|
العدد
16
| أيار - حزيران 2003
حكاية غير شخصية |
|
" |
||||||||||||||||
|
نظير مجلي: "نحن ندرك جيدا ما معنى الإحساس الدائم بأنك ضعيف " |
||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||
|
يجسد نظير مجلي، محرر صحيفة "الاتحاد" الأسبق، صحيفة الحزب الشيوعي، بواسطة حكايته الشخصية، صورة عن المعاناة، التمييز وأزمة الهوية للعرب مواطني إسرائيل. إلى جانب ذلك، يتحامل بشدة على المبادرين إلى أحداث أكتوبر عام 2000، وعلى سياسة الحكومة التي أدت إلى سقوط 13 مواطنا عربيا. بعد الأحداث، قرر هو وعدد من أصدقائه أن الوقت قد حان لوقف التدهور في العلاقات بين الشعبين: "يتوجب علينا، نحن العرب بالذات، ألا نجعل اليهود يشعرون بأنهم وحيدون. إنه لأمر سخيف أن نبدأ قصة عرب إسرائيل من مصر بالذات، ولكن هذا ما يحدث حين نبتعد قليلا عن النار وننظر إليها من جهة أخرى، متخطين الحدود الساخنة. وهناك بالذات سئلت وكان علي أن أجيب على السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه حتى اليوم: من أنتم، يا عرب إسرائيل، وماذا تكونون؟ كان المصري الذي طرح السؤال كاتبا وفيلسوفا فذا، يعني كل كلمة في سؤاله. غير أن أشخاصا عاديين طرحوا السؤال ذاته: الحارس في المطار، سائق سيارة الأجرة، صاحب المقهى والنرجيلة، موظف الاستقبال في الفندق، الشاب اللبناني الذي التقيته في المطعم الشعبي الذي كان يرتاده نجيب محفوظ في سوق سيدنا الحسين، بعد أن استمعنا معا لأغاني أم كلثوم، سكرتيرة سكرتير الجامعة العربية التي انتظرت لديها عشر دقائق قبل اللقاء، لم يبق أحد لم يسأل؟ سألوني ما إذا كنت عربيا أصلا. لم يصدقوا أن هناك عرب في إسرائيل. أحد هؤلاء الأشخاص اقتنع، في نهاية الأمر، وسأل: "إذن، أنت عربي- يهودي، أو ما شابه، أليس كذلك؟". عدت من هناك متألما وحزينا. ألا تعرفنا أرض النيل التي نحبها أبدا؟ فهي ليس مجرد دولة عربية أخرى بالنسبة لنا، بل هي أحد مصادر اعتزازنا الوطني. ليس بسبب الأهرام أو بسبب قلعة صلاح الدين أو المسجد الأزهر فحسب، بل شكلت مصر بالنسبة لنا مكة الثانية، وذلك بسبب جمال عبد الناصر. لقد أحببناه وأعجبنا به. كان يمثل لنا الوطنية العربية والقيادة العربية الحقيقية. إنه لا يخاف إسرائيل والولايات المتحدة؛ هو الذي حرر أبناء شعبه من الحكم البريطاني المتعسف، وهو الذي قاد الثورة الوطنية العربية التي أدت إلى تحرير العراق، اليمن، الجزائر، السودان وليبيا. وهو من أمّم قناة السويس، والأهم من ذلك كله، هو الذي تبنى القضية الفلسطينية وحوّل مصر إلى بيت دافئ يؤمه قادة منظمة التحرير الفلسطينية. حتى عندما أخفق عبد الناصر، وقاد شعبه والأمة العربية برمتها إلى أكبر هزيمة في تاريخها في حرب الأيام الستة، نجح في تحويل الغضب إلى محبة. تصرف جمال عبد الناصر كما يتصرف زعيم ديموقراطي واستقال. لم يكن العالم العربي، حتى ذلك الحين، يعرف زعيما سياسيا يستقيل. الزعماء لدينا يتخلون عن كراسيهم عند موتهم أو اغتيالهم فقط. لذلك زاد حبنا له أكثر، وحين خرج الشعب المصري إلى الشوارع لثنيه عن قراره، كنا معهم بأحاسيسنا وفرحنا عندما تراجع عن قراره. وحين توفي جراء نوبة قلبية حادة عام 1971، بكينا، وخرجنا في مدينة الناصرة في مسيرة حداد، شارك فيها 15 ألف شخص حاد. وكم اشتقنا لزيارة القاهرة لنزور قبره ولنوجه له الشكر. فقد مات في سبيل القضية الفلسطينية: لقد استضاف في تلك الأيام قمة عربية لحل المشكلة بين منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، ولوقف إطلاق النار بينهما. لم ينم طيلة ثلاثة أيام وسقط منهارا في المطار بعد أن ودع آخر الملوك والرؤساء العرب الذين شاركوا في القمة.
ولكن عندما اعتلى أنور السادات السلطة خلفا له، لم نحبه. لم يكن بمقدورنا أن نحب زعيما آخر يجلس على كرسيه، كان من يكون. وعندما زار السادات إسرائيل، كرهناه. كرهناه كراهية شديدة. رأينا في هذه الخطة خيانة للأمة العربية والقضية الفلسطينية، وعند توقيع الاتفاقية قاطعنا مصر، كما فعل معظم الوطنيين العرب في العالم. حين اكتشفنا غباء هذه المقاطعة، مثل ذلك الإعجاب وذلك الرأي الذي يجر وراءه اندفاعا أعمى خلف زعيم، كان قد فات الأوان، لأن السادات كان قد اغتيل على يد إرهابيين إسلاميين لم يدركوا الخطر الذي جعلوه يتهدد مستقبل أولادنا، ولم يكن بالإمكان الاعتذار له. لقاءات، نقاشات وحنين الحقيقة هي أن ليس مصر وحدها لم تكن تعرفنا. عندما كنا نلتقي عربا سوريين أو لبنانيين أو ليبيين في أوروبا الشرقية، كانوا يديرون لنا ظهورهم. لم يرغبوا بالتحدث معنا. وبعضهم لم يتردد قائلا: "أنتم عملاء الصهيونية". خضنا نقاشات كثيرة معهم. سألنا: "هل البقاء في الوطن هو ذنب؟". الفلسطينيون الذين قابلناهم فقط اعترفوا بنا وتفهمونا. اللقاءات معهم كانت دافئة بشكل خاص، ومعظمهم كان مستعدا للجلوس وللحديث وللتواصل. غير أن هذه اللقاءات كانت ممنوعة من الناحية القانونية حتى اتفاقيات أوسلو (1993). كل إسرائيلي كان يلتقي بفلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية (ومن منهم لم يكن من منظمة التحرير الفلسطينية؟) كان يخالف قانون منع الإرهاب. بموجب هذا القانون كان عليّ أن أمتنع عن اللقاء ليس بأعضاء فتح أو بأعضاء الجبهة الشعبية فحسب، بل الامتناع عن لقاء أقرباء عائلتي الذين كانوا ينتمون إليهم. على سبي المثال، ابن عمي وابن أختي. من كان بإمكانه التقيد بهذا القانون؟ لذلك جرت الكثير من اللقاءات والمناقشات والحنين. نفر قليل فقط من الفلسطينيين لم يوافقوا على الحوار معنا واتهمونا بالانتماء للعدو الصهيوني. وكان الأمر في البداية مثيرا للغيظ والعصبية. فمن جهة، أنت في إسرائيل تعتبر غريبا ومنبوذا، ومن الجهة الأخرى تصبح غريبا ومنبوذا من قبل شعبك وأمتك. إلا إننا تعودنا مع مرور الزمن وتعلمنا كيف نتعامل مع هذا التناقض. ومن ثم حصل التغيير لدى العرب واعترفوا بنا. إلى درجة انه كانت هناك مبالغة في مستوى التقدير الذي قاموا بالتعبير عنه، وخصوصا في السبعينات. فصار شعراؤنا أهم الشعراء في العالم العربي كله، أمثال محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد وسالم جبران الذين غدوا أبرز نجوم عالم الشعر. فكتبت الألحان خصيصا لبعض قصائدهم وقام عمالقة المطربين بإنشادها. وحظي الأديبان إميل حبيبي ومحمد علي طه وآخرون بالثناء على بعض القصص التي كتبوها. وصار رجال السياسة المحليون أبطالا قوميين في الوطن العربي. فلم يوجهوا إليهم سهام النقد ولم يشيروا بالبنان إلى الجوانب السلبية لديهم بل بات هؤلاء في الآونة الأخيرة وفي زخم انتشار الفضائيات العربية نجوما لا يشق لهم غبار. وكنت أتوق لأصرخ في وجوههم احمونا من هذا الإفراط في الحبّ. لأننا في نهاية المطاف نحن الذين سنعاني منه، نظرا لان الأدب البعيد عن النقد يشكل وصفة للتحجّر، ولان السياسة بدون نقد هي وصفة للانتحار. وليس من باب الصدفة أن يتبارى رجالات السياسة لدينا فيما بينهم على من منهم أكثر قومية وتزمتاً. اليهود لا يعرفوننا للأسف الشديد فالوضع في إسرائيل ليس مختلفا. فهنا أيضا لا يعرفون العالم العربي. والوصول الحر إليه والنابع عن الفضول غير متيسر، وإذا كان بالفعل فلا توجد وسائل ملائمة للتعرف على الآخر عن كثب. ففضلا عن الحاجز السياسي الأمني هناك حاجز اللغة. وهذا هو الحال بالنسبة لعرب إسرائيل فاليهود لا يعرفوننا وقسم منهم لا يريد التعرف علينا، وفي أفضل الأحوال يحافظون على البقاء بعيدين عنا في حال التعرف علينا. وإذا تواصل هذا النهج فلن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي نسمع فيه عن جدار عازل آخر داخل الدولة بين اليهود والعرب. لا سيما في ظل تنامي الأصوات المطالبة بالحكم الذاتي لدينا. وإذا كانوا يتحدثون اليوم عن حكم ذاتي من الناحية الثقافية فلن أتفاجأ إذا طالبوا بالحكم الذاتي من الناحية السياسية مع الإشارة إلى أنهم سيجدون من يناصرهم بمطلبهم هذا في الوسط اليهودي.
وإذا لم يكن هذا كافيا، فأضيف ما يلي: نحن أيضا لم نكن نعرف أنفسنا، كما لم نعرف كيف نتعرف على الآخر. نحن كأنما نعرف، كأنما نعلم، كأنما موجودون. واسمحوا لي هنا أن ادع قصتي الشخصية تختلط بالحبر الأسود على الورق. فلا مثيل للقصة الشخصية من اجل توضيح القصة الجماعية. العائلة في سوريا: معاناة تربو على خمسين عاما ولدت في الناصرة قبل 51 عاما، والدي فلسطيني من مواليد بيسان لعائلة بدوية اتخذت موقعها في الغور الشمالي على مقربة من "السخنة" (اسمها اليوم غان هشلوشا). وعمل قصاصا للأثر في الشرطة البريطانية وتمكن من اقتناء منزل في المدينة. وقد هرب جميع أفراد عائلته في العام 1948 بدون أي استثناء إلى الشرق. حتى بناته الثلاث من زوجته الأولى واللواتي كن طفلات صغيرات. ولم يستطع والدي إبقاءهن في البيت لأنه كان يزاول وظيفته في حينه وما زالت البنات هناك. أمي هي إحدى بنات عائلة سورية ثرية تحولت إلى عائلة فقيرة ومنبوذة بسبب أبي. لأنه لم يقبل الهروب. وتوجه بصورة شخصية إلى قائد الشرطة اليهودي وطلب منه أن يواصل في أداء وظيفته في سلك الشرطة. وكانت إسرائيل تعاني من نقص شديد في قصاصي الأثر فوافقوا. وعندما علم السوريون بذلك بدأوا بمضايقة عائلة والدتي. وهي لم تعلم أي شيء عن هذه المعاناة التي تعرضوا لها لأنها لم تقابل أيا من أفراد عائلتها طوال 53 عاما. ولم يتسنى لنا ذلك إلا قبل عامين بفضل الزيارات القليلة التي تمكن من تنظيمها إلى دمشق النائب عزمي بشارة فقد سافرت إلى هناك والتقت مع أفراد عائلتها. وتحقق حلمها الذي استمر أكثر من ألف ليلة مرة واحدة. وليته لم يتحقق. فخلال عقود من الزمن توفي الكثير من أعزائها: والدها ووالدتها، جدها وجدتها، أختان وأخ. وفقد كلا أخويها اللذين بقيا على قيد الحياة نعمة البصر. وتم بيع المنزل الكبير الفاره وانتقل من بقي على قد الحياة للإقامة في مخيم اليرموك للفلسطينيين قرب دمشق. فعادت إلى البلاد تعتريها مشاعر الذنب وكانت تقول : "بسببي أنا تعرضت عائلتي للمعاناة طوال أكثر من خمسين عاما." وكانت ترغب بان نقدم المساعدة لعائلتها لان أوضاعنا أفضل من عائلتها. مبلغ ألف أو ألفي دولار يمكنه أن يسد رمق عائلة هناك طوال عام كامل. إلا أن العلاقات معهم انقطعت مرة أخرى. وتوقفت الزيارات التي كان ينظمها النائب بشارة بسبب التحقيقات والمحاكمات. والكثيرون من هؤلاء المسنين سيموتون وسيموت معهم الحلم بان يلتقوا بأقربائهم من جديد. العائلة في الأردن: نمطان مختلفان من التفكير توفي والدي في العام 1971 قبل أن يلتقي بأيٍّ من أبناء العائلة الذين نزحوا عام 1948. أما أنا فتمكنت بعكسه التسلل إلى الدولة المجاورة والالتقاء بالجميع، ومنذ التوقيع على اتفاقية السلام في العرباه في العام 1995 فإننا نلتقي عدة مرات كلّ سنة في أماكن مختلفة. عندما التقيت مع جدتي للمرة الأولى في خيمتها قريبا من مخيم الحصن للاجئين الفلسطينيين قالت لي "شالوم" باللغة العبرية. وكانت هذه هي الكلمة الوحيدة التي تعرفها باللغة العبرية. وكانت تظنني لا أتقن العربية وعندما فهمت كم هي بعيدة عن الحقيقة قالت : "الحمد لله". وسألتني هل توجد بحوزتي صورة لأبي، وقالت: "نسيت ملامحه" وراحت تبكي. وقد توفيت بعد هذا اللقاء بعدة أيام وكانت الكلمات الأخيرة التي تمتمتها : "الحمد لله لأنه مكنني من مقابلة حفيدي، ابن حمد، قبل موتي".
لم يحظ أخواني بمقابلة جدتي ولا حتى عمتي حمدة التي لم تكف عن توجيه الشتائم لليهود الذين فرقوا بينها وبين أبي وقد توفيت في ريعان الشباب. ولم يبق اليوم إلا عم واحد من ستة أعمام. ونحن لا نعرف جميع أبناء العمومة وعند مقابلتهم فإننا نقضي ساعات طوال نتجاذب أطراف الجدال حول ما يحدث. وتشعر في كثير من الحالات أن هناك هوة سحيقة تفصل بين طريقتي التفكير لا سيما بخصوص الموقف من إسرائيل لأنهم لا يروم من هناك إلا الأمور السوداوية. فداء، عواطف وختام هذه أسماء شقيقاتي الثلاث. وكانت أمهن قد توفيت قبل أن يتزوج أبي من أمي. وهن أيضا لم يقابلن أبي منذ نزوحهن في العام 1948. وعندما عانقنني في اللقاء الأول الذي جمعهن بي شتمن أبي وذرفن الدموع على كتفي وقلن "يلعن أبونا" فقد شعرن بغضب شديد عليه واتهمنه بالتخلي عنهن. ولم يتعلمن هناك في المدرسة ولا يعرفن القراءة أو الكتابة وتزوجن من رجال يكبروهن بما يربو على عشر سنوات. وقد توفي أزواجهن وتعيش اثنتان منهن بمخيم الحصن البائس للاجئين الفلسطينيين وهو اسم لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع المخيم نفسه. انه يفتقر حتى للمجاري. وإذا كان معظم أولادهن يتدبرون أحوالهم إلا أن غالبيتهم عاطلون عن العمل. وما يبعث لدي العزاء والمواساة هو أن بناتهن تعلمن ونجحن في المدارس لأنهن لا يردن أن يكون مصيرهن مثل أمهاتهن. فداء وعواطف وختام هن أخواتي اللواتي أحبهن على الرغم من أن لدي أربع أخوات أخريات. ربما لأنني تحملت جزءا من ذنب أبي لأنه لم يصنهن ويحافظ عليهن إلى جواره. إلا أن الألم الشديد الذي يعتريني هو عمق الهوة الفاصلة بيننا. فنحن من عالمين مختلفين وبعيدين عن بعضهما إلى أقصى الحدود. بالأفكار، بالعادات، بظروف الحياة، باللباس، بالتصرفات، في كلّ مجالات الحياة وحتى بالعقلية. وحتى إذا تحقق السلام اليوم وحتى إذا حصلت المعجزة واستطعنا لم الشمل والإقامة في نفس المكان. لا نستطيع أن نكون أخوة. الطفولة والوحدة لا اذكر الكثير من أيام طفولتي، والأمور التي اذكرها ليست بالضرورة ما يثير اهتمام القراء. فربما لا يهمكم على سبيل المثال لو تعرفون أن بيتنا، بل اعذروني، البيت الذي استأجره والدي في الناصرة، كان يتكون من غرفتين مبنيتين على ثلاثة طوابق عالية بدون أي تخطيط هندسي. كنا نصل إلى مدخل الغرفة الأولى من خلال الدرج العالي وغير الصالح للاستعمال والذي تم بناؤه مائلاً. وفي إحدى المرات خرجت من البيت فتعثرت ووقعت عن السلالم درجة تلو الأخرى طوال 83 درجة حتى وصلت إلى الشارع تعتريني الرضوض والكسور. كان عمري في ذلك الحين ثلاث سنوات، وغدوت جزءاً من الإحصائيات التي تقول إن نسبة العرب في المنطقة تبلغ 25% إلا أن نسبة العرب الذين يصلون إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات تصل إلى 45%. وقد وصل الكثير إلى هناك بسبب تناول الأدوية أو شرب الكاز أو السقوط والعديد من الحوادث الناجمة عن الثقافة الصحية غير السليمة وانعدام التخطيط اللائق للأبنية، أو انعدام الوعي لموضوع السلامة والأمان. وما هي الأهمية في أن أحدثكم عن ذلك الصباح الذي وصلت فيه إلى المدرسة وأذناي متجمدتان من شدة البرد، لأنني لم أكن اعرف ما هو الوشاح ولا المعطف. وهل أصلا يكترث أحدكم إذا كنت أنا المسلم قد تعلمت في مدرسة تيراسنطا المسيحية في الناصرة ابتداء من الروضة وانتهاء بالصف الثاني عشر؟ وكان أبي يسدد الأقساط الدراسية لأنه كان يعير اهتماما كبيرا لدراستي أنا وأخوتي لئلا نكون من الأميين. وكان يدرك أن المدارس الرسمية ليست على مستوى لائق مع العلم أن الكثيرين من المعلمين الذين كانوا يدرسون فيها لا يحملون شهادة بجروت. لكن ما يهمني أن أحدثكم عنه هو الشعور بالوحدة وهو الشعور الذي يعرفه اليهود تماماً. وكانت عائلتنا أقلية تعيش داخل أقلية تعيش داخل أقلية أخرى.فالأكثرية اليهودية في إسرائيل هي أقلية في الشرق الأوسط، والعرب الإسرائيليون يشكلون أقلية داخل الأكثرية اليهودية ونحن اللاجئين الذين نعيش داخل وطننا نعيش مثل أقلية داخل العرب المحليين. سكنا في حي مكون من حمولتين كبيرتين وعلى الرغم من حسن النوايا لدى جميع الأطراف فقد بقينا غرباء في نظرهم ونظر أنفسنا. ولذلك فقد عرفنا جيدا ما معنى هذا الشعور المستديم بالضعف. حيث يتوجب عليك أن تكون قويا من اجل البقاء، وأحيانا تحاول الإساءة للآخرين بشراسة وفي بعض الأحيان تكون أنت الذي تضرّر. أنت تشعر بالخوف الذي يدفعك إلى القيام بأعمال بطولية، أنت تصبح مغامراً يعرّض نفسه وعائلته للخطر. عليك الحفاظ على ممتلكاتك، تريد أن تحمي أختك من الغرباء، وتريد الحيلولة دون تغيير عاداتك وأخلاقك وانصهارها، إلا انك في الوقت ذاته لا تريد التشاجر مع البيئة المحيطة بك الأقوى منك أو مداهنتها. باختصار، تناقض كامل. للخروج من هذا التناقض دون أن تصبح مجنونا فأنت بحاجة للكثير من المعجزات والدعم الرباني، وهو ما تبحث عنه دون توقف إلا انك لا تجده. الأمن وشبه الأمن كان راتب الشرطي حتى في ذلك الحين (לקלקל) أفساد العائلة وليس (לכלכל) إعالتها. واستغلت أمي إلمامها بمهنة الخياطة التي تعلمتها في دمشق، وبدأت تعمل في البيت (وهي تشك اليوم إنها كادت تفقد نور عينيها بسبب هذا العمل) وأنا الوحيد من بين إخواني الستة الذي بدأ يعمل بعد الدراسة وفي الإجازات. عملت في احد المطاعم الواقعة في منطقة المسكوبية التي كانت مجمعا للأبنية الحكومية في الناصرة كالشرطة وضريبة الدخل والمحكمة العسكرية ومحكمة الصلح ووزارة الداخلية والبريد وضريبة الأملاك ومؤسسة أخرى لا أحبها وهي الحكم العسكري. كانت هذه مدرستي الحقيقة بالفعل حيث تعلمت هناك أكثر من أي مكان آخر عن دولتي وشعبي. وهنا تعلمت ما معنى الأمن وشبه الأمن. كان عمري 13 سنة عندما بدأت العمل نادلاً. وكان الطباخ هو صاحب المطعم. وفي احد الأيام أتى إلى المطعم احد الضباط العسكريين وعرفت في وقت لاحق انه قاض عسكري حازم ومتشدّد وطلب مني أن اعد له صحنا من الحمص. وكان صاحب المطعم قد خرج من المطعم لعدة دقائق وطلب مني أن الهي الزبائن وألا ادعهم يغادرون قبل عودته. وطلب مني : "إيّاك أنْ تغضب احدهم". فأعددت الحمص وقدمت الطبق للقاضي وفي تلك اللحظة دخل إلى المطعم رجل ضخم وأمسكني من ساعدي بقسوة وراح يصرخ بكلمات لم افهمها. فحاول القاضي أن يهدئ من روعي إلا انه لم يتركني. واسودّت الدنيا في عينيّ، وفهمت أنني تورطت بمشكلة ما، لكني لم اعرف ما هي! وجرني الرجل إلى مقر الشرطة القريب وأجلسني على كرسي في المكتب وبدأ يسجل. وطلب مني بطاقة الهوية التي لم تكن بحوزتي. فصرخ وضرب بيده على الطاولة. وفي النهاية احضر شخصا يترجم أقواله للعربية إلا أن المترجم بدأ يصرخ هو الآخر. وعندها أتى والدي وللمرة الأولى رايته يصرخ. وهجم على ذلك الشخص وأمسكه من ياقته وكاد يخنقه. وقام رجال شرطة آخرون بفصلهما. وامسكني أبي من يدي وأخرجني من هناك. وأمرني بالا أعود إلى العمل. ولم استطع مواصلة العمل إلا بعد تدخل صاحب المطعم. وقال لي: "أنت مثل ابني" وأضاف: "لكنك سببت لي الضرر من طلب منك أن تحضر الحمص للضابط؟". فشرح لي: "أنت تعمل هنا في دار الحكومة"، بعدما أخبرته بما جرى. "يدخل إلى هنا الكثير من الأشخاص من كافة الأشكال والألوان، فهناك شيوعيون، وقوميون، ومجرمون. يجب الحذر من قيام احدهم بتسميم طعام رجالات الحكومة. هذا شان أمني، فهمت؟ بدأت انظر إلى الأمور من حولي نظرة مغايرة. ليس مجرد حذر. ليس مجرد أمن. بدأت أسأل الكثير من الأسئلة. لماذا يقف الناس هناك بالطابور؟ للحصول على تصريح من الحاكم العسكري. ما الغاية؟ للسفر إلى العمل. وأين العمل؟ في حيفا أو طبريا أو تل أبيب. لماذا هناك حاجة لتصريح؟ للضرورة الأمنية. الشيوعيون والمجرمون والقوميون؟ لكن توجد هنا نساء أيضا، هؤلاء هن نساؤهم. للمرة الأولى أرى القيود والمعتقلين والجرحى والناس المصابين والقادة والمحامين وراشقي الحجارة والمتظاهرين والوشاة (المتعاونين) ورأيت حتى خرافا معتقلة فشرح لي رجال الشرطة بدعابة أنهم ضبطوها ترعى في أماكن محظورة. السجن: المدرسة الثانية أحسن أبناء سني التسكع في الشوارع. وكانت في كبرى المدن العربية في إسرائيل ثلاثة نواد للشبيبة: واحد تابع للكنيسة الكاثوليكية، وواحد للكشاف الإسلامي، وواحد للشبيبة الشيوعية. ومن لم يتم تصنيفه في احد هذه النوادي الثلاثة مثل سائر أبناء الشبيبة كان يهيم على وجهه في الشوارع. وولدت هناك الكثير من قصص الحب، لكن أيضا الكثير من قصص الكراهية. فالقرى العربية كانت خالية من النوادي. وفي إحدى المرات كنت أتمشى في الشارع مع صديق لي فاعتقلونا بحجة التسكع في الليل. وهكذا أدركت أن المشي في الليل ممنوع. ولم اعرف حتى يومنا هذا لماذا يعتبر المشي في الليل ممنوعا! وأتساءل هل كان هذا القانون يسري على العرب لوحدهم. المهم أنني تعلمت الدرس وانتسبت إلى الكشاف الإسلامي. وهناك أحببت التمثيل. وأسست فرقة متواضعة للتمثيل الساخر وتطورت هذه المهنة وازدهرت بعد مرور سنوات عندما صرت ممثلا مسرحيا، لكن ليس قبل قضائي عدة أشهر في السجن. ذات مرة دعاني احد أبناء صفي إلى بيته وعرض علي هناك الفكرة التالية: "حركة فتح في الأردن بحاجة لشخص يعلم أعضاءها اللغة العبرية، وأنا ارتب مثل هذه المجموعة من أبناء صفنا. هل أنت مستعد للانضمام؟". دهشت من الفكرة السخيفة. اعتبرت حركة فتح مجموعة من المناضلين الوطنيين الشجعان. فلم أكن في ذلك الحين معارضا لنشاطها، ولم يعجبني الهجوم الذي شنه الحزب الشيوعي عليهم والذي أطلق عليهم تسمية "إرهابيين" ولم أفكر في الوقت ذاته أنهم عاجزون لهذا الحد ولا حول لهم أو قوة إلى درجة اعتمادهم على بعض الأولاد من أمثالنا لتعليمهم اللغة العبرية. فنحن أنفسنا لا نتقن اللغة، فكيف سنصبح معلمين للغة العبرية؟ ولماذا نحن؟ هل سيبقى اللقاء في نطاق تعليم اللغة أو ربما يريدون تجنيدنا لصفوفهم كمقاتلين؟ رفضت الفكرة ونصحته بصورة حازمة وبدون أي تردّد بان يتركها هو الآخر. واتى إلي صديقان آخران بعد يومين واخبراني بان نفس الشاب عرض عليهما الانضمام، وسألاني عن رأيي في الموضوع، فأخبرتهما انه مجنون وان هذه الفكرة غير مقبولة. فاقتنعا برأيي فعلاً، ولم يستجيبا للاقتراح. وبعد مرور عدة أشهر آن أوان العقاب، ليس فقط للذين وافقوا وإنما أيضا لأبي، ولي ولجميع أفراد العائلة. في الليلة الفاصلة بين الرابع عشر والخامس عشر من ديسمبر كانون الأول 1970 كنت استعد للامتحان الفصل الأول باللغة العبرية. درست حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي الرابعة فجرا استيقظت مع جميع أفراد العائلة وسكان الحي من شدّة أصوات الصراخ وطرق الباب. كانوا يصرخون بلغة عربية بلكنة عبرية: "افتخوا الباب". ولم يكن بمقدور والدي المريض النهوض غير أن زملاءه من رجال الشرطة لم ينتظروا وخلعوا الباب. وطرحوا أبي عن سريره ليفحصوا إذا كانت هناك مواد محظورة تحت السرير. وبعد ساعة من التفتيش في كلّ مكان، ومن تخريب البيت اعتقلوني دون أي مبرر لفعلتهم. وأذهلني ما رأيت في الخارج. عددت أكثر من 150 شرطيا مسلحا كانوا يطوّقون بيتنا من كافة جوانبه، وقبل أن أنجح في عد السيارات عصبوا عينيّ واقتادوني إلى معتقل القشله التابع لجهاز الأمن العام (الشاباك). ومرت عليّ خمسة أيام وأنا أتعرض للتحقيق والضرب والشتائم والإهانات والتهديد واللكمات ولم يخبروني حتى الآن ما هي التهمة المنسوبة إلي. لم افهم ما معنى هذه الجلبة. وبدأت أتذكر ما كانت الصحف قد نشرته حول وسائل وطرق التعذيب التي يتبعها أفراد الشاباك وكيف يتم اعتقال أشخاص أبرياء. وكنت اعتقد حتى ذلك الحين أن هذا ضرب من المبالغة. وفي اليوم السادس جمعوني في لقاء مع الشابّ، ففهمت ما الأمر؟. فسألته أمام المحققين: "هل استجبت لاقتراحك؟" فأجابني بوضوح: "رفضت مرافقتي ونعتني بالمجنون". إلا أن اعتراف الشاب لم يشفع لي واقتادوني إلى معتقل الجلمة (قيشون) على مقربة من كيبوتس ياغور ووضعوني في غرفة واخبروني إنها كانت غرفة آيخمان ومثلما كان الحكم بالإعدام عقابه فسيكون عقابي أنا أيضا. لم أكن عندها اعلم الكثير عن النازيين ولم اعرف ما هو الدور الذي كان يمارسه آيخمان في تصفية اليهود خلال المحرقة لكنني فهمت انه كان مجرما كبيراً. أجريت لي محكمة عسكرية في مدينة اللد واختار أهلي محاميا عريقا لتمثيلي في المحكمة غير أن الحظ لم يبتسم لي. حيث كان هذا المحامي وكيلا للشاب الذي تزعّم المجموعة.كان مريضا بالسرطان وعانى من الآلام ولم يتمكن من معاينة ملفي. ورسم خطا دفاعيا مشتركا لي وللشاب على الرغم من أنني رفضت الانضمام للمجموعة بكل إصرار وأقنعت اثنين آخرين من أصدقائي ألا ينضموا، فيما كان الشاب هو الذي خطط تكوين المجموعة وتزعمها. وحكم القاضي بنفس العقوبة على المتهمين الستة وأنا من ضمنهم: عام من السجن الفعلي. ففصلت محاميّ وتحدّد موعد للاستئناف ضد الحكم فمرت ثلاثة أشهر ونصف الشهر بالإضافة إلى أربعة أشهر من التوقيف قبل المحكمة. وفهم قاضي محكمة الاستئناف العسكرية في أبو كبير بيافا حجم الظلم الذي ارتكب بحقي، إلا انه كما يبدو لم يرغب في إحراج القاضي من اللد. وبالتالي فقد خفف حكمي من عام لثمانية أشهر وبالتالي فقد غادرت السجن بعد أسبوعين بعد أن اكتسبت خبرة غنيّة. كانت هذه المدرسة التي تعلمت فيها كيف أقاوم الألم النفسي وامتصاص الظلم الفظيع. تعلمت درسا إضافيا حول الكارثة عندما طالعت حول محاكمة آيخمان. وتعرفت عن كثب على شتى المجرمين، والتقيت في السجن بأعضاء من حركة فتح، وتعرضت للجوع وتعلمت صعوبة العيش بدون موسيقى، وعرفت ما معنى الأشواق والحرية والحب وأهمية الحياة. المسافة بين الصحافة والسياسة رغم أن إطلاق سراحي من السجن جاء تنفيذا لقرار القاضي، إلا أن الأمر كان في نظري بمثابة تحطيم القضبان والهروب إلى الخارج بقوّة وضراوة. وكان ذلك استحواذ على حياة الحرية، الرغبة في الوصول إلى كل زاوية ممكنة. وأكملت دراستي الثانوية وفي نفس الوقت كنت أتعلم مهنة وفي غضون سنة أصبحت متعهدا ثانويا في تركيب الاباجورات، وانضممت لفرقة مسرحية واتجهت صوب العمل السياسي. واكتشفت في تلك الأيام أن 24 ساعة في اليوم لا تكفي. وحتى غضبت من اليهود الذين اكتفوا بتحديد سبعة أيام في الأسبوع. واضطررت لدفع ثمن هذه الهستيريا في بعض الأحيان بالنوم ليومين متواصلين، لكن كان هناك ثمن أغلى من هذا: حادث عمل تسبّب في شلّ يدي اليسرى. ورغم ذلك لم استخلص العبر. ثم غيرت تخصصي المهني وانتقلت للصحافة. تعلمت في دورة مكثفة في تل أبيب. واستغرب أستاذي الصحفي اليميني نتان بارون كيف أتى هذا الشاب العربي من الناصرة مرتين في الأسبوع لكي يتعلم. ولم يعلم أن كلّ سفر كان منوطا بالكثير من التساؤلات من نوع آخر من قبل العسكريين على امتداد طريق الكرياه في الطريق إلى بيت تسيوني أمريكا حيث أقيمت الدورة التعليمية. وكانت حرب يوم الغفران في ذروتها وبالتالي كان من الصعب عليهم أن يستوعبوا بان شابا عربيا يسير في شارع نجد في احد جانبيه وزارة الأمن ومن الجانب الآخر إذاعة الجيش والسلطة الثانية ومؤسسات حكومية وعسكرية أخرى. وكانوا يوقفونني، يستجوبونني، يطلبون بطاقة هويتي، يستوقفونني ويخلون سبيلي. المسافة بين الصحافة والسياسة التي تبدو لي اليوم بعيدة للغاية كانت تبدو في ذلك الحين قصيرة ورفيعة كشعرة معاوية. وكانت تصدر في ذلك الحين صحيفتان، "الأنباء" الحكومية و "الاتحاد" التابعة للحزب الشيوعي. وكان المطلوب من الصحافي أن يزاول السياسة وليس الصحافة المهنية. وكان من السهل الاختيار بين كلتا الصحيفتين. وكنت آمل أن يقبلوني للعمل مراسلا لصحيفة الاتحاد في الناصرة. وبالفعل فقد قام الكاتب إميل حبيبي الذي كان المحرر لرئيسي للصحيفة بضمي إلى هيئة التحرير. وكان إميل حبيبي يرغب في تحويل الصحيفة لتكون ذات شعبية أوسع في صفوف أبناء الشبيبة. وأراد أن يعمل إلى جانبه صحافي شاب. فقد تعلم إميل حبيبي الدرس من الانهيار الذي تعرض له الاتحاد السوفيتي وحاول أن يغيّر حال الأمور. ولأنهم لم يسمحوا له بذلك فقد ترك صفوف الحزب والصحيفة. وأعلن عن انعتاقه من قيود الايدولوجيا وأصفادها، فاكتشفه الوسط اليهودي في إسرائيل فترجم أعماله الأدبية إلى اللغة العبرية ومنحه جائزة إسرائيل في الأدب. ملجأ لجميع القوميين الفلسطينيين هنا أيضا كان الاختيار سهلاً: الحزب الشيوعي أو الأحزاب الصهيونية. كان الحزب الشيوعي ملجأ لجميع القوميين والوطنيين. فقد منعت الحكومة في ذلك الحين (1958) إقامة الحزب القومي العربي. وتم إخراج حركة "الأرض" عن القانون. وأغلقت الصحيفة الصادرة عنها. ولا بد من إنصاف الحزب الشيوعي بالقول انه زود عرب إسرائيل بعاملين كانا حيويين لهم: الجانب القومي، من خلال التركيز على الموضوع الفلسطيني ورفع راية "دولتان لشعبين: إسرائيل وفلسطين"؛ والجانب، الوطني من خلال التمسك بالوطنية الإسرائيلية وخشيته على دولة إسرائيل. وقد تعرفت في إطار الحزب الشيوعي للمرة الأولى وعن كثب علي يهود طيبين. وهناك سمعت للمرة الأولى مصطلح "أخوّة يهودية عربية". فكرهت النازية واطلعت على الجرائم النكراء التي اقترفها. وتم القيام بذلك بالتزامن مع الشعور بالفخر تجاه العروبة. غير أن الحزب لم يستوعب التحولات التي حصلت في العالم، ولم يفهم ضرورة مراجعة أفكاره وإعادة النظر بمواقفه وعقائده، وغرق في النزاعات الداخلية والخارجية. فتراجعت مكانة الحزب الشيوعي باضطراد، إلا انه كان قويا وشرسا في مقارعة خصومه. والهجمات التي شنها على كلّ من كانت لديه وجهات نظر ومعتقدات أخرى سواء كانوا من الخصوم أو أعضاء الحزب سدت طريق المبدعين الخلاقين الذين طالبوا بالتغيير من أعضائه مما أفضى إلى تحجر الحزب. ودخلت إلى الفراغ الذي تركه الحزب الشيوعي في الشارع العربي قوى وحركات محسوبة على التيار القومي، ثم الإسلامي. وألحق انهيار الحزب الشيوعي الضرر بالتعاون بين العرب واليهود وبالشعور في الانتماء للدولة. وقد أعلن التياران الجديدان الحرب على الحزب الشيوعي على هذه الخلفية أيضا. وأدركا كيفية استخدام مخلفات التمييز المنتهج ضد الجماهير العربية منذ إقامة الدولة، والمتواصل حتى يومنا هذا. وقالا أن الحزب الشيوعي يسعى إلى دمج العرب بالمواطنة الإسرائيلية إلا أن إسرائيل واليهود لا يريدوننا. وعندها بدأوا يتكلمون عن حكم ذاتي للعرب في إسرائيل. وارتفعت أسهم الراديكالية ومن نافل القول الإشارة إلى أن السير العارم باتجاه التطرف تعزز في ظل ردود الفعل الحادّة التي أبدتها الحكومة والشرطة في كافة مجالات الحياة. كنا بأمس الحاجة للنهج المعتدل أثناء ازدهار التطرف، وخلال إبداء السلطة الحاكمة ورجالات السياسة للتمييز والتزمت. طريق مغاير كان من المحظور الرضوخ للواقع المتكوّن. تريد أن تحدق في عيني ابنك! ماذا تقول له؟ فأنت تدرك أن هذه الطريق ستشيع الدمار في مستقبله. كيف تنام قرير العين إذا سلمت بهذا الأمر؟ مع العلم أن الضمير يحظر أن ينام. حاولت في البداية التأثير من موقعي لمحرر رئيسي لصحيفة الاتحاد وهي الصحيفة اليومية الوحيدة باللغة العربية في إسرائيل بعد إغلاق الصحيفة الحكومية. لكن، في غضون خمس سنوات ظهرت أكثر من عشر صحف أسبوعية في الوسط العربي والتنافس لا يزال في أوجه. بدأنا نغير ملامح الصحيفة لتواكب العصر. كانت الاتحاد صحيفة سياسية ذات ملحق أدبي محترم. وللمرة الأولى بدأنا نتناول قضايا اجتماعية وخلال عامين أصدرنا ملحقا اجتماعيا متميّزاً. وأضفنا زاوية رياضية تحولت إلى أسبوعية. وأدخلنا أقساما جديدة مثل التربية والطب والصحة وركن المرأة، وركن الإبداع الأدبي الخاص بأبناء الشبيبة. وانضممنا إلى مشروع اليونسكو الرامي إلى استنهاض وتشجيع المطالعة في العالم العربي، ومكافحة ألامية. وكسرنا القطيعة المتبادلة بين الصحيفة ومؤسسات الدولة والسلطة. وشعرنا بالدهشة عندما لمسنا أن الطرف الآخر أيضا معني بذلك. (وبالمناسبة، فقد شهدنا ذلك في عهد حكومة شمير) وبدأنا للمرة الأولى في إجراء مقابلات صحفية مع وزراء وفتحنا الصحيفة لتكون منبرا للحوار بين جميع المعتقدات ووجهات النظر، وما لبثنا أن غدونا منبرا للتعددية في القضايا السياسية والدينية والاجتماعي. لم يكن رد فعل الجمهور العربي في إسرائيل متلهفا فحسب بل أظهر مدى تعطشه للديمقراطية والتعددية ومدى حاجته للانفتاح والتغيير ومدى رغبته في الانخراط بالدولة على الرغم من القيود. غير أن هذه المحاولة آلت إلى منتهاها عندما نشرت مقالة انتقدت فيها الأمين العام للحزب الشيوعي، والذي كان صاحب الصحيفة أيضا. تجاوزت الخطوط الحمراء فذهب كلّ منا في طريق. وعادت الصحيفة لتكون مجرد نشرة وبالتالي فقد ذهب الانفتاح والاعتدال أدراج الرياح وأخفقنا من الاختبار الأول. أكتوبر تشرين الأول 2000 عندما تقبل شرطة إسرائيل على قتل 13 شابا عربيا من مواطني الدولة فمن الصعب على العربي الإسرائيلي توجيه النقد للجانب العربي. لأنه يحظر على الشرطة أصلاً القتل، فكم بالحري قتل المواطنين، مهما صدر عنهم من تصرفات. عندما يبلغ عدد القتلى 13 خلال 3 أيام فإننا ندرك أن ذلك لم يكن مجرد خطأ أو هفوة، فإمّا كانت هذه خطوة متعمّدة، وإمّا أن تكون من عواقب السياسة المستهترة ليس بحقوق المواطن العربي فحسب، وإنما بحياته. والى جانب ذلك هناك مجال لتوجيه الانتقادات الحادّة إلى القيادة العربية التي قررت تنفيذ الإضرابات، حتى بعد الموجة الأولى من القتل، وللقيادة المحلية التي أخرجت الشبان من بيوتهم ولاحظت كيف يقومون بسدّ الشوارع، ويخربون الممتلكات العامّة، ويضرمون النار بالبنوك والحوانيت (وينهبونها)، ويرشقون بالحجارة السيارات المسافرة لمجرد كون ركابها من اليهود. هذه أمور تبعث على الصدمة كلّ عربي عاقل في إسرائيل اعتبر هذه الأعمال تدهورا أخلاقيا ورأى في مقولة "عليهم" خطورة وجودية. وكان من المفروض أن تسهم إقامة اللجنة الرسمية للتحقيق بهذه الأحداث في تهدئة الخواطر، إلا انه كان هناك الكثير من متعمدي الإساءة ولذلك فقد حاولوا التأثير على فعالياتها باستمرار التهييج: الشرطة وأنصارها، من جهة، والمهيجون العرب، من جهة أخرى. فتفاقمت القطيعة، واتسعت الهوّة، وعلى الرغم من مرور سنوات هادئة للغاية منذ اندلاع هذه الموجة من الأحداث، إلا أن جروح كلا الجانبين لم تلتئم بعد والظاهر أنه سيكون من المحال رأب هذا الصدع. وعندها وصلنا نعم، وعندها وصلنا نحن، مجموعة كبيرة من المثقفين العرب في إسرائيل، من الذين يهمهم أمر شعبهم ودولتهم في الوقت ذاته. وقرّرْنا القيام بخطوة بعيدة المدى في محاولة لتغيير الأجواء، ووقف التدهور. بحثنا عن سبيل فوجدناه يتجسد بالفكرة التي ابتكرها الأب إميل شوفاني. "من الألم إلى الألم". "من الذاكرة إلى السلام". وسعى للبحث عن فكرة من اجل الأجيال القادمة، وفكر بإيفاد طلبة ثانويين من العرب واليهود إلى معسكر الإبادة اوشفيتس، من اجل الاطلاع على الألم اليهودي. وقد عرضنا عليه إرسال الكبار لان الوقت لا يسمح بالانتظار حتى الجيل القادم. فكلا الشعبين عانيا بما فيه الكفاية. وانظروا ما أسهل ذلك
.مجرد فكرنا بالموضوع فبدأنا نجس النبض في صفوف مجموعة من الأشخاص فوجدنا أن هناك العشرات من الشخصيات الهامة والبارزة المستعدّة للانضمام والقيادة. انه لفيف من الشخصيات الناجحة من عرب إسرائيل: علماء، رجال أعمال، أدباء، صحفيون، أطباء، محامون، رجالات دين، طلبة جامعيون، معلمون، مربون، محاضرون في الجامعات، مديرو مدارس ومفتشون. فبمجرد طرح الفكرة وجدنا المئات من الشخصيات اليهودية المحسوبة على نفس الفئة من الجمهور والتي تتجاوب مع الفكرة بصورة ايجابية، وتنضم إلينا، بانفعال ولهفة. أعلنا عن ذلك عبر وسائل الإعلام، فانبثق اهتمام واسع النطاق وحظينا بشعبية فاقت جميع التوقعات. مع الإشارة إلى انه منذ عشر سنوات لم يحظ أي موضوع عام مثل هذا الالتفاف الشعبي والاهتمام الإعلامي في إسرائيل، مما يضاعف المسؤولية الواقعة على عاتقنا. "غمض عين فتح عين" وها هو الأمر يتحقق. الوفد ينطلق في طريقه ويصل إلى اوشفيتس. إننا ذاهبون للفهم والتعلم ولنلمس الألم في أعماق جوارحنا ونتحمل مسؤوليته. ونقرّر: يحظر علينا نحن العرب بالذات أن ندع اليهود يشعرون بأنهم لوحدهم. ومن هنا ننطلق في طريق جديدة لكلينا وكأننا واحد. لا تسول لنا أنفسنا بأننا نغير العالم، ولا بحل النزاعات بين كلا الشعبين. ولا نرى إننا نقوم بثورة. إلا إننا نريد التأثير في هذا الاتجاه. نريد أن نثبت بأننا عندما نتواصل مع الألم، فإننا نكتشف الإنسان ونضعه في المركز. وعندها نرى كلّ الصورة بشكل آخر. حتى الماضي، الألم والمعاناة. نرى المستقبل من منظور آخر. والمهم هو إننا نرى وظيفتنا في حياة كلا الشعبين في مهمة مغايرة. فلم نعد مجرد متفرجين، ولا مجرّد شراكة في العداوة والعنف، ولا مزيد من الإحباط والإرهاق، ولا بكاء وتهييج، وإنما محاولة صادقة وحقيقية لجسر الفجوة بين كلا الشعبين. فنحن نثبت أن ذلك ممكن رغم كلّ الظروف ومن اجل الجميع. بعض المعطيات حسب المعطيات الواردة في الكتاب السنوي للإحصاء داخل الحدود المعلنة لدولة إسرائيل يعيش أكثر من 1.2 مليون عربي مما يشكل حوالي 20% من مجمل السكان. غير أن هذا الرقم غير دقيق لأنه لا يشمل القدس الشرقية التي يبلغ عدد سكانها 210 آلاف والجولان الذي يعيش فيه 18 ألفا مع الإشارة إلى أن الغالبية الساحقة منهم لم يحصلوا على المواطنة ولا يوجد بحوزتهم جواز سفر إسرائيلي ولا يحق لهم التصويت للكنيست. وبالتالي فان عدد عرب إسرائيل لا يتجاوز المليون أي حوالي 18% من مجمل السكان. 78% منهم مسلمون، 13% مسيحيون و11% دروز. أكثر من 50% من السكان العرب هم أولاد دون سنّ ال 15، 70% منهم دون ال17. يوجد في إسرائيل 2.2 مليون طفل (من سن صفر وحتى سن 17); يشكل العرب 27% منهم (حوالي600 ألف) . الدروز منذ عام 1954 بدأت السلطات العسكرية بتجنيد الشباب(الذكور فقط) أبناء الطائفة الدرزية. وتم ذلك في أعقاب جلسة الإقناع التي عقدها رئيس الوزراء في حينه دافيد بن غوريون مع 16 شخصية من وجهاء الطائفة الدرزية، حيث ابلغهم أن الخدمة العسكرية الإلزامية ستمنح الدروز والشركس مساواة كاملة في الحقوق. وقد خدم في صفوف الجيش معظم الشباب الدروز (حوالي 80%) ولم يتورعوا عن القيام بأي مهمة. وسقط 124 منهم في حروب إسرائيل. وعملت مجموعة مؤلفة من أكثر من مائتي شخص "حركة صهيونية درزية". وقد انبهر بعض وجهاء الطائفة بالشعار الذي يقول :"الصهيونية معناها شراكة في المصير"، وانقطعوا عن الشعب العربي، بل قبلوا النظرية الغريبة التي تعتبر الدروز شعبا وليس طائفة. وكانت هذه محاولة من إسرائيل لإخراج الدروز من الدائرة العربية الإسرائيلية وللبدء في تسويقهم كأمة قائمة بحد ذاتها. إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل. ليس لمجرد كون الدروز عربا، يشاركون العرب في لغتهم، وتقاليدهم وعاداتهم وكونهم مسلمين باعتبار القرآن كتابهم الديني، بل كذلك لان حكومات إسرائيل لم تقتنع بأنهم يختلفون. وقد تعاملت معهم الدولة نفسها مثلهم مثل سائر العرب في جميع مجالات الحياة. وكانوا ضحية لسياسة مصادرة الأراضي حتى أكثر من باقي العرب. فمن 141 ألف دونم كانت بحوزتهم في العام 1948 لم يبق إلا 13 ألفا فقط وهذه الأراضي مخصصة للبناء في قراهم. ولا نجد في الجامعات سوى 4% من أبناء 18 حتى 30 عاما من أبناء الطائفة. ولا يجتاز امتحانات البجروت سوى 24 % من الطلاب الدروز (بينما بلغت هذه النسبة في صفوف باقي عرب إسرائيل 33%، و47% من كافة الشباب في الدولة) وتعاني القرى الدرزية من النقص في مشاريع أساسية وفي البنى التحتية. وكادت جميع الحكومات خلال العقدين الأخيرين من الزمن تتخذ قرارات عديدة لردم الفجوة في البلدات الدرزية، إلا أن شيئاً أساسياً لم يحدث على ارض الواقع. الاقتصاد والمجتمع حسب معطيات لجنة متابعة الظروف والخدمات الاجتماعية لعرب إسرائيل وهي اللجنة التي تجمع كافة الأخصائيين الاجتماعيين العرب في صفوف عرب إسرائيل يتبين أن نسبة المشتغلين المستقلين من بين عرب إسرائيل في حالة من التراجع المستمر على مدى السنوات الأخيرة. وعلى سبيل المثال فقد كانت هذه النسبة في العام 1960 حوالي 33%، وانخفضت في العام 2002 إلى 15%، بينما ازدادت نسبة الأجيرين من العمال العرب في نفس الفترة من 67.4% إلى 82.1% (أما الباقون فهم يعملون ضمن المصالح العائلية دون أجر). وكما اشرنا تبلغ نسبة العرب في إسرائيل 18% إلا أن هناك فرقا ملحوظا بين جاهزيتهم وجاهزية اليهود حسب سلم الدخل. وبلغت نسبة العرب بين الشرائح الرفيعة ذات الدخل المرتفع 0.7% (والباقي أي 99.3% يهود)، ونسبة العرب في الشرائح الدنيا 28.1% (أما نسبة اليهود فهو 71.9%). نسبة البطالة في إسرائيل 10.4%، إلا إنها تبلغ في الوسط العربي 15.6%. البلدات ال 31 التي تتبوأ المراتب الأولى في قائمة المناطق المنكوبة بالبطالة في إسرائيل 31 هي بلدات عربية. ويظهر في هذه اللائحة السلم النسبي للدّخل العامّ للعائلة في إسرائيل، حيث نجد أن عائلة أجيرين من أصل يهودي أو أمريكي أخذت كمقياس من 100%، ووجد أن العائلة التي كان رب الأسرة فيها يهوديا من مواليد إسرائيل تحظى ب106.4% من الدخل، وعائلة رب الأسرة فيها يهودي من أصل شرقي تحظى ب97.5%، ولا تحظى العائلة العربية إلا ب65.2% من الدخل. بسبب مصادرة الأراضي العربية في إسرائيل ونهج القضاء على الزراعة المعتمدة على الأرض انخفضت نسبة العرب الذين يزاولون الزراعة من 48.8% عام 1960 إلى 4.6% عام 1996. ومن البديهي إلا يكون الذين تركوا فرع الزراعة قد توجهوا إلى صناعة التقنيات المتقدمة (الهاي تيك). ويُعتبر 50.7% من العمال العرب في إسرائيل مصنفين ضمن العمال المهنيين أو غير المهنيين من ذوي الدخل المنخفض. وعلى الرغم من التحسّن الطارئ على أوضاع التعليم العربي في إسرائيل، فما زالت هناك فجوة كبيرة بينه وبين التعليم في الوسط اليهودي. وفقط 49.4% من الطلاب العرب الذين انهوا التعليم الثانوي حصلوا على شهادة بجروت (بينما بلغت نسبة الحاصلين على شهادة بجروت في الوسط اليهودي 67.4%)، وعلى الرغم من أن نسبة السكان العرب في الدولة تبلغ 18% من مجمل السكان إلا أن نسبة الحاصلين على شهادة البكالوريوس من الجامعات من بين العرب هي 7% فقط، أما الحاصلون على شهادتي الماجستير والدكتوراة فيبلغ عددهم اقل بضعفين. مشكلة الأراضي لا بد من الإشارة إلى أن الصراع على الأرض هو احد العوامل المرسّخة لديمومة الشرخ اليهودي العربي في إسرائيل. هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه البروفسور اورن يفتحئيل، وتضيف البروفسورة روت جبيزون في هذا المضمار منوهة: "الوضع الراهن ناجم عن الحقيقة التي تقضي بأن الأرض بالنسبة للفلاحين العرب على وجه الخصوص والمواطنين العرب بشكل عامّ لم تكن مجرّد احد موارد التطوير والدخل بل كانت من الأملاك ذات الأهمية الرمزيّة العميقة (البروفسورة روت جبيزون وعصام أبو ريا "الشرخ اليهودي العربي في إسرائيل: مميزات وتحدّيات"، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 1999).
حجم الأراضي
العربية التي تمت مصادرتها منذ إقامة الدولة غير معروف بدقّة، فهو يتراوح
بين 60% إلى 70% (الحاج وروزنفلد، 1990). عام 1947 كان في ملكية اليهود
حوالي 1.2 مليون دونم ; عام 1960 ارتفع هذا الرقم ووصل إلى 3.3 مليون دونم
، وذلك بسبب مصادرة أراضي الأوقاف الإسلامية، وأراضي اللاجئين الفلسطينيين
الذي هربوا أو طردوا، أراضي سكان المثلث، ومساحات شاسعة من الأراضي التابعة
للعرب البدو في منطقة النقب. والمشكلة في النقب أكثر تفاقماً، حيث يحاولون مصادرة 637977 دونما من السكان البدو وإخلاء 6288 عائلة تسكن على هذه الأراضي (حوالي 70 ألف نسمة). وهذا يزيد الطين بلة. ازدحام شديد تعدّ إسرائيل إحدى الدول الأكثر اكتظاظا في العالم من الناحية السكانية: 294 شخصاً لكلّ كيلو متر متربع. لكن، بينما لا تبلغ نسبة اليهود الذين يعيشون في ازدحام من ثلاثة أشخاص وأكثر في غرفة واحدة سوى 1.8% فإن نسبة العرب الذين يعيشون في مثل هذا الازدحام تصل إلى 35%. يُعدّ النقص في الأراضي والخرائط الهيكلية الملائمة لتطور الجماهير العربية في إسرائيل أحد السباب الرئيسية للبناء غير القانوني. مع العلم أن عدد هذه البيوت يبلغ حوالي 55 ألفا. غالبيتها في النقب والبيوت المتبقية منتشرة في كافة أنحاء البلاد. وقد صدرت أوامر بالهدم لخمسة عشر ألف بيت. ونجد في إسرائيل أكثر من تسع قرى عربية غير معترف بها تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية والحيوية. فهي غير موصولة بالكهرباء أو المجاري وتعاني غالبا من النقص في الخدمات الصحية والمؤسسات الطبية والمدارس أو النوادي.
(المصدر:
لجنة الظروف والخدمات الاجتماعية في الوسط العربي في إسرائيل، المنبثقة عن
لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل). |
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |