|
العدد
17
| تموز - آب 2004
قديش على أب غير
يهودي |
|
" |
||||||||
|
آنا بيركنهاور: "أعتقد أن التهويد هو أمر خطر للغاية. الانفصال عن جذور حياتك السابقة وضرب الجذور في حياة جديدة يمكنه أن يتضح كمهمة غاية في الصعوبة". |
||||||||
|
|
||||||||
|
آنا بيركنهاور، متهوّدة من منطلق الإيمان، من ألمانيا، تتحدث عن الطريق التي سلكتها من بيت والديها الذين كانا ينتميان إلى اليسار الألماني، إلى طائفة "يكر" في القدس، وعن عودتها إلى بيت والديها - كيهودية أنا من عائلة صغيرة جدا. نشأت في طوبنغن غربي ألمانيا. والدي كلاوس بيركنهاور كان أديبا وقد كتب عن برطولد برخط، صموئيل بكيت وعن هاينريخ فون كلايست، وعندما كنت صغيرة كان يعمل في المسرح وانتهجنا حياة بوهيمية. نشأ والدي في عائلة شيوعية، وكان عمه ناشط بارز في الحركة السرية الشيوعية في فترة الحرب. بعد ذلك، في السبعينيات، كان والدي ناشط في رابطة الأدباء فيما يتعلق بموضوع حرية التعبير، ولم يكن أي شيء، في تلك الفترة، مفهوما ضمنا في ألمانيا. مرت فترات لم يتمكن فيها والدي من الكتابة وقد أعالتنا أمنا من عملها كمعلمة. قبل خمس وعشرين سنة، أسس والدي مركزا دوليا لمترجمي الأدب؛ وقد ترجم بنفسه من الإنجليزية إلى الألمانية (فلاديمير نفوكوف، كورت فونغوط وأريخ فروم). كان المركز نوعا من الفردوس للمترجمين، وكان يحتوي على مكتبة ضخمة تحتوي على كتب بسبع وعشرين لغة. أسست والدتي، في تلك السنوات، دار نشر صغيرة، تخصصت بإصدار قواميس مهنية وكتب شعر بإصدارات ثنائية اللغة. أنا ذاتي أترجم اليوم من العبرية إلى الألمانية، ومعظم ترجماتي هي ترجمات أدبية: دان بغيس، يوفال شمعوني، أهرون أفلفلد، دانييلا كارما وآخرون. وبنظرة إلى طفولتي أدركت أن تمييزا كان متبعا في بيتنا بين ما يقولونه في الداخل وبين ما يقولونه في الخارج، لاحظت بوجود هذا التمييز في وقت لاحق لدى أصدقاء يهود نشئوا في المهجر. سمعت في الداخل الكثير من النقد الموجّه للمجتمع الألماني، فيما يتعلق بتجاهل الماضي النازي لقضاة كبار، بروفيسورات، سياسيين، خبراء اقتصاد. كانوا يحدثوننا عن الحرب، عن اليهود، عن الغجر وعن العم إيريخ، الذي لم يُعدمه النازيون، في نهاية الأمر، بل ستالين هو الذي فعل ذلك، لأنه انحرف عن المذهب الستاليني. بدأت في الخارج إعادة إعمار الاقتصاد الألماني بعد الحرب وخيّم صمت كبير فيها بكل ما يتعلق بالحرب وبالكارثة. علينا أن نتذكر أن الحرب الباردة بين الشرق والغرب كانت تحوم فوق ألمانيا ‘الأخرى‘. عندما بلغت سن الرشد، عانينا من ملاحقة اليسار التي أتت في أعقاب ملاحقة مجموعة بادر-ماينهوف. عندما بلغت سن 18 سنة، وصلت إلى البلاد في إطار منظمة ‘شعار التكفير والسلام‘. اسم رنان بعض الشيء ولكن هذه المنظمة أنجزت عملا طيبا لخدمة الجمهور وقد اهتمت أيضا بمتطوعيها. عملت في ناد للمسنين في كريات هيوفل في القدس. إحدى لحظات الحرية التي أحسست بها هنا كانت متعلقة بذاكرة الكارثة. كان النضال حول الذاكرة في ألمانيا نضالا سياسيا فقط وقد دار رحاه ضد الذين أرادوا فرض النسيان، ولم يبق أي مكان للاحتياجات النفسية للإنسان فيما يتعلق بالحداد. لم أكن بحاجة هنا إلى الكفاح وكان بمقدوري أن أعيش الذاكرة. وقفوا على جبل سيناء لم يخطر ببالي، طيلة سنين، أن أتهوّد، بل على العكس فقد عارضت الفكرة. اعتقد بأن هذا هو شكل بسيط للغاية للتملص من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الأشخاص الذين ولدوا أبناء للشعب الألماني. مرت فترات كنت فيها أعتقد بأن التهوّد هو نوع من إنكار الكارثة، لأن عدد من الصربيين من أصدقائي ماتوا هنا في أسرّتهم. يصعب التفسير لماذا تهوّدت رغم ذلك. درست الفكر الإسرائيلي، لعدة سنوات، في جامعة برلين. عندما سمعت في أمسية دراسية في عيد العنصرة في أحد الكُنس الألمانية في رحافيا الخطبة الدينية: "لقد وقفت أرجل المتهوّدين على جبل سيناء". فقدت كل الادعاءات السابقة كل فاعليتها. يبدوا أنها كانت صحيحة هناك، ولكن ليس هنا. هنا كان يمكنني أن أعيش.
أعتقد أن التهويد هو أمر خطر للغاية. الانفصال عن جذور حياتك السابقة وضرب الجذور في حياة جديدة يمكنه أن يتضح كمهمة غاية في الصعوبة. أنت الذي كنت إنسان لم ينتم في أي يوم من الأيام إلى طائفة كبيرة، تريد فجأة أن تفعل أشياء كثيرة بهدف الانتماء. أنت تفقد روح النقد الكبير الذي منّ الله عليك به قبل ذلك وتبدأ بالعيش حسب قواعد ما زلت لا تفهمها، وتصبح حالتك مشابهه لحالة ولد يتعلم لغة ولكنه لا يسمح لنفسه بالتلاعب بكلماتها، لئلا يعتقدوا بأنه لا يفهم. يمكن لهذه الفترة أن تستمر وقتا طويلا. يرسلون إلي، بين الفينة والأخرى، فتيات شابات من ألمانيا يجتزن المراحل الأولى من عملية التهويد. إذا اكتشفت بأن الأسباب التي حذت بهنّ إلى هذا القرار هي بالأساس رغبتهن في الانتقام من عائلاتهن أو مشاكل شخصية، فأنا أحاول ردهنّ عن ذلك. عملية الابتعاد عن الثقافة السابقة، التي تبدأ منها إجراءات التهويد، يمكن أن تكون هدامة جدا إذا لم تنجح في الوصول، في نهاية الطريق، إلى المكان الذي تشعر فيه وكأنك في البيت. بعد رؤية الثقافة السابقة من الخارج، أو بالأحرى من الجهة المضادة، من الناحية التاريخية، عندما تبدأ رؤية الجذور المسيحية لمعاداة السامية، يبدو لي أنه لا يوجد سبيل في العودة إلى هناك، وعندها لن يكون واضحا فيما كان هناك مكان للإنسان في العالم. في أحد الأحاديث التي شرحت فيها لوالديّ سبب رغبتي في ترك ألمانيا والعيش في البلاد، قال والدي أن بإمكانه أن يتقبّل ذلك، ولكن عليّ أن أعده بأن أبقى في إسرائيل وألاّ أواصل التنقل. كان يعرف مصائر كتّاب تركوا أوطانهم وكانت تنتظرهم حياة من التنقل. من المحتمل أنه لم يترك بلاده ولغته هو ذاته لهذا السبب. إذا كنت تشعرين بالانتماء قبل شهرين أو شهرين من حرب الخليج عام 1991، عندما كنت أعيش في البلاد كمواطنة، زرت ألمانيا. نُشرت هناك في الصحف كل المعلومات التي لم تُنشر في البلاد في حينه، عن النتائج الممكنة لضرب الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الموجودة بحوزة العراق. نظر والدي إليّ بعينين دامعتين وجلس إلى جانبي وقال: "إذا كنت تشعرين فعلا بأنك تنتمين إلى هذا الشعب"، وقد استخدموا مصطلح volk، الذي لم يستخدمه ذات مرة، "فأنت مجبرة، دون شك، على العودة إلى هناك. ولكن إذا ساورتك الشكوك في الأمر، فنحن نفضل أن يراودك الشك هنا". كانت هذه طريقته غير المباشرة ليبارك طريقي. حين كنا نعمل على إصدار كتاب قصائد غرشون بن دافيد – وأضيف هنا أن غرشون بن دافيد، غير المعروف هنا، نجى عندما كان طفلا من فترة الحرب في ألمانيا بعد أن سلّمته أمه لتتبناه عائلة مسيحية. بعد الحرب ترك عائلته التي تبنته وبدأ بالبحث عن أمه. لم يعثر عليه ولكنه انضم إلى المهجّرين وقدم إلى البلاد وعاش هنا حياة بوهيمية. إنه يعيش في القدس بالعبرية ويكتب قصائد عن الكارثة بالألمانية. لقد نشرنا هذه القصائد، التي ترجمها أبراهام هوس، بإصدار ثنائي اللغة في دار النشر التي تملكها أمي في ألمانيا، وأرفقنا القصائد بمصادر عديدة. يمكن فتح الكتاب من اليمين ومن اليسار على حد سواء، ويلتقي الجزءان العبري والألماني غير المتوازيين في صفحة مزدوجة، رمادية، طُبع عليها "يزكور". ترجمت الصلاة إلى الألمانية وقد كانت الترجمة أطول من أن تدخل في إطار الصفحة. خلال عملية التحرير، اقترحت أمي حذف ستة أو سبعة أسطر من الجزء الأوسط، ولكن والدي فرض حق النقض الفيتو: "الصلاة، مثلها مثل أي قصيدة، تُستوعب في المساحة التي تم تحديدها لها وفي الوقت الدقيق الذي تم تخصيصه لها، حتى الوصول إلى أسطر النهاية". لم يكن والدي متديّنا أبدا ولذلك أثار إحساسه مشاعري إلى حد كبير. في هذه الصور القليلة والمختصرة حاولت تحديد مميزات الشخص الذي تلوت صلاة "القديش” لذكراه، بعد موته في شهر شباط من عام 2001. مع انتهاء سنة الحداد ألقيت خطبة أمام الطائفة التي تلوت أمامها "القديش"، طائفة ‘يكر‘ في القدس. القديش لذكرى والدي وفيما يلي الكلمات التي تلوتها على أفراد طائفة ‘يكر‘: كان إلن غينزبورغ يبلغ الثلاثين من العمر عندما توفيت أمه وقد كتب لذكراها "قديش" خاص به، وهو عمل استمر في كتابته حتى يومه الأخير تقريبا. يبدو أن هناك شكلين لمواجهة موت أحد الوالدين: كتابة "قديش" جديد، لمن يمكنه ذلك، أو تلاوة "قديش" يتيم على شكل ذلك النص القديم، وتلاوته مرارا وتكرارا. يشتمل الشكلان على نوع من الإعادة – شيء ما مفروض – يبدو أنه ضروري لمواجهة حادثة الفقدان. اخترت الشكل التقليدي وهو أن أتلو "قديش" يتيم طيلة 11 شهرا. "اخترت"، فأنا لم أكن مجبرة على ذلك من ناحية الشريعة، لكوني امرأة وبنتا لأب غير يهودي. لقد اخترت وأنتم سمحتم لي بذلك وشجعتموني. ها أنا آتي اليوم لأشكركم في السبت الأخير من سنة الحداد. أن تتلو البنت "القديش" هو أمر غير مفهوم ضمنا في اليهودية الأرثوذكسية ووما هو غير مفهوم أيضا أن تحصل على دعم ومرافقة، كاللذين حصلت عليهما من طائفة ‘يكر‘. الأمر من البساطة أن تنهضي كل سبت، في فرحة السبت، وأن تعلني على الملأ، كونك امرأة، في الكنيس: "أنا يتيمة!"، وأن أتقبل أنّ والدي قد رحل. لقد دعمتموني في هذه الوحدة كثيرا - أنتن النساء الموجودات في "العزراه" (المكان المعد لصلاة النساء في الكنيس) - بلطف رائع وبوفاء عظيم. أشكركن على هذا التضامن. حين فكرت بما سأقوله اليوم، في هذا الموقف، يبدو أنني أدين لكم بإجابات عن بعض الأسئلة المتعلقة بالشريعة التي لم تسألنها بسبب لطفكن. على سبيل المثال، كيف يمكن لامرأة أن تتلو "القديش"، أليس ذلك ممنوع عليها؟ و"قديش" مرتجل بالذات؟ هل سألت الحاخام؟ إلى ماذا تستندين، فأنت متهوّدة، أليس كذلك؟ تقدم لنا الهلخاه أطرا تتيح لنا أن نملأها بحياتنا الشخصية. هذا نوع من اقتراح كيفية مواجهة الحياة. من لا يجبر على ذلك يمكنه هو بالذات أن يشعر بهذا الجانب من الهلخاه بقوة أكبر، كما حدث، في وقتنا هذا، لنساء كثيرات في مجالات هنّ غير مرغمات عليها. سأتحدث قليلا عن نفسي. أن ابنة كاتب. "القديش" الأول الذي تلوته كان "قديش" لذكرى إلن غينزبورغ، قبل أن أتعرف على المصادر وعلى اليهودية بوقت طويل. جاء والدي من مجال الأدب وأن أيضا أعيش مع النصوص، أعيش معها تماما. أنتم أتحتم لي العيش مع نص "قديش" اليتيم لمدة 11 شهرا، وعدم الابتعاد عن الناس والانعزال في البيت، بل بحضوركم، وخاصة بحضوركن - أنتم النساء في ‘العزراه‘. اختباري الشخصي أنا متهوّدة، وهو أمر ثانوي وسط الأمور التي أخوضها اليوم، ولكنه يعني أني لم أتعلم ذلك في طفولتي. قبل 14 سنة انضممت إلى 3,000 سنة من التاريخ اليهودي. منذ ذلك الحين أعيش مع هذا التاريخ على الجانب اليهودي، كيهودية، أشعر بنفسي في هذا التيار. غير أنني في السنوات الأولى من تهويدي لم يكن لدي تاريخ شخصي متعلق بهذه النصوص، باليهودية، بالهلخاه. هذا أكبر إحساس بالنقصان لدى من تهوّد في السنوات الأولى من تهويده، في حين ما زال يفتقر إلى تاريخ شخصي متعلق بالتراث. لقد تلقاه كاملا، ولكنه لا يعلم ماذا سيحدث له عندما سيتغير، يتقدم حيال النصوص الأدبية، حيال الهلخاه الثابتة. هو لم يشعر باللقاء المتجدد مع رأس السنة ويوم الغفران في كل سنة من مكان آخر، ما زال لا يعرف أنك تشعر في كل سنة بأمور أخرى، وهو متواجد بنسبة متفاوتة من القرب/البعد عن التراث. عند الشعور بالتغيّر الذاتي داخل الإطار الذي تحدده الهلخاه لنا، نحن نفهم ماذا تمنحنا. ولكن هل عليّ أن أتقلص لكي أدخل في أطرها، أو أنه بالإمكان أيضا ملاءمة هذه الأطر لنفسي؟ هل عليّ أن أتوقع أن بإمكاني أن أدخل نفسي داخل إطار الهلخاه، إلى نوع من "المكفي" بحيث لا تبقى أي شعرة في الخارج، أو أنه يجب الرضا بحقيقة أن هناك أمور في شخصيتي، في ماضيّ ستبقى دائما في الخارج، ولن يكون لها، في أي مرة من المرات، مكانة في يهوديتي؟ هذه المشكلة لا تخص المتهوّدين بالذات بل تخصنا جميعا. لا أشعر اليوم بأنني متهوّدة، بل يهودية. ولكن هناك مجال كان يمكن له أن يخرق وأن يلحق الخطر بهذا الحسم الواضح: نظرتي ونظرة طائفتي ونظرة اليهودية عامة إلى العائلة التي أتيت منها، إلى والدي، إلى والدتي وإلى أخي. كان هذا هو الاختبار، إلى أي مدى أنا "بالداخل" حقا. إلى أي مدى تتيح لي اليهودية أن أكون بالداخل بالفعل، وما هو الثمن. إضافة إلى ذلك، إلى أي مدى أسمح لنفسي بأن أكون بالداخل بالفعل. قبل حوالي أربع سنوات ونصف مرض والدي، وكان حياته في خطر يوميا لأكثر من نصف سنة. في تلك الفترة سافرت إليه العديد من المرات، وذلك لكي أرافقه في المستشفى، أن أدعمه وأن أبقى إلى جانبه. كان عليّ كل يوم في الطريق إلى المستشفى، بعد السفر في القطار، أن أمشي عشرين دقيقة، وقد انتبهت ذات مرة أنني أرنم شيئا ما خلال المشي، نغم. بعد تردد كانت تأتي الكلمات. حاولت استرجاعها، وحتى وصولي إلى المستشفى أدركت بأن الآية التي كنت أدندنها كل الطريق كانت هدية. وقد شعرت بالقوة وقبول المصير – وليكن ما يكون – وكان بإمكاني أن أدعم والدي. عدت إلى البلاد وبعد فترة ما، اتصلت والدتي وبشرتني بأن حياة والدي لم تعد معرضة للخطر. كانت لدي حاجة هائلة في التعبير عن شكري بشكل علني. "فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ وَبِاسْمِ \لرَّبِّ أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ شَعْبِهِ فِي دِيَارِ بَيْتِ \لرَّبِّ فِي وَسَطِكِ يَا أُورُشَلِيمُ" (المزامير 116، 17– 19). ولكن كيف؟ وأنا امرأة؟
توجهت إلى الحاخام غوطهولد مترددة، وهو الذي تعلمت على يديه خلال عملية تهويدي، ومنذ ذلك الوقت بقينا على اتصال. وسألته إذا كان بإمكاني أن أصلي صلاة "هغوميل" (صلاة تتلى بعد زوال الخطر) باسم والدي (كان الحاخام غوطهولد يشدد على أهمية مواصلة الحفاظ على علاقات طيبة مع الوالدين وخاصة بالنسبة للمتهوّد). فتحنا "الغمراه" و"الرمبام"، اليد القوية، وفحصنا المسألة فيما إذا كان بالإمكان تلاوة صلاة "هغوميل" من أجل شخص آخر، حتى وإن لم يكن يهوديا. هل يمكنني أن أتلو صلاة "هغوميل" من أجل أبي الذي لم يطلب ذلك مني أبدا، ولربما حتى يعارض ذلك. فحصنا، بلورنا نصا وتلوت هنا بالفعل، في الكنيس، صلاة "هغوميل" من أجل أبي. وردا على قولي "أن جاز والدي بكل خير" تلوت من النص العادي بضمير المخاطب: "من جازاك بالخير هو من سيجازيك بالخير". كنت أعلم أنه لن يكون بالإمكان سماع ما يقوله من يتلو الصلاة بالضبط، ولذلك أجبتم بشكل أوتوماتيكي. هذا الأمر أحزنني قليلا. كنت أريد أن أسمع منكم هذا الوعد الرائع موجّها لأبي: "من جاز والدك بالخير، هو من سيجازي والدك بالخير". أنا أعلم اليوم أنكم كنتم على حق وأعترف بأن طريقي في اليهودية التي بدأت بالحاجة إلى الوصول إلى ذاتي في إطار التراث وقد تحقق في تلاوة صلاة "هغوميل"، كانت نوعا من رد الجميل الحقيقي. كان هذا التعليم اختبارا لي، إلى أي حد يمكنني أن أكون منخرطة في اليهودية، ليس من الناحية الثقافية فحسب بل من ناحية التراث أيضا. فحصت فيما إذا كان هناك مكان لي في الهلخاه، لوضع حياتي شخصي معيّن، وقد وجدت بالفعل ذلك المكان. لقد وجد عالمي الداخلي تعبيرا له بالعبرية، فأنا أعيش بالكثير من المواقف النصوص المختلفة لدينا، وكذلك الصلوات، ووجدت أن الهلخاه هي أيضا نوع من اللغة التي يمكنني عن طريقها التعبير عن الأمور الشخصية. ومن هذا المكان من "الإحساس بالوجود في البيت، في الداخل"، طلبت أن أتلو "القديش" على والدي المتوفى. هذا التعلم في حينه، الحديث مع الحاخام روزين قبل سنة الذي قال عندما كنت في أسبوع الحداد أنه ممكن ومن المفضل أن أتلو "القديش" في الكنيس أيضا، شجعني وكان بمثابة داعم لي لتلاوة "القديش". طالما أحببت "القديش"، ليس "قديش" الأيتام بالذات الذي جسّد شيئا ما طالما فتش عن تعبير له فيّ. منذ مرض والدي فرحت لليوم الذي كان بإمكاني فيه أن أستمع إلى هذا "القديش" الرائع وأن أتلوه في القلب، دون أي مكان للحزن، وأي "قديش" لم يكن مجرد إعلان رائع بل كان أيضا نوع من الشكر. توفي والدي، وقد كنت متأكدة طيلة تلك السنوات أنه عندما يحين الوقت، سأرغب في تلاوة "قديش" كل يوم وأن أتوجّه كل صباح إلى الكنيس. ولكنني منذ أسبوع الحداد شعرت بأن هذا لا يناسبني، وأني أريد أن أتلو "القديش" أيام السبت فقط، وذلك لكي أشدد أيضا بأني غير ملزمة. كان بإمكاني أن أقرر ذلك لأن الهلخاه لا تلزمي لكوني امرأة ومتهوّدة. لم يكن باستطاعتي ولم أكن أريد أن أتلو "القديش" بسرعة وبشكل روتيني، كما اعتدت على سماعه من قبل الرجال، بل أن أتلو نصا أقصده وأقصد كل كلمة فيه، حتى حيال موت والدي أن أقول، "يتبارك ويتمجّد ويتعظم ويرتفع ويسمو ويتجمّل ويعلو ويتهلل اسم الله المبارك". عند تلاوة "قديش" الأيتام في صلوات السبت فقط، فإنه لن يتآكل بسرعة ولن يصبح أوتوماتيكيا بل يلتقي بك كل أسبوع من جديد في مكان آخر وأنت تكبر معه. نوع من المعيار الثابت الذي يقاس به النمو. وكما اعتادت والدتي، التي كانت توقفنا في كل عيد ميلاد بجانب إطار الباب وتكتب الطول إلى جانب السنة، هكذا حظيت بتجربة شخصية رائعة من العمق التاريخي فيما يتعلق بالتراث، في إطار نوع من العملية السريعة. صحيح أنه احتفلت 14 مرة فقط بعيد رأس السنة، يوم الغفران والخروج من مصر (والفترات الزمنية بينها كبيرة)، ولكن أن أقوم خلال سنة كاملة، كل يوم سبت وكل عيد خلال كافة الصلوات وأن أقول بصوتي - بتردد أو بثقة، بصوت مخنوق أو بصوت واضح – هذه الكلمات، هذه الترنيمة - وأن أرى كيف أتغيّر وكيف يتغيّر نص ذلك "القديش"...
ليتمجّد
ويتقدس اسم الله. |
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |