العدد 15  | آذار - نيسان 2003

ثلاثة أجيال وما بعد الحداثة
موران بيلد

"

 يرمياهو يوفال: "إن ما بعد الحداثة ستمضي من هذا العالم باعتبارها موضة أو تقليعة. أما ما لن يمضي فهي الحداثة".

 

هل أفكار ما بعد الحداثة، التي ما زالت حاضرة بقوّة في حياتنا، ليست سوى تعبير عن موقف فكري تابع لجيل معين ومحدد ليس إلا؟ هل أصبحت الظروف مواتية لإنشاء فكر حداثي يواكب روح العصر؟ موران بيلد حاور كلا من يرمياهو يوفال (68)، عادي أوفير (52) وغادي طاوب (38) حول موقفهم من ما بعد الحداثة واليوم الذي يليها.

 الحاضر يضع أمامنا تحديا كبيرا ومثيرا. لكن كلما تعززت الحاجة العاجلة لمواجهة تعقيدات الوضع الحالي كلما تزايدت ظواهر الهروب والاعتماد على قيم عفا عليها الدهر، وكجزء من ظواهر الحاضر التي تضع التحديات أمامنا هناك ظاهرة ما بعد الحداثة وما بعد الصهيونية والتي تتطلب منا اتخاذ موقف فوري. في مناقشة هذه الظاهرة نستخدم آراء ثلاثة من المفكرين الذين يمثلون أجيالاً مختلفة من الفِكر الفلسفي-الاجتماعي. والثلاثة يعارضون محقين التصنيفات التي نطلقها عليهم كـ"حداثي"، "ما بعد الحداثة" و"ما بعد ما بعد الحداثة". وأنا اقترح على جمهور القراء الكرام أن يعارضوا هم أيضا مثل هذه التصنيفات وأن يفحصوا ما يختبئ من ورائها. إلا إنها ستساعدنا في الوقت الراهن على فهم العملية الفكرية التي تتفاعل في أيامنا من مواجهة التحدّي الذي تفرضه ما بعد الحداثة.

 ينهض الـ"ما بعد ما بعد الحداثي" ، غادي طاوب (38)، في الصباح ويجلس في احد مقاهي مدينة تل أبيب لإنهاء كتابة رسالة الدكتوراة. ويذكر بدعابة "عندما تكتب الدكتوراة فانك تعاني من الوحدة وإذا كنت لوحدك فيحبذ أنْ يكون من خلال الحركة". بعد أن اعتبر نفسه الناطق البارع والفصيح لجيل كامل في كتابه "تمرّد مُنهك"، فإنه معنيّ بتعميق البرنامج الفكري لنقده: "لم تكن بحوزتي في 'تمرّد مُنهك' الوسائل الكافية لشرح الأنماط الأمريكية التي نتبناها. وعلى وجه الخصوص في القسم الثاني من الكتاب والذي أعتبره أوليا للغاية. وهكذا اخترت كتابة رسالة الدكتوراة في التاريخ الأمريكي."

 وعلى بعد عدة شوارع من هناك يسكن البروفسور عادي أوفير (52)، احد الفلاسفة الذين يحظون في الوقت ذاته بالتقدير والنقد في البلاد والذين يتناولون موضوع ما بعد الحداثة، وهو من مؤسسي مجلة "النظرية والنقد" التي بدأت تصدر في العام 1991. أوفير يوزع وقته بين المساقات التي يدرّسها في جامعة تل ابيب وجامعة بار ايلان ومعهد هرتمن حيث يعتبر زميل بحث. ويعمل في وقت الفراغ محررا لسلسلة نشرات الترجمة لمفكرين من مرحلة ما بعد الحداثة مثل بوكو ودريدا. أوفير هو احد الأقلام الرئيسية المعرضة للنقد من قبل طاوب كممثل لمفهوم ما بعد الحداثة. وهو نفسه يفضل لقب "الفيلسوف النقدي". وكذلك بروفسور يرمياهو يوفال (68)، خبير له اسمه في العالم لفلاسفة مثل كانت، شبينوزه وهيغل، لا يوافق على تعريفه المجرّد كـ"حداثي" ويفرّق بين مفاهيمه والمفاهيم السابقة له. في الآونة الأخيرة، بعد أربعين عاما من الدراسات والأبحاث الفلسفية في الجامعة العبرية في القدس انتقل يوفال للإقامة في مدينة هرتسليا وهو المكان الذي ما زالت فيه الطبيعة تتاخم المنازل الفارهة مع العلم أن يوفال فائز بجائزة إسرائيل في موضوع الفلسفة للعام 2000 وهو من مؤسسي معهد شبينوزه.

   

غادي طاوب: "أشعر بالتعاطف مع مشاعر التفكيكية، التي أشاطرها إلا أنني لا أريد الرضوخ لها. إنني اشعر بما يكتب ايتغار كيرت وغابي أمير. لكن لا داعي للتوقف عند هذه المشاعر وإنما يجب التفكير بماذا نفعل لمقاومتها ويقينا فالحل ليس الانضمام للعدل المبالغ به لما بعد الصهيونية، التي تتمخض عنها أعمال الغبن الاجتماعي وفي بعض الأحيان كوارث سياسية."

 

الحداثة وما بعد الحداثة
أن مصطلحات مثل "حداثة" و"ما بعد الحداثة" تثير الرهبة لدى الكثير من الأشخاص وبحق. فالوتيرة المكثفة لاستخدام هذه المصطلحات جعلتها تتآكل وأفضت إلى إهانتها والاستهتار بمن يستخدمها. ولا داعي لتكون أنت نفسك فيلسوفا لتلاحظ إلى أي مدى نحن غارقون في عالم مُترع حتى النخاع بالحداثة وما بعد الحداثة. ويمكننا أن نفهم الحداثي حسب مفاهيمه اليومية: الحداثي هو المتقدم والذي يفرق بين نفسه وبين الماضي من خلال التجديد الذي يحمله في ثناياه ولديه طموح ليكون "الصرعة الأخيرة". سواء إذ كان الحديث عن سيارة حديثة أو شقة بأحدث التصاميم أو الملابس من ابرز دور الموضة فجميعها مصابة بطموح الصرعة الأخيرة في السوق، ما يحمل في طياته الوعد بتحقيق السعادة الغامرة. وفي هذه الأثناء بالذات، عندما يستطيع كلّ من يتفرج على هذه التجديدات والتحوّلات القول: لحظة، ما اعتقدناه صحيحا وسليما وجيدا حتى قبل لحظات لم يعد ساري المفعول ومناسبا لليوم! إذن، ما الساري المفعول؟ الساري المفعول الوحيد بالتالي في نظر الناظر ما بعد الحداثي يكمن في تبديلات الموضة بحد ذاتها.

 عندما نخوض غمار المجال الفلسفي، فإن الحداثي (الذي يمثله فلاسفة مثل ديكارت، كانت، شبينوزه، هيغل ونيتشه) يعتمد على خيبة أمل أو على شرخ من الماضي. يقول بروفسور يوفال في هذا السياق: "حسب اعتقادي، ما يميّز الحداثي هو الشرخ والتصدع بينه وبين التقاليد برمتها، والتقاليد الكليّة والسريان المبرِّر لمفعولها. ومع كونها المصدر الذي يشرح ويهب المعنى لعالمه. اجتث الإنسان من مصادر السلطة التقليدية التي عهدها، ولا سيما التقاليد الدينية دون أن ينحصر فيها وحدها.

"بما انه لا توجد تسويغات إلهية للفلسفة، فإن فلاسفة الحداثة يحاولون ترسيخ فلسفتهم على مبادئ أخرى (الفيلسوف كانت - على الفهم الإنساني، هيغل - على العملية الروحية في التاريخ وغيرها)، من خلال الطموح الخفي لبلوغ الكلية الجمعية، لمفهوم شامل حيال الواقع وقول "الكلمة الأخيرة" في الفلسفة.

 ينظر ما بعد الحداثي إلى التبدّل الحاصل في الموضات الفلسفية والموضات الأخرى كمراقب من الجانب (هذا ما يزعمه هو نفسه على الأقلّ) ويتوصل إلى الاستنتاج القائل أنه طالما فقدت نقطة قياسية مطلقة للقيم (المقولة المجازية التي يستخدمها نيتشه حول موت الله)، فإنّ أيّ تقليعة لن تستطيع بالطبع الإحاطة بكل تفاصيل الواقع، ولن تفي بالتعهد الذي قطعته على نفسها بأنْ تكون وجهة نظر أخيرة وشاملة. ويدعي ما بعد الحداثي أنه طالما يعدّ أيّ موقف من العالم منوطا بوجهة نظر الناظر، ليس من المحتمل أن تكون هناك نظرة شاملة للواقع، أو بعبارة أخرى: لا وجودَ للحقيقة. ويرسّخ ما بعد الحداثي على هذا المفهوم نسبية التاريخ (ارتباط الحقائق بالمفهوم الذاتي للمؤرخ) ونسبية القيم الإنسانية عموماً. يتمخض عن نقطة الانطلاق هذه الموقف الأخلاقي ما بعد الحداثي: بما أنّ أيّ تجسيد لمفهوم معين ينطوي على تجاهل للمفاهيم الأخرى، فإنّ أيّ هيمنة قيمية (هيمنة غربية على شرقية، رجولية على نسوية، صهيونية على فلسطينية وغيرها) تمارس العنف ضد مفاهيم وثقافات تختلف عنها.

 "تمرّد منهك" كردّ على ما بعد الحداثة
خلال الزمن الذي مرّ منذ صدور كتاب المقالات الخاص به تحت عنوان "تمرّد منهك" في العام 1997 استطاع غادي طاوب طوال أربع سنوات أن يدرس لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة في جامعة راتغرز بنيوجرسي، وأن يعلم بعد عودته إلى البلاد قبل سنة، الثقافة الإسرائيلية المعاصرة في كلية السينما في 'معليه' وكلية وسام شبيغل في القدس. وكل ذلك، بينما كان يعكف على إنهاء رسالة الدكتوراة التي تتناول فِكر الفيلسوف الأمريكي المعاصر ريتشارد رورتي.

   

عادي أوفير: "ليس صحيحا أنني أناهض كلّ نوع من أنواع التضامن. بل لا أقبل التضامن القبلي باعتباره أساسا للنظام السياسي. التضامن القبلي لا يمكنه أن يشكل حدوداً للواجب الأخلاقي. إنني أناهض 'فقراء مدينتك أولاً'، إلا أنني أؤيد التضامن المدني".

 

وعلى الرغم من ولادته ونشوئه وترعرعه في مدينة القدس إلى حين انخراطه في الخدمة العسكرية فإنّه محسوب على الثقافة 'التل أبيبية' التي يعيش في كنفها وكان قد كتب حولها طوال عامين في الصحيفة المحلية "تل ابيب"، وهذا ما حدا به إلى اعتبار هذه الثقافة (وفي بعض الحالات من منطلق حجة مبالغ بها) نموذجاً للثقافة الإسرائيلية الشابة. إن مبنى كتاب "تمرّد منهك"، الذي يتخذ موقفا نقديا واضحا حيال جملة من الظواهر المسمّاة ما بعد الحداثة، يعتمد على التفريق شبه التقليدي بين الوضع ما بعد الحداثي (القسم الأول) وبين الأيديولوجية ما بعد الحداثية (القسم الثاني); وهو النمط الذي يستخدمه بروفسور أوفير في مقاله "ما بعد الحداثة: موقف فلسفي" (في: "التربية في عصر ما بعد الحداثة"، تحرير ايلن غور زئيف، القدس، ماغنز، 1997، ص 135-163). يأتي اصطلاح 'ما بعد الحداثة' لدى عادي أوفير لوصف ظروف الحالة الثقافية، و"ما بعد الحداثة" - الموقف الفلسفي المعبّر عنه.

 يحظى وضع ما بعد الحداثة في منطقة تل أبيب بأوصاف مسهبة في فصل "تمرّد منهك"، الذي يحمل اسم الكتاب. صدمة الحاضر وصدمة الوفرة، الحرية والتحرر المفرطان وغير القابلين للاستيعاب، الاعتباطية، العرضية والمصادفة، تفكك الشعور بالأهمية - كلّ هذه المؤشرات تشكل جزءا من الظواهر الثقافية التي تميز مجتمع الحشود الرأسمالي الذي يتناوله طاوب. ويحتل الشعور بفقدان نقطة التشبث القيمية مكانا مركزيا نتيجة للحياة المنقطعة عن الماضي والمستقبل، تسطيح وتضحيل وتجفيف عنفوان التجربة والشعور بأنّ أيّ إنجاز أو تجربة لا ينهضان بالإنسان، ويكمن المخرَج من كلّ هذا في نوع من اليأس الهادئ (تمرّد منهك)، نرجسية ورفض النضوج.

 ها هو الناطق بلسان الثقافة "التل أبيبية" الشابة يشارف على بلوغ سن الأربعين، الشيب يخط رأسه والأقراط ترصّع أذنيه كتذكير بطابعه الحضري التلذذي. إنه حريص للغاية في صوغ كلماته، ويلا يألو جهداً ليفهموا أقواله بمنتهى الدقة. ففصاحته في التعبير وذكاؤه المصقول يتركان الانطباع في بعض الحالات وكأنه يتلذذ في صقل الكلمات; وكأنه يعي طبقا لما يذكر أنه "يفكر بهذا بعقله أكثر مما يشعر به بإحساسه". وهو ينزع إلى الإقرار بالانطباع الذي تخلفه مطالعة كتابه، وهو أن تعاطيه مع ما بعد الحداثة يدلّ على أن هذا المضمار يستهويه اشدّ استهواء: "إنني أشعر بالتعاطف مع مشاعر التفكيكية، التي أشاطرها إلا أنني لا أريد الرضوخ لها. إنني اشعر حول ماذا يكتب ايتغار كيرت وغابي أمير. لكن لا داعي للتوقف عند هذه المشاعر وإنما يجب التفكير ماذا نفعل لمقاومتها ويقينا فالحلّ ليس الانضمام للعدل المبالغ به لما بعد الصهيونية".

 وهو يوجّه سهام نقده الرئيسية حيال فلاسفة يتمسكون بأيديولوجية ما بعد الحداثة "هي ليس مجرد تزيد من الضائقة وإنما تلد تحت غلاف من العدل المبالغ به أعمالا من الظلم والغبن الاجتماعي وفي بعض الحالات كوارث سياسية" (ص 137). وهو يكرِّس لهؤلاء الفلاسفة الجزء الثاني من الكتاب، الذي يتناول نقد ظاهرة "الصحيح سياسيا" في البلاد والخارج. وهو يعتبر أيديولوجية ما بعد الحداثة خصمَه الرئيسي اليوم. وهو على غرار مفكرين آخرين محسوبين على السياسة الاجتماعية مثل داني غوتوين ونسيم كلدرون، يعتقد أنّ أيديولوجية ما بعد الحداثة هي دعم واعٍ لسياسة رأس المال والخصخصة. وهو يقول: "هذا مدهش، فبينما يشعر الناس أن العالم يتعرّض للتفكّك، فإنّ عادي أوفير يعطي حلّ التفكيك. وإذا كان هناك ما يثير قلقي فهو عملية نزع الشرعية عن التضامن. وقد قال ايلن غور زئيف ذات مرّة: 'كلّ جماعية هي عنف' وهذا يلخص كلّ هذه التيار. ومن الناحية العاطفية فقد ولد هذا لدى الإسرائيلي مِن الشعور بأنّ إسرائيل صارت أكثر قومية وقمعاً. الاحتلال يتواجد خلف هذا، والاستنتاج الذي استخلصه أقطاب ما بعد الحداثة انه إذا كانت القومية هي ما أدى إلى ولادة التزمت والتعصب القومجي فهيا نتخلص من القومية. وفي الواقع فإنّ الانضمام اليوم إلى 'النظرية والنقد' أشبه بالانضمام للخطة الاقتصادية. يأتي بنا أقطاب ما بعد الحداثة عبر محاربتهم للتضامن إلى حلم بنيامين نتنياهو الاقتصادي المُخََصْخَص والمفتت".

 مواجهة حدود الفِكر
لدى البروفسور عادي أوفير ردّ مسئول وعميق على نقد من النوع الذي يوجهه طاوب إليه. إنه يجلس على حافة الرصيف في مقهى تل ابيبي مجاور لبيته - وهو رجل يلبس نظارات وبدأ الصلع يغزو رأسه، يرتدي ملابس بسيطة ويومية. سيماؤه الواجمة تضللك. صاحبها هو رجل ذو إدراك ذاتيّ رفيع للمهمة المنسوبة إليه باعتباره الناطق بلسان حركة فلسفية كاملة (رغماً عنه تقريبا). ويتطرق إلى طاوب وأمثاله فيقول: غالبية مهاجمي ما بعد الحداثة في البلاد ليسوا فلاسفة، بل لديهم عمل آخر يزاولونه. وبعض الأسئلة التي أثيرها لا تثير اهتمامهم. على سبيل المثال البديهة: "يتحتم على المجتمع العادل أن يرتكز على قدسية حقوق الإنسان" - وإذا لم تتقبل هذا فإنك تخلع الباب أمام أعمال الإجحاف والغبن. ومن الجائز أن تكون قدسية حقوق الإنسان ضرورية لوجود المجتمع العادل. غير أنّ ادعائي هو أن هذا الجواب لا أساس يعتمد عليه. ومن هذه الناحية، نحن لا نتكلم في نفس المستوى. ما يهمّهم أمرٌ معيّن، وما يهمّني أمر مغاير ".

 في ادعائه بعض من الحقيقة، وحتى طاوب يعترف أنه بالفعل مؤرخ أكثر منه فيلسوفاً، لكن أوفير لا يكتفي به للردّ على معارضيه. "أنصار الحداثة يعتقدون أن قطبا مطلقا يمكن للفِكر التشبّث به، ويؤمنون انه موجود في مكان ما، وهذا لم يعُدْ في متناول أيدينا. السؤال هو إذا كنا نوافق على هذه الشروط؟ لست مضطراً لإطلاق تسمية ما بعد الحداثيين على الذين يعتقدون هذا. حيث كان هناك من يفكر بهذه الصورة حتى قبل ظهور هذا التعريف. وأنا شخصيا أرى أن فهما من هذا القبيل يعبّر عن نهائية الفِكر. الفِكر الإنساني محدود. ولذا فعمل الفِكر غير نهائي ولا يعقل وجود أساس أخير لأيّ شيء ". عمل الفِكر في تفسير الواقع كما يرى أوفير هو لا نهائي. بما أنّ أي تفسير هو جزئي وغير شمولي يُضطرّ الفِكر الإنساني لملاحقة تفسيرات جديدة بدون أن يكون لها نقطة ارتكاز تقرر ما هو الصحيح وما غير الصحيح، ما الخير وما الشرّ.

 على الرغم من أن بعض الفلاسفة الحداثيين (بينهم بروفسور يرمياهو يوفال) يوافقون على فرضية محدودية الفِكر، فلن يتفقوا مع أوفير حول كلّ ما يتعلق بالاستنتاجات المترتبة عليه. ويُخيّل، أنّ الصدق الفكري والثقافي الذي يبديه أوفير له صلة بالاستنتاجات الراديكالية الكامنة في نظريته: "ربما يوجد خيال ضروري من أجل إقامة مجتمع. الفيلسوف لا يستطيع التوقف عند هذه العبرة لأن هذه هي طبيعة الفِكر عندما يكون مُخلصا لذاته: عدم التوقف أمام الخيال. السؤال هو: في هذه الظروف، عندما نفهم الثقب الأسود القابع في أساس كلّ صلاحية، كيف نقيم الدين، والأخلاق، والنظام؟ الإجابة باختصار هي: بواسطة إعلاء ذكرى الدَّيْن الذي ندين به ضد الأشخاص الذين يُمارس العنف ضدّهم. إجابة من هذا القبيل لا تجدها لدى فيلسوف ليبرالي، لأنه يتنكر لهذا الدَيْن".

 منذ أيام تأسيسه لمجلة النظرية والنقد (والتي شغل منصب المحرر فيها حتى صدور العدد الـ 15 منها)، وتشكل منبراً لمفكري ما بعد الحداثة مثل بروفسور حنان حيفر، بروفسور يهودا شنهاف، عزمي بشارة، حاييم لبيد وغيرهم، تعرض أوفير للكثير من النقد على خلفية إسهامه الفلسفي. لكن على الرغم من الأقدمية الكبرى التي نالها باعتباره "ما بعد حداثي معرّض للنقد"، فلم يغدُ غير مبال حيال النقد. وخلال المحادثة نلمس اللهفة التي ما زالت متقدة للذود عن مواقفه وهو يقول: "أعتقد أن هذا غير صحيح. ولا أدري عمّ تتكلم". بهذه الكلمات يردّ على ادعاءات طاوب. "ليس صحيحاً أنني أعارض كلّ تضامن. فأنا لا أقبل بالتضامن القبلي كأساس لنظام سياسي. التضامن القبلي لا يمكنه أن يكون حدود الواجب الأخلاقي ولا القانون. أنا أعارض مقولة "فقراء بلدك أولاً بل أنا أؤيد التضامن المدني".

 فلسفة على حدود المفهوم ضمناً
بروفسور يرمياهو يوفال يعترف قليلا بأنه مصاب بأعراض "البروفسور المتناثر"، بعدما تبيّن أن السكر الذي سكبه في فنجان قهوة مجري المقابلة ليس سوى ملح. ويعتذر قائلاً :" أنا وزوجتي لا نشربه محلى بالسكّر".

بطريقة تكاد تكون مجازية، المقابلات الثلاث تجرى في منطقة تكاثر أي فكر. ما بعد الحداثة والمقاتل العنيد ضدها يفضيان بالنقاش إلى مقاه في تل ابيب، في الوضعية التي نلمس فيها أنّ الحاضر المتواري (لدى ما بعد الحداثي: الشارع فعلاً). يفرض نفسه على المفكِّر ويرغمه على المراضاة الفورية. والتقي بيرمياهو يوفال في المنزل الجديد في هرتسليا، الكائن في أقصى حقل مترامي الأطراف وغير مفلوح. والصالة التي نجلس فيها مغمورة بلوحات بأساليب فنية مختلفة، والكتب الفنية موضوعة بصورة غير مرتبة على الطاولة التي نجد في وسطها مزهرية فيها غصن مزهر.

 يتميّز يوفال ومفهومه الفلسفي بصفتين هما: الثقة بالنفس (التي تكاد تكون أبوية) والرضا عن النفس. بخلاف طاوب وأوفير، اللذين يقضيان جُلّ وقتهم بمحاربة الظواهر السلبية في المجتمع، ويوفال لم يعُد فيلسوفا  "جائعاً". وربما يُعزى ذلك إلى خبرته في الثقافة والفلسفة الغنية التي تضم فيما تضم كونه المراسل العسكري لصوت إسرائيل في أيام حرب الغفران وكونه من مقيمي منتدى 77 في حزب العمل، ومن مؤسسي المجلة الفلسفية "معاينة"، ومؤسس معهد شبينوزه وغيرها. بفضل كلّ هذه المشاريع، يستطيع الفيلسوف المتقدم في السن إلا يشعر بالتهديد بل الإطلال بنظرة تهكمي إزاء زملائه الشباب الذين يتشاجرون فيما بينهم.

 ما هي ما بعد الحداثة حسب رأيك؟
"لا ادري ما تعني ما بعد الحداثة. لم أتمكن من منحها مضموناً محدّداً. إنني أعرف عالم الدمغات بصورة كافية، لألاحظ مدى خوائه. إنني أهوى مناقشة القضايا بشكل جوهري والابتعاد عن الدمغات. هنالك بعض الأمور التي تعرض باعتبارها من عهد ما بعد الحداثة وتصف موقفي. وهنالك بعض الأمور التي اسمعها ولا ادري لماذا تعتبر من تيار ما بعد الحداثة، لأنني شخصيا اعتبرها من الحداثة. وأعتقد أنها مجرّد تقليعة منقضية. وقد شهدت الكثير من التقليعات المنقضية. وشهدت شتى صنوف الماركسية، الايجابية المنطقية ، فلسفات تحليلية منغلقة ودوغمائية (عقائدية). وعلى اعتبار أنها موضة، ما بعد الحداثة ستمضي من هذا العالم. أما ما لن ينقضي فهو العهد الحداثي. وليست التأكيدات فيها سوى تنويعات داخل العالم الروحي الحداثي. ما بعد الحداثة ليست حالة تاريخية جديدة، وإنما أيديولوجية جديدة جزئياً من حيث الحجم والإحكام. جذور ما بعد الحداثة تعود إلى اليأس من الماركسية وليس بالضرورة من الثقافة الحداثية التي تضمّ أيضاً نيتشه وكفكا وليس فقط الفطنة النقيّة. ما بعد الحداثة تؤكد على الطابع متعدّد الثقافات للوجود الحداثي (وهو أمر حذق بحدّ ذاته طالما لم يتحوّل إلى هاجس وإسراف)، إنها تؤكد على الطبيعة المنشطرة للهوية الإنسانية وعندها تطالب بأن تؤسس الثقافة الأخلاقية والسياسية الخاصة بنا على هذه الأمور.

 "عندما يتعلق الأمر بعناصر قد تمّ تهميشها في الماضي مثل الخصوصية الإنسانية، مثل مسألة انشطار الهوية الإنسانية، إذا كانوا يحاولون ردّ اعتبارهم بسبب جرح كرامتهم فهذا ادّعاء بالغ الأهمية والإثارة. لكن عندما يفعلون ذلك على رؤوس الأشهاد نغوص في دوغمائية جديدة وندخل إلى فقاعة لا ديمومة لها. وكما أسلفت فهذه دوغمائية جديدة. وهذا غير ناجم عن جوهر ما بعد الحداثة بل عن كونها أيديولوجية جماعية ترسم على شفتيّ ابتسامة ساخرة".

 نظرة جلية ومثيرة للاهتمام على المفهوم الفلسفي لدى يوفال (يسميها "حداثة نقدية") يمكن إيجادها في تذييل كتابه "شبينوزه وملحدون آخرون" ("الوشيكية والنهائية"، ص 444-467، مكتبة بوعليم، تل ابيب، 1988). يوفال يفخر بالكتاب - تجدون على رف الكتاب في منزله الطبعة العبرية إلى جانب مختلف الترجمات - لا سيما بفضل نجاحه في صياغة فلسفات مركبة مثل شبينوزه، كانت، هيغل ونيتشه بلغة تناسب الجميع.

 ويقرّ بأنّ موقفه الفلسفي لم يتغير منذ ذلك المؤلف: نتيجة للشرخ بين الإنسان وماضيه، التقاليد والقيم المطلقة، الفلسفة تبدأ في الارتكاز على الواقع الداخل العالمي بعكس (المتسامي) الترانستسندنتال الخارج العالمي، مثل الله أو الحقائق المطلقة الأخرى) باعتبارها المصدر الحصري للقيم والمعنى. المرحلة القادمة كما جاء في التذييل هو تأسيس فلسفة نقدية، أي، فلسفة لا تنزل لأيّ دوغمائية فكريّة ولا تحاول إدخال المطلق (الترانستسندنتال) من خلال الباب الخلفيّ. وهو ينتقد شخصيات حداثية مثل: كانت، هيغل، شبينوزه وحتى نيتشه، نظراً لإدخال الدوغمائية لفلسفتهم بدافع الرغبة لإنتاج مقولة شمولية مطلقة. يتضح من هذا المفهوم نقد يوفال حيال فلاسفة ما بعد الحداثة. الإنسان، حسب رأيه، كائن منغمس داخل العالم. القيم، الثقافة والفلسفة هي جزء طبيعي منه، مثلها مثل التنفس، ونهائية بنفس المقدار. ومع ذلك، حقيقة كون الفِكر والقيم المنغمسة داخل العالم ونهائية لا تفضي إلى استنتاج دوغمائي (يرى يوفال أنّ جذور ما بعد الحداثة تعود إلى نوع من التديّّن العلماني)، بانعدام وجودها. إنها موجودة في سياق: تاريخي، فرداني، ثقافي. وكما ورد في "شبينوزه وملحدون آخرون"، ص 459-460). "النظرية العلمية قد تكون نافذة المفعول ومنيرة للعيون حتى في انعدام ملازمتها لصورة واحدة ووحيدة للحقيقة. انفتاح العالم على تعدّد التفسيرات، المنوطة بالثقافة والتي ينتظرها تغيير وطفرة مثلها، لا تجعل العالم اقل واقعية ووشوكية; إنها مجرد تخلص العالم من عذاب الأشكال 'الأبدية'، أو مضامين غير متبدلة وما شابه، تسعى إلى سجنه داخلها"

 أخلاق الحداثة وما بعد الحداثة
كيف تبدو الأخلاق الراهنة عبر منظور الحداثة، ما بعد الحداثة وما بعد ما بعد الحداثة؟ عن هذا السؤال يجيب بروفسور عادي أوفير بقوله: "إنني أشمئزّ من التحدّث عن القيم وأعارض الخطاب القيميّ. لم أكتب ولم أتكلم في حياتي عن أي قيمة، لكني لا أعتقد أنني مصاب باللامبالاة إزاء القضايا الأخلاقية. في كتابه 'القذف والتشهير' (كتاب أوفير حول أخلاق ما بعد الحداثة; صادر عن معهد فان لير في القدس، 2001) اقتراحي هو نظرية أخلاقية نقية من القيم. في الكتاب محاسبة جدية لمصطلح 'قيمة'. ما معنى 'قيمة'؟ هل أحدكم التقى بها ؟ يعلم أحدُكُم ممّا هي مكوّنة؟ اقتراحي هو التعامل بلغة أخلاقية متجاوزة للعقبة الكامنة بمصطلح 'قيمة'. لا يشهد الجدل حول الموضوع الأخلاقي في البلاد عمقا فلسفياً أكاديمياً، بل وسرعان ما ينجرّ إلى الصعيد الجماهيري العامّ. النقاش في البلاد يدور وينجرّ ويتدهور إلى مستوى الشعارات، وعليك الإعلان بادئ ذي بدء هل أنت مؤيد أو معارض لأمر ما. حقيقة اقتراحي مفهوما فيه بديل لمصطلح 'قيمة' - لا يتجسّد في أي مكان.

 "الكلام عن القيم هو كلام ضارّ ومفسد، هذا الكلام ينتج كثرة متخيَّلة من كيانات غير قائمة، يرغب شتى الأشخاص بتمثيلها، وهذا الكلام يُخفي الأمور الأخلاقية الحقيقية، الملحة. الأمور الملحة ليست القيم المعرّضة للمسّ وإنما الناس المعرضين للمسّ. الأمور السيئة التي يتعرض لها المرء من المفروض ألا تجعلك غير مكترث. عندما يضايقك المسّ بقيمة الصداقة، ما الذي يهمك أكثر: المسّ بالقيمة أو المسّ بشخص معيّن؟ النقاش عادة لا يتمّ على هذا المستوى. ينزعج الناس بسبب المسّ بالقيم أكثر بكثير من انزعاجهم إزاء المسّ بالإنسان".

 وبالتالي، كلمات لاذعة حول طغيان اصطلاح "قيمة" كمخفٍ للواقع الشائك المتواري وراءه. بمجرّد استخدام لغة قيمية وادعاءات قيمية يفترض الإنسان الوجود غير المشروط للقيم ويغض الطرف عن كونها مقولبة بشكل عنيف، تقمع كلّ ما لا تحتويه القيمة. لكن الصعوبة الرئيسية كامنة باستخدام مفهوم أخلاقي غير قيمي. إحدى الظواهر المثيرة المنتشرة بمحافل مفكّري ما بعد الحداثة في أعقاب التنزّه عن اللغة القيمية (الخطاب القيمي) هي نِتاج لغوي يطلق عليه غادي طاوب اسم "ميزنتروبي" (مبغض للبشرية)، "انتيسيبتي" (عقيم) و"ستريلي" (مجدب). وفي مقاله يقتبس تمار مشمار (من "النظرية والنقد" 7، إصدار مؤسّسة فان لير، شتاء 1975):

 "سؤال العلاقات ما بين المجالات 'السياسات' وما بين نفسها يمكن، إذن، قراءته كسؤال رئيسي في الخطاب المناصر للمرأة.

تلامس الخطاب المناصر للمرأة حول 'سؤال النساء' مع خطاب ما بعد كولونيالية حول 'سؤال القومية' هو طرح وتقديم حادّ على وجه الخصوص- بسبب التوتر بين شتى مضامير الخطاب، والتوتر داخل الخطاب المناصر للمرأة بين مناهج ترمي إلى عزل 'النسوي' وبين ادعاءات بأن لا سبيل إلى عزل 'النسوي'، نظراً لأنه لا يوجد موضوع موجود ضمنا خارج الخطاب".

 محاولة الابتعاد والتنزّه عن جميع المواقف القيمية (لئلا ينشأ قمع جديد) ووضع كلّ اصطلاح تعميمي بين مزدوِجين، هو احد الأمثلة التي يقدمها طاوب لما يحصل، عندما نحاول في الواقع أن نطبق الموقف الأخلاقي ما بعد الحداثي. مثال آخر على ذلك موجود في الشطر الثاني من كتاب "تمرّد منهك"، عند مناقشة ظاهرة الصحيح سياسيا. من منطلق الإدراك بأنّ حقيقة اللغة تعبر موقف قيمي وتكرس القمع من خلال ذلك (على سبيل المثال، أن تنادي على الزنوج "black people" مما يعني تكريس تفوّق اللون الأبيض)، نشأ في الولايات المتحدة وضع من الانهماك الاستحواذي بتغيير الخطاب وإهمال الإنهاك والقمع الموجودين في الواقع. وهكذا، على سبيل المثال، كان هناك من رفض توزيع أجهزة سمع لأولاد صمّ لأنه من خلال ذلك "سيكون اعتراف بانّ الصمّ أقل قيمة من سائر بني البشر".. إذا أضفنا لهذا النقد نقداً حيال ما بعد الحداثة كمشجّع لنشوء الرأسمالية المناهضة للاجتماعي عبر تفكيك التضامن الاجتماعي بشتى أنواعه، فإنّنا نكون قد وصلنا إلى أوصاف لا تشيد بتطبيق أخلاق ما بعد الحداثة في الواقع.

 لكنْ على الرغم من النقد يجب أن نكون صادقين ونقول إنّ فلسفة ما بعد الحداثة هي الفلسفة الوحيدة اليوم، التي تحاول خلق نظرة عميقة تجاه الحاضر. طاوب ويوفال منهمكان على حد سواء بصياغة ردود فعل ادعاءات أعدائهم، وليس بصياغة رؤيا فلسفية جديدة.

 أفضلية الحداثية، كما يقول يوفال، هي عيوبها أيضاً: إنها جيدة كوسيلة نقدية حيال أي طموح فلسفي دوغمائي، لكنها غير قادرة على الإقرار بالحاضر الإنساني الموجود. بل ويعترف يوفال بأنه ليس هو من سينافس على التصميم القيمي الجديد للمجتمع الإسرائيلي. وصحيح أنه نهض من الجانب الشابّ لخارطة ما بعد الحداثة خصم لا يستهان به، على شاكلة طاوب. إنه غارق في الحاضر ويعرف معالم لغة العدوّ وطرقه في التضليل. يمكننا القول بقناعة كبيرة أنه كمراقب اجتماعي قيمي يحقق نجاحا باهرا. غير أن انغماسه في الماضي يعود عليه بانعكاسات سلبية. الجيل الذي يمثله طاوب معني بطرح بديل لائق لتحدّي ما بعد الحداثة، لكن على ارض الواقع فإن حلم التضامن الذي يقترحه يفتقر إلى المضامين الفلسفية الحقيقية.

 أكبر نجاح حققته الحداثة يتمثل بشلّ الناطقين باسمها. خوف ممثليها من الدوغمائية والدينية يشطب قدرتهم على أن يكونوا خصماً من العيار المماثل لما بعد الحداثة التي أخذت تتعزّز في عالمنا.

 ما بعد القيم وما بعد الصهيونية
الرحلة التي قمنا بها من الحداثة إلى ما بعد الحداثة وإلى ما بعد ما بعد الحداثة تنطوي على خيبة أمل. فالحاضر الإسرائيلي بقي مزعجا ومنغصا بتركيبيته وتحدّي ما بعد الحداثة (أو كما سلف وذكر، النقد; أو لنقل ، خطر) بقي مفتقرا لجواب فلسفي. وفي الحقيقة، فإن لدينا حلولاً جزئية تعمل على سد ثغرات في السدّ الذي بدأ يتصدّع. لم يمت تيار ما بعد الحداثة حتى الآن، بل ما زالت ما بعد الحداثة ملموسة ولها حيزها! وربما يدعو إلى المفاجأة أو لا، انه لا توجد اليوم أي ناحية في الثقافة، في اللغة ، في الفِكر وفي الإعلام الإسرائيلي غير موبوءة بنهج مناهض للقيم. وإنما بخلاف ما بعد القيمية لدى عادي أوفير، ما بعد القيمية في المجتمع ورفض استخدام القيم غير النابعة من أيديولوجية فلسفية. ويكفي أن نأتي بأمثلة من النمط الثقافي الذي تصدّره برامج الإذاعة العسكرية "ترفيه مجرّد"، أو النمط الثقافي على غرار برامج الاستضافة الثقافية والترفيهية التلفزيونية أو ثقافة العصر الجديد والجراس، كمبلورة لجيل كامل من أشخاص ذوي رد فعل وتجانس ومخدّر ومتبلد حيال الوضع ("دعك من النقاش والسخافات، بل تدفق يا أخي، تدفق!")، وثقافة الـ"المحافظة القيمية" لمجموعات سكانية مختلفة منها النواة الأيديولوجية للمستوطنين والمتشبثة بقيم الصهيونية موديل عام 1948 التي عفا عليها الدهر ولا تناسب مواكبة العصر.

   

يرمياهو يوفال: "لقد شهدت الكثير من التقليعات المنقضية والعابرة. وشهدت شتى صنوف الماركسية والايجابية المنطقية ، والفلسفات التحليلية الدوغمائية (العقائدية). باعتبارها تقليعة، فإنّ ما بعد الحداثة ستمضي وتنقضي. أما ما لن يمضي فهو العصر الحداثي. عندما يدور الحديث عن التأكيد على عناصر كانت قد كبتت في الماضي، مثل البديهية الإنسانية، مثل مسألة انشطار الهوية الإنسانية، وإذا كانوا يطالبون بردّ الاعتبار بسبب المهانة اللاحقة بهم فهذا أدعاء بالغ الأهمية والإثارة. لكن عندما نفعل ذلك على رؤوس الأشهاد، فإننا نهوي داخل دوغمائية جديدة وإلى فقاعة لا يمكنها الصمود"

 

وبصورة نقيضية  بسبب مواقفه ما بعد -الصهيونية فإن في كلام أوفير ما يساعد في مواجهة ظاهرة ما بعد القيمية. في كتابه "عمل الحاضر" (الكيبوتس الموحّد 2001)، في الفصل الذي يتناول ما بعد -الصهيونية، يصف عادي أوفير كيفية فشل الأيديولوجية الصهيونية في كافة الأهداف التي وضعتها نصب ناظريها، وكيف قلبت جميع الرؤى الصهيونية رأسا على عقب. لذا، حسب اعتقاده، يجب إنهاء المشروع الصهيوني. على الرغم من المحاولة غير الناجحة، حسب اعتقادي، في الربط بين مفهوم الفيلسوف الفرنسي دريداه وبين وضع الصهيونية (لا ضرورة لاعتماد كلّ نقد أخلاقي جوهري وجدي على مفكرين فلاسفة)، فإنّ نقد أوفير يستحق الانتباه، على سبيل المثال:

 1. المطالبة السياسية الرئيسية للصهيونية ارتكزت على فكرة التحرير القومي وحق الشعوب في تقرير مصيرها - لكن هذا الأساس قد تقوّض بصورة منهجية وتم التنكر له ورفض من قبل نجاح المشروع الصهيوني، حيث أن هذا النجاح لم يتحقق إلا بالقمع المتواصل لحركة قومية أخرى ومحاولات متكررة للإجهاز عليها.

2. كانت الصهيونية انتفاضة ضد اللاسامية الأوروبية وفي مرحلة لاحقة ضد العنصرية واعتمدت إلى حد كبير على رؤى كونية ضد ملاحقة الأقليات، وكثيرون من الصهيونيين أنفسهم ما لبثوا أن باتوا ضحايا لملاحقات لا سامية وعنصرية - لكن نضالهم أنشأ مجتمعاً يهوديا مستعدا لتحمّل ونشوء ظاهرة العنصرية اليهودية" (ص 276).

 على الرغم من أنه لم يكن يرغب في رؤية نفسه على هذا النحو، من الممكن أن يصبح أوفير محفزا لنشوء التضامن، الذي يواجه المشاعر بالفشل الجزئي أو التامّ للحركة الصهيونية. فما كان الصهيونية ذات مرة لا يمكنه أن يكون حلا للمشاكل الراهنة. وبخلاف ما يعتقدون فإنّ أعداء التضامن الصهيوني قد ينحدرون بالذات من بين الذين يتباهون على الملأ بحمل رايتها. ما أسهل استيعاب اهتمام حكومة يمينية صهيونية بتفكيك التكافل المتبادل بين مواطني الدولة. وعلى المنوال ذاته يمكن إدراك أن الصهيونية تتعرض للاستغلال المسيء من قبل الأيديولوجيين المتطرفين والأيديولوجيات المختلفة مثل الأيديولوجية الاستيطانية التي عفا عليها الزمن والتي ما زال المستوطنون متشبثين بها.

 ماذا يعني أن تكون صهيونيا اليوم؟ لتلوح بالأعلام في المناسبات والاحتفالات؟ أن تكون جزءا لا يتجزأ من قطيع قيمي لا يفحص ولا يعيد النظر بقيمه؟ أن تناصر وثيقة الاستقلال دون أن تفهم كم هي مركبة وما هي الصراعات التي تثيرها؟ الامتعاض من النقد والبحث اللذين يحاولان اقتفاء اثر الأساطير ويحاولان طريقة تجسيدها في الحاضر؟

 يمكن أن تشعر بالسرور كون حقائق مثل حقائق عادي أوفير في كتابه "عمل الحاضر" لا تتأصل عميقا في المجتمع الإسرائيلي، لكن يحظر تجاهل نقد مصطلح مشوّه للقومية ومفهوم مشوّه للصهيونية ولتاريخ الصهيونية. المفهوم الذي يرى أنّ الصهيونية تعني بالضرورة التنكر لجزاء من التاريخ، هو مفهوم مغلوط ومضلّل. الصهيونية موديل العام 2003 يجب أن تتعامل بالذات مع الصراعات ومع الحاضر المركب والشائك، وليس تجاهلهما. صلب الاهتمام الراهن وسياسة الصهر والاندماج بأمس الحاجة لدم جديد يتغذى من أشد الانتقادات.

 حاضر على الرغم من ...
هذه السطور الختامية التي تؤيّد المواجهة الفورية مع النقد الأخلاقي الشديد والذي يشلّ الصهيونية، كتبت في المكان الأقل قبولا على العقل: في غرفة الطعام التابعة لأحد معسكرات الخدمة العسكرية الاحتياطية في مشارف إحدى المستوطنات شمال رام الله بعد ساعات من انتهاء دورية تهدف إلى إبراز وجودنا في إحدى القرى الفلسطينية، قبل نصف ساعة من مراسم إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في مختلف المعارك. (ومن المتوقع أن تكون هناك عسكرية ليلية لحماية شوارع المستوطنات اليهودية). التركيبة الأخلاقية الصهيونية تنبسط أمامنا كلّ يوم وكل ساعة. وليس بمقدور أي فلسفة مواجهة حاضر مليء بالتناقضات مثل الحاضر الإسرائيلي. هل هذا يعني انه يجب إلغاء الحلم والذهاب إلى البيت؟ أو ربما كما قال برنر في الماضي وما زال ساري المفعول، يجب أن ننشئ هنا نوعاً من صهيونية "على الرغم من كلّ الظروف"؟

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004