعاب، أعطونا سلة استيعاب كتلك التي يحصل عليها الروس". توجه إلينا المدير العام بألقاب شتى مثل "إخوتي"، ويقول أنهم يحاولون اتخاذ قرار حكومي لمساواة شروط المواطنين العائدين بشروط القادمين الجدد. الشكوك تساور الحاضرين. نهضت امرأة مسنة وقالت أنها قد حاولت العودة عدة مرات إلى البلاد. في إحدى المرات بقية أربعة أشهر ثم يئست، في المرة الثانية صمدت شهرا واحدا فقط. في هذا الشهر- بدأت تصف بالتفصيل الممل وبلغة كانت تُسمع في البلاد في السبعينيات – كانت تتنقل بين مؤسسة التأمين الوطني وبين دائرة التشغيل، وبعد ذلك أخذت أولادها وحقائبها وعادت إلى أمريكا. شخص ما يقاطع حديثها: "العمل هو العنصر الرئيسي، المساعدة في إيجاد عمل يمكن أن تحث الناس على العودة"، وقال آخر كان يجلس إلى جانبي: "تصرّفوا في أمريكا كالأمريكيين، في أمريكا لا يقاطعون الآخرين أثناء الكلام". خريجة أكاديمية خبيرة في مجال التربية على السلام تتذمر من أنها غير قادرة على العثور على عمل في البلاد. ما هذا؟ شاب فصيح اللسان يتحدث عن أسباب العودة: الانتماء، اللغة، الثقافة، السياسة. يستعرض العوائق التي تضعها الدولة: قوانين ضريبة الدخل التي تقضي بأن يدفع الإسرائيلي الذي يعمل في الولايات المتحدة فروق الضريبة، ولذلك ينصح المحاسبون زبائنهم الإسرائيليين بقطع أية صلة لهم بالبلاد، والتوقف عن دفع رسوم التأمين الوطني، بيع الشقق وعدم حيازة أملاك في إسرائيل. ولكن في هذه الحال يعترضهم قانون التأمين الوطني الذي يقضي بأن على من يعيش خارج البلاد ومن ثم يعود إليها أن يدفع مبالغ طائلة (5،000 ش.ج. في الشهر) عن كل شهر لم يكن فيه في البلاد، وعلى أية حال فهو يحصل على الامتيازات بجيل سنتين فقط. هناك شيء ما في الحديث، في المقاطعات الكلامية، يحول هذا الحديث إلى حدث مسلّ، لكنه مسل بشكل غريب. أصاب الملل طالبا جامعيا صاحب شعر طويل وقال للمدير العام: "وظيفتك هي إحضار الإسرائيليين إلى البلاد، وظيفتي هي أن أرزم أربعة صناديق معبئة بالكتب إلى البلاد، كيف سأدفع 600 دولار تكلفة ذلك؟"، طرح هذا السؤال في الهواء. صبية تجلس في الخلف قالت: "لماذا تعتقدون أننا نستحق جائزة لقاء عودتنا إلى البلاد؟". توجّهت إلى الحاضرين قائلة: "عندما حضرنا إلى هنا هل قدم شخص ما أي شيء؟". وعندها تقدم إلى المنصة رجل يبلغ من العمر حوالي 40 سنة يبدو خنفوسا (هيبي) بعض الشيء، وقال: "أنا لا أعلم ماذا أفعل هنا، لأنني لا أنوي العودة إلى البلاد. لكن مشكلتنا هي أن كل منا يريد أن يأخذ دائما. إذا سافرتم إلى هناك واجتهدتم، فسوف تأخذون ما تستحقونه. نحن هنا مستعدون لفعل أشياء لم نكن لنفعلها هناك، وهذه هي المشكلة". لا يمكن للحاضرين تحمل محاضرة الوعظ هذه من شخص لا يعرف ماذا يفعل هنا، وعندها ثارت الضجة. لقد استطاع أن ينبس بجملة "فاك يو" و"من أنت أصلا؟"، حتى نجح المدير العام بتهدئة الخواطر. أجمل المدير العام الحديث بأن بمقدور كل الحاضرين في الغرفة الاتصال بمكتبه حول أية مسألة وستقوم سكرتاريته بمساعدتهم بشكل شخصي، وفجأة يستحوذ الحدث كله على صبغة أشبه بمركز الليكود. أما أنا، فقد انتابني العجب من أن أي شخص لم يذكر ما كان يبدو لي الموضوع الرئيسي. إذا أحرزت الحكومة السلام، فسيرتفع مستوى الأمن، سينتعش الاقتصاد والعديد من الإسرائيليين الذين كان بنيتهم العودة ولكن لم يكن بمقدورهم ذلك، سيتمكنون من اتخاذ هذه الخطوة عن طيب خاطر. قررت أن أكتب إليه رسالة.
25
كانون
الأول
2002
تحوّل صدام حسين وجورج بوش إلى بطلين رئيسيين في قصة عودتنا إلى البلاد، وقد اضطررنا إلى مواجهة التخمينات: متى ستبدأ الحرب في العراق ومكالمات هاتفية من إسرائيل ملؤها الرعب. قبل عدة أيام، ورد في الصحف الإسرائيلية أن الحرب في العراق ستبدأ في نهاية شهر كانون الثاني أو في بداية شهر شباط. كنت أفحص في "نيويورك تايمز" كل يوم ولكن الصحافة المحلية هنا لا تذكر التواريخ. حين أحاول أن أتخيّل كيف أهبط في مطار بن غوريون في خضم غارة من صواريخ السكاد، ومن يعلم ماذا يخطط الفلسطينيون، وعندها أحاول أن أجد شقة أو عملا في تل أبيب، فيبدو لي هذا الأمر خياليا.
تحدثنا فيما
بيننا عن ذلك، وقررنا أنه إذا بدأت الحرب في ذلك الوقت بالذات فسنؤجل السفر
إلى ما بعد الحرب. أشعر وكأنني جرافة هائلة تحاول التقدم ببطء، وكل
الصعوبات الممكنة تتراكم في طريقها.
لقد كان لأوري
صديقي شيء واحد ليقوله (وهو يتنهد) عن كل تذمراتي من الأشخاص الذين لا
يشجعون قرار العودة إلى البلاد وينتقدونني من كل حدب وصوب، وعن الخوف من
مغبة أن أخسر مستقبلا اقتصاديا مريحا في الولايات المتحدة: "حسنا، ها هو
انتصار آخر للروح على المادة".
29
كانون
الأول
2002
زرت الطبيب لإجراء فحص اعتيادي. كل الأمور على ما يرام، فيما عدا أنني لا أعلم فيما إذا كنت سأبقى هنا حتى موعد الفحص الاعتيادي التالي بعد شهر، لأن لا أحد يعلم ماذا سيحدث في الحرب ومع صدام، كما تبين من الحرب السابقة، أنه مجرد إنسان.
الأخبار
الساخنة من البلاد تفيد بأنهم يريدون تطعيم كل السكان ضد الجدري، ويتوجب
على النساء الحوامل أن يكنّ معزولات بشكل أو بآخر، لأن هذا المرض هو مرض
معد ومن غير الممكن تطعيمهن. في إطار عملي وصلت إلى إسرائيلية تسكن في كوينز، وقد رجعت إلى الدين. لقد دعتني إليها للقاء إسرائيليين آخرين يأتون إليها مساء كل يوم جمعة. تقدم لهم وجبة عشاء وتشعرهم بأنهم في البيت، إنها تدعوه "البيت الإسرائيلي"، وهي تحصل على بعض التمويل للباستا مع صلصة البندورة وتحضر شخصا ما ليتحدث معهم قليلا في أمور الدين. في الشقة الأكثر بؤسا التي رأيتها في نيويورك، اجتمع خليط غير واضح من الأشخاص الذين يواجهون مشكلة أو أنهم مجرد أشخاص وحيدين. هناك التقيت بحاييم، رجل يبلغ من العمر حوالي 50 سنة، يعتمر قبعة "بيس بول" ويرتدي قميص "فانيلة"، كان يبدو كأحد أصدقاء والدي. ردا على سؤال ساذج، شرع بخطاب طويل وبعد ثلاث جمل أحسست بأنني أحبس دموعي.
لقد وصل إلى
نيويورك قبل 26 سنة، يتسلح برغبة كبيرة في النجاح، انتقل بين أعمال مختلفة
حتى بدأ يعمل في مجال الحاسوب وهذا ما يفعله حتى اليوم. "هل تفهمين، أصبحت
وتيرة الزيارات إلى البلاد أقل، وحتى عندما كنت أزورها لم يكن لي هناك من
أزور. لقد مرض والديّ وبعد عدة سنوات من وفاتهما فقط كان بإمكاني أن أكون
إلى جانبهم وأن أراهم مرة في الأسبوع بدل مرة في السنة. ولكن هذا الأمر جاء
متأخرا، ماذا لديّ هناك الآن؟ لدي عمل هنا على الأقل. ماذا يمكنني أن أجد
هناك في سني هذا؟ أنا عالق عمليا. معظم الإسرائيليين هنا في أمريكا، إذا
تحدثت معهم، فستكتشفين أنهم عالقون هم أيضا".
31 كانون
الأول
2002
يمكن البقاء هنا لأسباب جيدة أيضا. أنا أعرف أشخاصا يربحون الكثير من المال ولديهم عمل مثير جدا، لا يمكن مقارنته مع أي شيء في البلاد. ما أحن إليه هي الأمور البسيطة، الصغيرة. المباني الجميلة، حوانيت المسنين في جنوب تل أبيب. لقد أنهكني الصخب الأمريكي اللامع، السعادة الذاتية التي يظهرها كل موظف، بائع، مذيع إعلانات، وتجعلني أشعر بالغربة. أعتقد بأنني أحن إلى شيء معروف. هل هو موجود؟
6
كانون
الثاني
2003
أقرأ الصحف الإسرائيلية على شبكة الإنترنت، وها أنا مرة أخرى على الكنبة أشاهد شبكة السي. إن.إن. نفذت عملية انتحارية كبيرة في نفيه شأنان، وأنا أحاول بأن أستوعب بأن هذه هي البلاد التي سأعود إليها، وليست البلاد التي غادرتها قبل ثلاث سنوات. أن أنجذب إلى نواة الكرة الأرضية، إلى مكان كل شيء فيه حي، يغلي ويحترق. أشعر بأن هناك هو المكان الحقيقي وليست لدي أية طريقة أخرى لشرح ذلك.
كانت هناك
صعوبة في استئجار شقة في تل أبيب منذ البداية. إذا بدأت الحرب وأجلنا
العودة، فإن صاحبة البيت، وهي صديقتي ستخسر المال ولذلك فمن الممكن أن تقوم
بالتأجير لشخص آخر ولن تنتظرنا. أنا متأكدة أن صدام كان سيكون فخورا لو علم
بأنه يصعّب الأمور على زوجين إسرائيليين ولهما ولد في الأحشاء فيما يتعلق
بعودتهما إلى تل أبيب. 15 كانون الثاني 2003 حضر الحمالون بالأمس وأخذوا كل الأغراض التي سنرسلها عن طريق البحر: الكتب، الدسكات، أواني المطبخ، الثياب، المناشف، الصور والمستندات. أنا على أية حال لا ألبس أغلبية ملابسي بسبب بطني الكبيرة التي اسمها ميغل. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا ولم تبق الشقة فارغة، فعلى كل الأحوال معظم الأغراض تخص صاحب البيت. فلتحيا الحياة المؤقتة. لم أشعر بأنني أرزم حياتي، هذا ليس إحساس بالنهاية ولا ببداية جديدة. لقد سيطرت عليّ الواقعية، وهذه نعمة يتمتع بها شخص في خضم خطوة معظمها عاطفي. ستصل الباخرة في نهاية شهر شباط. سنسكن حتى ذلك الموعد في شقة تكاد تكون فارغة، ولكن ما هذا بالنسبة لي؟ أنا ما زلت في الثلاثين من العمر وعند وصول الباخرة سأبلغ الواحد والثلاثين. نيويورك تساعدنا على المغادرة وكأنها تركل بنا إلى الخارج: منذ ثلاثة أسابيع تبلغ درجة الحرارة بين خمس درجات تحت الصفر وعشر درجات تحت الصفر. هذا اليوم كان الأسوأ، رياح في الشوارع ولكن ميغل يدفئني. لقد نشر صاحب شقتنا إعلانا في الإنترنت عن الشقة الصغيرة والمكتظة التي كنت قد تعلقت بها في الطابق الخامس بدون مصعد، وفيما يلي نصها:
"شقة مؤلفة من
غرفتي نوم، رائعة في قلب إيست فيليدج، بجانب مخبز فينييرو. تطل على منظر
مبنى أمبيير ستيت، إمكانية الوصول إلى السطح". أجلس على طرف الكنبة البنفسجية وأنظر من النافذة إلى مبنى أمبيير ستيت، وهو الذي أصبح الأعلى في المدينة. تتم إضاءة جزءه العلوي بلون مختلف كل يوم. اليوم هو مضاء بالأبيض، وهذا هو اللون المحبب إلى قلبي. يبدو عليه اللون الأبيض أجمل ما يكون، الأكثر ملوكية. درجة الحرارة في الخارج هي عشر درجات تحت الصفر، أما في الداخل فالجو دافئ، يبدو صوت بخار التدفئة في الأنابيب كصوت قطار بخاري صغير. الوقت هو منتصف الليل، وانطفأ النور الأبيض فجأة. بقي ظل المبنى الأسود، مثلث مع هوائية على خلفية سماء غامقة-صافية، تضيئها ملايين من أنوار الجزيرة. وكما هي الحال في الكثير من الليالي قبل ذلك وربما لن تكون كثيرة في المستقبل، سأذهب لأنام.
28
كانون
الثاني
2003
اليوم هو يوم الانتخابات في إسرائيل ونحن لن ندلي بصوتينا. اكتشفت بعد الظهر وبعد وخزات كثيرة في ذراعي أن كل هذا لم يكن ليغير الأمور. أريك ملك إسرائيل، وهذه هي إسرائيل التي سنسافر إليها.
30
كانون
الثاني
2003
حتى خطاب "حالة الأمة" الذي ألقاه الرئيس بوش قبل يومين وتقرير المراقبين الذي قدم إلى مجلس الأمن، هما حدثان متعلقان بشكل مباشر بمصيري في المستقبل القريب، لم ينجحا في اجتذابي. على ما يبدو، كل قوة التركيز لديّ كانت مطلوبة لأمور أخرى. رغم ذلك كله كان يبدو أن الحرب ستبدأ. هذا ما قرأته في الصحيفة. ونحن سنكون في مرمى الصواريخ. لو كنا نعرف ماذا سيحدث مسبقا، لكان بإمكاننا أن نكون متأكدين بأننا لا نرتكب خطأ. لديّ صديق يقدم أفلاما كاملة حول هذا الموضوع.
الخيار الأخير
الذي بقي لديّ هو أن أنطوي على ذاتي وأن أستمع إلى نفسي، وأنا أشعر الآن
أنني أفعل الشيء الصحيح. شاهدت على الخارطة، على الشاشة أمامي في الطائرة المتوجهة إلى زيوريخ، أن الليل يخيم على أمريكا ولم أنجح في النوم. أدرك بأنني أصبحت متعلقة بمدينة الأنوار، بالثقافة، بكل ما هو هناك. ولكن أكثر ما تعلقت به هو الأشخاص. كلهم إسرائيليون، فيما عدا أمريكيتين، وهما أعز صديقتين، وقد ساعدتاني في فهم واكتشاف ما لم يكن بإمكاني أن أكتشفه بنفسي. وها نحن الآن فوق المحيط الأطلسي حزينين وخائفين من الآتي.
31
كانون
الثاني
2003
كان برنامجنا
أن نسافر لقضاء نهاية الأسبوع لدى الوالدين والانتقال يوم الأحد إلى شقتنا
في تل أبيب. أنا أعاني من آلام في الرجلين ومن ثقل وزن بطني، لذلك فإن موضوع إيكيا والانتقال إلى الشقة لا يعنيني. في هذه الأثناء كل الأشياء تبدو خضراء فيما عدا الوخز في الجسم.
2
شباط
2003
هذا هو الإحساس بالضبط الذي أحسست به قبل سنتين ونصف، حين سافرت إلى نيويورك. واجهت صعوبة بدون أصدقائي وعائلتي، خيمت عليّ الوحدة الفظيعة ولكني اعتدت على ذلك في حينه. مع مرور الوقت بدأ أشخاص آخرون يملئون الفراغ. يبدو أن هذا ما سيحدث في هذه المرة أيضا. التجربة هي مصدر للمواساة.
وكما اعتدنا
في نيويورك قطعنا تل أبيب كلها مشيا على الأقدام. هناك الكثير من الترتيبات
التي يجب إنجازها. الركود الاقتصادي موجود في كل زاوية وقد فاجأنا. لا توجد أي فقاعة في تل أبيت. حتى وإن وجدت ذات مرة فإنها قد انفجرت على ما يبدو. لم تعد تل أبيب مرحة كما عهدتها. أو ربما الشتاء هو السبب؟ أشعر، في الشارع، بأن الناس يكره أحدهم الآخر، لا يمنح أحدهم الآخر أي نوع من الحرارة، الحنان أو مجرد الابتسامة اللبقة. هذا شيء من الكراهية التي تعصف في شوارع أورشليم القدس وهي المدينة التي ولدت فيها، شيء من طباع الناس التي حذت بي إلى الانتقال إلى تل أبيب قبل سنوات، قد وصلت إليها أيضا. أنظر إلى وجوه الأشخاص الذين يحاولون إتمام الشهر، والذين لا يعرفون فيما إذا كان الدكان سيظل بملكيتهم في الشهر القادم أو أنهم، مثل الآخرين، سيضطرون إلى تعليق لافتة؛ وأنظر إلى وجوه الموظفين في فرع البنك الذي أتعامل معه، والذين أفلتوا من حملة التقليصات الأخيرة وينتظرون الحملة التالية والخوف يعتريهم. أنظر ولا أفهم تماما كيف صوّت هؤلاء الأشخاص في الانتخابات لصالح إبقاء الوضع على ما هو عليه. كيف لم ينتفضوا ويطالبوا بالتغيير من أي نوع كان. أي تسهيل كان. كيف نظروا إلى أنفسهم ورأوا ظهرهم المنحني من الثقل الآخذ بالتزايد، وقالوا: الأمر ليس سيئا إلى هذا الحد، لا مفر، مجبرون، سننحني قليلا وسنواصل الحمل. كيف ألغيت الغريزة الأولية لدى الإنسان لتحسين حياته، الغريزة التي دفعت البشرية إلى كل إنجازاتها (وإلى كل كوارثها). أخاف من ألا يتحرك أي شيء هنا، إذا لم تكن لدى الأشخاص حاجة في التقدم، في التطوير، في التحسين، في النجاح.
10
شباط
2003
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |