|
العدد
18
| أيلول - تشرين الأول 2005
نعم يقظ لأوروبا |
|
|
||||||||||||
|
نيتسان هوروفيتس: "التوتر المتواصل بين أوروبا المثيرة، المتقدمة، وبين أوروبا الغارقة في الوحل، الغائصة في الظلمات، هو لربما السر الأوروبي الأكبر الذي يجتذب إلى أوروبا ويخرج منها أجمل الأشياء، وفي نفس الوقت أفظعها". |
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
نيتسان هوروفيتس: "التوتر المتواصل بين أوروبا المثيلة، المتقدمة، وبين أوروبا الغارقة في الوحل، الغائصة في الظلمات، هو لربما السر الأوروبي الأكبر الذي يجتذب إلى أوروبا ويخرج منها أجمل الأشياء، وفي نفس الوقت أفظعها. أشكال التيارات المتوازية تتيح فحص أوروبا بأعين متيقظة. عبر عن إعجابك بأوروبا ولكن تعرف عليها كلها، بمخازنها الموجودة تحت الأرض. اكره أوروبا، ولكن تعرف على عظمتها". نيتسان هوروفيتسن من كان مراسل صحيفة "هآرتس" في باريس طيلة ست سنوات، يحدق النظر في الهياكل العظمية في سراديب أوروبا وأقبيتها، ويشيح اللثام عن إجراءات غير ديمقراطية في الاتحاد الأوروبي الجديد. رغم ذلك، يقترح على الإسرائيليين أن يدركوا أن العلاقات الحميمة مع أوروبا هي مصلحة إسرائيلية غاية في الأهمية. في شتاء عام 1992، قبل عدة أيام من أحد أعياد الميلاد الأكثر برودة، وصلت، كمبعوث من قبل صحيفة "هآرتس"، إلى باريس، التي كانت آنذاك عاصمة دولة ذات إدارة غريبة: اشتراكية يترأسها ملك، فرانسوا متران الأول، والأخير. في ذلك الحين أيضا، حتى قبل الشروع بالملاحقة الكبيرة ضد الأجانب، أبناء المستعمرات سابقا، الذين أتوا لإنعاش سوق العمل ودعم النظام المنهار من مخصصات الشيخوخة لمسنين بيض طالت حياتهم إلا ما بعد حسابات الخبراء، حتى في حينه كان من الصعب جدا على الأجنبي أن يجد مسكنا في باريس. لم يكن هناك مانع قانوني لذلك، لا سمح الله. ولكن بسبب وجود منظومة قوانين سخية بالذات تحمي مستأجري المساكن، قطب أصحاب المساكن حواجبهم أمام الساكنين "المتوقع أن يحدثوا مشاكل كثيرة". وما الذي يمكن أن يحدث المشاكل أكثر من رجل غريب يحمل اسما غريبا؟ على أية حال، بعد تجوال متعب في شوارع الحي التاسع، تم العثور على شقة في شارع فونتيين. مبنى برجوازي نسبيا، رغم أن واجهة الحانة المقابلة للشارع ملفوفة بستائر تثير الشك ومضاءة بنور فلورسنت مائل إلى الاحمرار، وهو إشارة على نشاط غير نظيف بشكل واضح، يتكئ على قربه المباشر من ساحة فيجال. صاحب الشقة كان إيطاليا من مواليد سردينيا، متزوج من يهودية فرنسية من عائلة ليفي. لم يبتهج لاستقبال إسرائيلي، ولكنه واجه صعوبة في الرفض. كان الرجل شكاكا منذ البداية، حتى أنه أجرى اتصالا هاتفيا بهيئة تحرير الصحيفة في تل أبيب، للتأكد من أني قد أرسلت من قبلها. "مخربون، مشاكل، أنت تدرك ذلك"، حاول التماس الأعذار خجلا. كانت الشقة ملكا لحماته اليهودية، التي توفيت قبل سنة من ذلك الوقت. لقد كانت الحماة في معسكر أوشفيتس، وبعد الحرب، التقى في هذه الشقة على مدى عشرات السنين، أصدقاؤها الناجون "مجموعة أوشفيتس" كما كانوا يُدعون. فتحت باب المدخل الثقيل وأنا في الشارع، دخلت مع كلبي إلى المبنى. على اليسار كانت توجد صناديق بريد كبيرة، وبالمقال بيت درج مستدير، درابزين خشبي ملمّع، وفي أسفله كرة ذهبية – "تفاحة" – كان عامل النظافة قد لمّعها بدقة. بعد عدة أيام اتصل صاحب البيت وسألني إذا كنت معنيا بمخزن تابع للشقة، موجود في القبو. نظرت إلى كرتونة التلفزيون الذي اشتريته، وأجبته بالإيجاب. كيف كان لي أن أعتقد بأني سأكتشف في ذلك المخزن هياكل عظمية سترغمني في نهاية الأمر على ترك شارع فونطيين، وأن أرى أوروبا دون مستحضرات التجميل. "لن تفهم فرنسا دون أن تفهم فيشي"، هذا ما قاله ابن عم لي جازما عند قدومي إلى هناك، وقد كانت قصة المخزن بداية رحلة طويلة إلى خفايا شذوذ أوروبا السرية-الظاهرة للعيان. هياكل عظمية في الخزانة علميا، أنا لم أر ذات مرة ذلك المخزن الذي سبب لي المشاكل. بعد عدة أيام من المحادثة مع صاحب البيت، اختفت قصاصة الورق التي كانت تحمل اسمي، والتي ألصقتها على صندوق البريد بجانب مطلع الدرج. أسرعت ألصق قصاصة جديدة، أزيلت هي أيضا في اليوم ذاته. غداة ذلك اليوم سمعت طرقا على الباب، إنه الجار من الطابق العلوي، "رئيس رابطة المبنى"، وعرفني بنفسه. والده يسكن في الطابق الذي فوق شقته، وقد أورثه هذه الوظيفة بعد عشرات السنين. "عليك تركيب لوحة لكي نحافظ على مظهر محترم لصناديق البريد. هذا مبنى على مستوى رفيع"، شرح لي الأمر وهو ينظر إلى الكلب نظرة تشوبها الشكوك. ركبت لوحة مصنوعة من بلاستيك خاص، مخروط عليها الاسم الذي يبعد منشأه حوالي ألف كيلومتر عن هذا الملكان: Horowicz. صندوق البريد اليهودي. الجيران لم يكونوا لطفاء، فيما عدا عجوز نحيلة تسكن الدار المجاورة، وعاهرة كانت تعمل في الحانة الموجودة أسفل البناية. الجيران لم يكونوا لطفاء معهما أيضا. بعد عدة أيام عاد "رئيس" البناية يطرق بابي. "النباح لا يطاق"، قال غاضبا. إلا أن كلبي كان يعاني من إعاقة غريبة جدا: إنه لم ينبح في حياته قط. لم يكن الشرح الذي قدمته "للرئيس" حول كون كلبي أبكما، كافيا ليقنعه، وقال "الضجة عالية، سأضطر إلى تقديم شكوى". استدعي صاحب شقتي. قال ووجه محمر للغاية "يا له من وغد، ألا يكفي أنها كانت في أوشفيتس؟". حتى الآن لم أفهم ما هو وجه العلاقة بين الأمور، ولكن صعد إلى شقة "الرئيس" مسرعا، وبعد تبادل الحديث بصوت مرتفع جدا، عاد إلي ليهدئ من روعي: "لا تقلق، سيدعونك وشأنك الآن". السيدة ليفي، ككل يهود باريس، تم تسجيلها في الشرطة. لم يكن هناك مبرر. في السادس عشر من تموز عام 1942، أخذوها هي أيضا، أفراد شرطة من الشرطة الفرنسية في خدمة الغستابو. في البداية تم جمع اليهود في مكان غير بعيد عن برج إيفل، في الملعب المسقوف الذي تتم فيه مباريات الدراجات الهوائية. تم نقل السيدة ليفي من هناك إلى معسكر الاعتقال في درانسي، ومن ثم إلى الإبادة، في بولندا. استولى على الشقة "رئيس" البناية في حينه، والد "الرئيس" الحالي. وقد قال لاحقا "كان ذلك أفضل من أن يأخذها الألمان". وقد استولى على المخزن أيضا.
بعد مرور ثلاث سنوات، ظهرت السيدة ليفي في شارع فونطيين، دون أمتعة ودون مستندات. كان قد استولي على شقتها. جميع الوثائق المسجلة فقدت. لم يوافق أحد من جيرانها على المصادقة على ادعائها بأنها تملك الشقة، فيما عدى الجارة الشابة القاطنة في الشقة المجاورة، التي تزوجت من جندي إنجليزي فور انتهاء الحرب. اضطر الرئيس إلى إخلاء الشقة رغما عن أنفه، ولكنه واصل استيلائه على المخزن، فالسيدة ليفي كانت بلا ممتلكات، ولم تكن لها حاجة في المخزن. استمر بحيازة المخزن منذ ذلك الحين إلى أن تمت المحادثة بينه وبين صاحب الشقة التي أسكن فيها، وذلك بعد خمسين سنة من مطالبته بإخلاء المخزن. طولب بذلك ولكنه رفض: "لقد قمت برصف المخزن، حتى أنني ركبت فيه مصباحا". قال معللا ملكيته. فقد صاحب الشقة رباطة جأشه وصرخ في وجهه: "ألا تخجل؟ أنت الذي وشيت بحماتي في الشرطة، أنت الذي استوليت على المخزن لمدة خمسين سنة وقد كنت قد انتزعته هو وشقتها ولم تدفع لها قرشا واحدا. والآن، وقد أصبح لدي مستأجر يحتاج إلى المخزن، ها أنت ترفض؟". استوقفني، في نهاية الأسبوع، ثلاثة جيران للتحقيق معي أسفل مطلع الدرج: "لماذا أخذت التفاحة؟"، سألني الرئيس السابق بلهجة شديدة، ذلك الذي كان يستولي على المخزن، وأشار إلى البرغي العريان، الذي افتقد الكرة الذهبية اللامعة وأضاف: "لقد شاهدوك وأنت تأخذ التفاحة". استدعي صاحب الشقة مرة أخرى. ووصل شرطي من بعده. احتشد الجيران في الممر. ضجّ المبنى. أخذتني العجوز الساكنة في الشقة المجاورة جانبا. "لقد أرادوا طردي أنا أيضا"، قالت وهي تشير برأسها باتجاه الطابق العلوي المحموم. "هم غير قادرين على تحمّل الفكرة أنها انتزعت منهم الشقة، والآن يسكن فيها إسرائيلي". لم أحصل على المخزن. تخليت عنه. المشاجرات اليومية، الجو المحبط والمبنى أثقلت عليّ. في نهاية الصيف انتقلت من هناك إلى حي آخر، أكثر شبابية، وكان جيراني إسبانيين وجزائريين، يهوديين وثلاثة كلاب. بين قوتين اثنتين مرت فترة حتى أدركت بأن ما يحدث في المبنى الواقع في شارع فونطيين من شأنه أن يجسد نظرة واسعة الانتشار، رغم كونها مجردة نوعا ما، للتاريخ الأوروبي، وللتاريخ الفرنسي على وجه التحديد، كنزاع بين قوتين كبيرتي التأثير: تعمل أولهما على السطح، وهي نيّرة وتدعو للإثارة؛ والأخرى الغارقة في الوحل، وهي تيار من الأعماق ينتظر اللحظة المناسبة للانطلاق. هذا النزاع هو فرنسا. فرنسا، "وطن الحريات وحقوق الإنسان"؛ فرنسا، "التي يصبو إليها كل مناضل من أجل الحرية"، وفرنسا باريس المتوجة، مدينة الأضواء هذه "التي ستظل دائما باريس". ولكن هذه أيضا فرنسا الطاعون، فرنسا التي "يتذكر رييه، وهو يستمع إلى أصوات الفرح الصادرة عن المدينة، أن هذا الفرح هو خطر متوقع لها في كل لحظة... لأن جرثومة الطاعون لم تمت وهي لم تختفي إلى الأبد، ولكنها يمكن أن تخلد إلى الراحة في سبات لعشرات السنين، في الأثاث وفي أغطية الأسرة، لأنها تنتظر بفارغ الصبر في الغرف، في الأقبية، في حقائب السفر، ولربما يأتي يوم، تحل فيه كارثة ببني البشر ليتعلموا درسا، ويوقظ الطاعون جرذانه ويرسلها لتموت في المدينة السعيدة" أوليفر كامو، "الطاعون". في أوروبا فقط، وصلت وما زالت تصل هذه التيارات إلى ذروات تقدر على خلق أكثر الإبداعات إثارة في تاريخ الإنسان من جهة، وأن تضرب الإنسانية، من جهة أخرى، بأسوأ طاعون ممكن: الاستعمار، الاتجار بالعبيد، إبادة الشعوب، القمع بجودة علمية – كل ذلك بالإضافة إلى الأيديولوجيات المنسقة بشكل جيد. التوتر الدائم بين أوروبا المثيرة، المتقدمة، وبين أوروبا العكرة، الغائصة في الظلمات، هو لربما السر الأوروبي الأكبر الذي يجتذب إلى القارة، أن يشد إليها وأن يخرج منها أجمل الأشياء، وفي نفس الوقت أفظعها. عبر عن إعجابك بأوروبا ولكن تعرف عليها كلها، بمخازنها الموجودة تحت الأرض. اكره أوروبا، ولكن تعرف على عظمتها. مسألة الوحدة
محللون يشار إليهم بالبنان يطرحون نوعا من التواصل الزمني في تاريخ أوروبا
المعاصر لظهور قوة مضادة على الحلبة: انطلاقة واحدة كل جيل تقريبا. لنبدأ
بالثورة الفرنسية، بعد جيل واحد بدأ رد الفعل.
جيل آخر: "ربيع الشعوب"
منذ نهاية الحرب الباردة، ومع سقوط سور برلين، يركز الحوار المكثف على مسألة الوحدة. لقد قذفت القارة بنفسها في أواني تفاعل تجربة سياسية جريئة، لم يُنجز مثلها في العالم حتى الآن. رؤيا عدة سياسيين أوروبيين واسعي الآفاق - كبار مثل جان مونيه - تطورت هذه الرؤيا بعد هزيمة ألمانيا إلى إطار بيروقراطي-"اقتصادي" جمع ست دول، وكان يدعى "مجموعة الفحم والفولاذ الأوروبية". تم تأسيس هذه المجموعة رسميا عام 1952، وسرعان ما أصبحت لها حياة مستقلة من خلال عملية مرموقة ومليئة بالمنعطفات، لا يفقه الجدوى منها معظم سكان القارة، ولم يكن ذلك صدفة، أن هذه العملية قد حذت بـ 25 دولة –من البرتغال وحتى استونيا- أن تتخلى عن جزء كبير من سيادتها وأن تُحشر تحت جناحي "اتحاد" ذي صلاحيات واسعة وحتى تحت عملة مشتركة وقوية، والحبل على الجرار. يتم كل ذلك على أنقاض قارة قديمة، تأكلها الكراهية والنزاعات، كان سكانها قد حاربوا بعضهم البعض كالمسعورين. "أن تكون أوروبيا اليوم، بالنسبة للفرنسي وللألماني، معناه أن تبقى وطنيا وأن تتخلى عن العنصرية"، هذا ما كتبه لوران فابيوس، الرئيس اليهودي الأسبق لحكومة فرنسا. وبالفعل، أوروبا اليوم هي نموذج لنجاح فكرة المصالحة، حتى في حال وجود نزاعات شديدة بشكل خاص. قال لي وزير الخارجية الفرنسي، إرويه دي شارط، ذات مرة، "إذا كنا نحن والألمان قد نجحنا في المصالحة بيننا، وأنهينا النزاع إلى الأبد - وصدقني أن ما كان بيننا وبينهم قد غطى على أي نزاع أخرى يخطر ببالي – فحقا لا يوجد أي سبب يمنعكم أنتم من النجاح، فكم من الوقت مر وأنتم تتحاربون، تبا، ما مجموعه خمسون سنة؟ نحن قد تحاربنا ألف سنة، وها هو الأمر قد انتهى الآن إلى الأبد". هذا هو السؤال الهام فعلا، الذي ينتظر أوروبا على عتبة الألفية الثالثة: هل انتهى ذلك إلى الأبد فعلا، وهل الاتحاد الأوروبي الذي تحقق هو الرد؟ مؤثر اليورو لنبدأ باليورو. التأثير النفسي لانتهاج عملة مشتركة – بدأ العمل بها قبل سنتين – قوي، دون شك، من أي مراحل حاسمة عرفها الاتحاد الأوروبي، منذ التوقيع على معاهدة روما عام 1957، التي وضعت أسس "المجتمع الأوروبي". غير أن اليورو، وهو الطرح الأعلى، للوهلة الأولى، في المبنى الأوروبي الجديد، ليس كذلك من الناحية الفعلية. إنه يزيد عمليا من حدة كل المشاكل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي. يقول المؤرخ البولندي ومدير متحف أوروبا، كجيشطوف فوميان: "ماذا يشبه ذلك؟ إنه يشبه قطارا يدخل إلى المحطة قبل مد سكة الحديد". سكة الحديد هذه هي الاتحاد السياسي والعسكري غير القائمين. وعدم وجودهما يبقي أوروبا بمكانة "العملاق الاقتصادي والقزم السياسي": تعريف كان يستخدم في الماضي لتمييز ألمانيا، وهو يستخدم اليوم لوصف أوروبا الموحدة. استمرار حالة فقدان الدعم السياسي لاتحاد إنساني، من شأنه أن يزعزع اليورو. "في نهاية المطاف، لا تجسد العملة، على المدى البعيد، القدرات الاقتصادية الكامنة في الدولة، بل يجسد أيضا قدرتها على اتخاذ القرارات السياسية"، هذا ما يقوله هانس طيطماير، رئيس البوندس بنك الأسطوري. قصر القامة السياسي هو السبب الفوري للإحباط الأوروبي فيما يتعلق بمواجهة الولايات المتحدة، وخاصة الولايات المتحدة الجمهورية لإدارة بوش. تم فض هذا الإحباط في الفعاليات الأوروبية في المنظمات الدولية، وعلى وجه التحديد في هيئة الأمم المتحدة، كما حدث في المحاولة المثيرة، ولكن الفاشلة، لمنع الولايات المتحدة من شن الحرب على العراق، أو في محاولة إحراز تأثير سياسي على النزاع العربي-الإسرائيلي. إنه إحباط عميق ومتواصل، تغذيه مبالغ الأموال الطائلة التي تحوّلها أوروبا لتمويل السلام في الشرق الأوسط. هي أكبر المانحين للسلطة الفلسطينية، وذلك دون أن تتمتع بتأثير حقيقي، وبالأخص مقارنة مع الولايات المتحدة. قصر القامة السياسي هو مؤشر لمشاكل الأساس في الاتحاد: انعدام وجود البنى التحتية – الأرض المستوية والحصى – التي يمكن وضع سكة الاتحاد السياسي فوقها. يسمي كبار قادة المفوضية في بروكسيل انعدام وجود البنى التحتية "العجز الديموقراطي". القصد من ذلك هو الفارق بين النخبة القيادية الذكية، التي لم تنتخب في أي مرة من المرات، ولا تعمل وفق طروحات حظت بموافقة ديموقراطية، وقد ناورت بأوروبا بين الاتحاد وبين جمهور انجر إلى ذلك رغما عنه تقريبا. حقيقة كون مكانة الاتحاد لا تتعزز بطريقة ديموقراطية لا تقلق نصيري المدرسة "الوظائفية" الذين يسيطرون تماما على مؤسسات الاتحاد الأوروبي. إنهم من كبار المؤمنين "بمؤثر الوفرة" (Spillover Effect). حسب تقديراتهم – ويبدو حتى الآن أنهم صدقوا – الهدف النهائي في أوروبا، الوحدة السياسية، سيتم التوصل إليه عن طريق الدمج متعدد المراحل، الذي أهم ما يميزه هو انتقال لا يمكن تحاشيه من مرحلة إلى أخرى، كما حدث حتى الآن. المرحلة التالية، التي أصبحت على الأبواب، هي بلورة الدستور الأوروبي. أمسك بيدي مسودة هذه الوثيقة. تستهل المقدمة بالكلمات (بترجمة حرة): أوروبا هي قارة تمثل حضارات طوّر سكانها، الذين قدموا إليها أمواجا أمواجا منذ فجر الإنسانية، طوروا قيم الإنسانية بالتدريج – المساواة بين الناس الحرية الكرامة والمنطق...". يكاد لا يكون هناك شك في أن هذا الدستور هو أيضا، الذي يحاول واضعوه تأسيس "الولايات المتحدة الأوروبية"، ستتم المصادقة عليه، رغم كون المداولات بشأنه لا تتعدى دائرة مجموعة ضيقة من الممثلين، وتتم بتأثير صولجان الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، بمعزل عن الجمهور. من بين الأمور التي يخلقها الدستور، منصب جديد، منصب "رئيس أوروبا"، وكذلك منصب "وزير خارجية أوروبا"، الذي سيجري، على ما يبدو، أول زياراته هنا، في منطقتنا. إلا أنه فيما عدا القطار الأوربي الذي يفتقر إلى سكة حديد، ما زالت أوروبا تتخبط في المشاكل الجوهرية: الرغبة في ضمان مكانة الإنسان – كل إنسان – في النظام الاجتماعي. رغم الافتتاحية الرنانة للدستور الأوربي المستقبلي، ما زال هناك من يقول، وهم كثيرون، أن الإنسان معناه أوروبي، أي أبيض. غيرهم يقولون مسيحي، والمتشددون من بينهم يقولون "يهودي-مسيحي". لا أحد تقريبا يقول: "يهودي-مسيحي-مسلم". حتى أصحاب الرؤيا الحاليون، القائمون على وضع الدستور الأوروبي، يواجهون صعوبة في تصوّر أوروبا مسلمة أو سوداء. هذا الأمر لا يروق لهم، ولا يجري الحديث هنا عن عراقيل يضعها الاتحاد الأوروبي أمام توسلات تركيا للانضمام، بل يدور الحديث عن مكان الأوروبيين الجدد الذين يؤمون المساجد، والأوروبيات الجديدات اللواتي يرغبن في الحضور إلى المدرسة وهنّ يلبسن الحجاب. لا أحد يتصور أيضا أن المغرب، التي تبعد 14 كيلومترا عن "أوروبا"، ستحظى، في يوم من الأيام، بالانضمام إلى إليها، ولكن قبرص نعم. لماذا عمليا؟ في الحقيقة أنه فيما عدا الاعتقاد الجغرافي الراسخ الذي أكل الدهر عليه وشرب، إضافة إلى توابل عنصرية رائحتها قوية، لا يوجد مبرر لذلك، كما لا يتوفر مبرر لعدم وجود أي مسلم في المجالس الوطنية في فرنسا أو ألمانيا من بين مئات أعضائها، حتى وإن كانت نسبتهم من عدد السكان حوالي 10%. ولا يؤخذ بالادعاءات أنه وفق "مبادئ الجمهورية" في فرنسا لا توجد أهمية لكون الإنسان مسلما أو يهوديا طالما كان "فرنسيا"، ولذلك لا يوجد مبرر لطرح سؤال بأسلوب: "ما هو عدد أعضاء البرلمان المسلمين في فرنسا". السؤال هو سؤال شرعي وذو صلة، والإجابة الفرنسية "الجمهورية" التقليدية، أنه لا مكان لعضو برلمان مسلم، كهذا – كمسلم – في فرنسا، لم يعد ساري المفعول. العجز الديموقراطي أوروبا الغربية لم تستوضح بعد، بينها وبين نفسها، مسالة التعامل مع القاعدة التي بلورت عصر السلام الداخلي، الذي يسودها منذ نهاية الحرب العالمية: دولة الرفاه. ما كان، وبحق، نمطا للأحزاب الاجتماعية-الديموقراطية في كل العالم وقد استوعب في أوروبا أيضا من قبل الجناح السياسي اليميني، تآكل في الجيل الأخير، وفي بعض الأحيان تآكل تماما. ابتداء من تاتشر البريطانية، مرورا بأزنار الأسباني، وانتهاء ببرلوسكوني الإيطالي، في هذه الأيام بالذات، بدأت تتلاشى دولة الرفاه الأوروبية وتكاد تصبح رمادا. تحدث هذه العملية في الدول الاشتراكية سابقا، التي ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي في نيسان، بوتيرة سريعة جدا. حماية مكان العمل، العمل المحمي وقوانين العمل بشكل عام، منظومة مخصصات الشيخوخة والمخصصات الصحية الرسمية، الضمان الاجتماعي والتعليم الرسمي المجاني – كل هذه تضررت. رغم أن أحدا لم ينجح في أي مكان في أوروبا في تدمير ركائز دولة الرفاه بوقت قصير وبنجاعة كبيرة، كما فعل ذلك بنيامين نتانياهو لدينا، غير أنه حتى في السويد - وهي الطراز الأمثل لدولة الرفاه - كان أولوف بالميه سيتقلب في قبره لو رأى ما يحدث لدولته، دولة الرفاه. بالرغم من "العجز الديموقراطي" السائد في الاتحاد والمشاكل الاجتماعية غير المحلولة، تحاول أوروبا، ظاهريا، طرح طريق عالمية أخرى مقابل الهيمنة الأمريكية. لا يجري الحديث عن موقف مختلف أحيانا فيما يتعلق بقضايا دولية مختلفة، مثل منزلة ياسر عرفات، بل بمزاعم هامة في طرح صوت آخر، منع إنشاء عالم أحادي الصوت. لربما أيضا طرح "صوت ثالث": طريق ملك ذهبية أوروبية بين الاشتراكية المنهارة وبين الرأسمالية الأمريكية المفترسة وعولمتها. غير أن أوروبا ليست قادرة بالحقيقة على إسماع صوت آخر، وعلى ما يبدو لا تريد ذلك بالحقيقة. لأسبانيا، إيطاليا، بولندا وهنغاريا أصوات مختلفة تماما. القصد هنا هو صوت فرنسي-ألماني-روسي، ويمكن القول أنه ليس صوتا موحدا أبدا، وحتى عندما ينجحون في إسماعه، فإنه يٍُسمع – وا حسرتاه – مشابه للصوت الأمريكي السائد، ولكن بلهجة مختلفة بعض الشيء. مثال يمكن أن تستخلص منه العبر هو ما حدث في أيلول في مؤتمر "منظمة التجارة العالمية" (WTO) في كنكون في المكسيك. يستحق هذا المؤتمر لقب "تاريخي"، لأنه لأول مرة في تاريخ منظمة التجارة لم تتم الموافقة على موقف الدول الغنية، وانتهى المؤتمر بشجار. من أمسك بزمام الموقف المتكبر والأشرس كانت دول الاتحاد الأوروبي بالذات، أما الولايات المتحدة لم تأخذ نصيبا فعالا في ذلك، وهو أمر يثير الاستغراب؛ ربما لأنه فضلت أن يقوم أحد ما بإنجاز العمل الأسود بدلا عنها. على أية حال، أوروبا أخذت هذه المهمة على عاتقها بحماسة وأثبتت أن العصر الأوروبي الجديد قد تلاشى فيما يتعلق بعولمة الأموال الكبيرة. علميا، لا عجب في ذلك، فالأموال الكبيرة قد أصبحت اليوم عالمية، أو بكلمة أدق، أمريكية-أوروبية، وبكلمة واحدة: بيضاء. من أصل مئة شركة تمتلك الأموال الأجنبية الأكبر في العالم، هناك ثلاثين منها أمريكية، 18 يابانية (هل هم "بيض"؟)، و-31 شركة بريطانية، فرنسية وألمانية (بيانات UNCTAD)، والبعض منها تقوم بعملية دمج تجاري وتستثمر إحداها داخل الأخرى في إطار عام من تركيز الثراء. "مرسيديس" هي شركة ألمانية، أليس كذلك؟ ليس دقيقا. اسمها عمليا "دايملر-كرايزلر"، وهي شركة دولية بكل ما في الكلمة من معنى. ليس صدفة أن تكون الشركات التي تمتلك أكبر الأموال الأجنبية، هي شركات كبيرة في دولها. نعم، ما زالت هناك شركات كثيرة لها هوية أمريكية أو أوروبية واضحة، ولكن هذا هو تنافس تجاري نظيف، مثله مثل الشركات الأمريكية المختلفة. الشركات الأوروبية لا تطرح "صوتا مختلفا"، وحكوماتها لا تنمّي حقا صوتا كهذا. الأموال الكبيرة – بغض النظر عما إذا كان معظمها أوروبي أو أمريكي – معنية بالهدف ذاته: أن تجد مكانا لنفسها. الإحباط الأوروبي الوحيد، ينبع من أن أمريكا ربما ناجحة أكثر. ولكن لا داعي للقلق، أوروبا تسير بنفس الاتجاه، وهذا هو الاتجاه الذي سارت إليه، عمليا، في الماضي أيضا. من يعرف كيف يمتص دماء الدول الأقل تطورا والأقل براعة مثل البريطانيين، الفرنسيين، الأسبانيين، الهولنديين والبلجيكيين؟ غير أن من يريد أن يرى في أوروبا، وهي على عتبة الألفية الثالثة، أوروبا القصص الدامية، أوروبا المجازر، أوروبا حُجرات الغاز، أوروبا الفوارق الطبقية الرهيبة، وُرش العرق والاستعمار الغاشم، يخطئ في الحقيقة أكثر ممن يريد أن يرى أوروبا في قمة انتعاشها، التطور والسلام المتجانسين. رغم المشاكل الجوهرية التي تعاني منها أوروبا، فإن الأعمى فقط لن يعترف بالتغيير الجذري والجوهري الحاصل فيها. هذه أوروبا "مختلفة" بكل المفاهيم، تماما كما هو الحال في ألمانيا من عام 2003، مع غرهرد شرويدر ويوشكه فيشر على رأسها، هي بالفعل ألمانيا "مختلفة" إلى أكبر الحدود. لقد أدت نهاية الحرف البشعة، بالفعل، إلى بداية عصر ذهبي رائع، مكّن القارة الأكثر انشقاقا أن تسير في مسار سياسي واقتصادي لم يسبق له مثيل. صحيح أنه توجد مشاكل كبيرة تتجسد في فوارق سكانية على امتداد خطوط الانشقاق الإثنية والعرقية، إلا أن الاتجاه الواضح هو الاندماج، بكل ما في ذلك من مصادمات. الاتحاد هو رأسمالي، دون شك، غير أن لليبرالية الاقتصادية، في حال وازنها تدخّل من قبل الدولة وشبكات الدفاع الاجتماعي، فإن لها إيجابياتها، على سبيل المثال تقوض مكانة الطبقة الأرستقراطية، الانتقال الطبقي داخل المجتمع وتشجيع كبير للإبداع. أوروبا اليوم، رغم المخاوف العميقة التي تعشّش فيها، هي أوروبا متنوعة إلى حد كبير: شعوب، لغات، أديان، وحضارات – كلها متجاورة، وأحيانا في نفس المدينة، وعادة بسلام وبسكينة. على أية حال، مشاكل أوروبا الأساسية وتخبط الاتحاد الأوروبي، لا يقتلعان شوكة الانتقاد الأوروبي الموجه ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة. فكرة أن الانتقاد المسموع في أوروبا ضد إسرائيل هو غير عادل بجوهره، لأن الأوروبيين غير مؤهلين لتوجيه الانتقاد (أي انتقاد كان؟) - هذه الفكرة تسحب البساط من تحت أي انتقاد كان. ولربما هذه هي نية من يروّج هذه الفكرة: التملص من المناقشة الموضوعية للانتقاد، عن طريق عرض المنتقد كمداهن وحتى :"معاد للسامية". لا شك في وجود بعد من النفاق في الدبلوماسية الأوروبية. على فكرة، هذا النفاق ليس بأكبر، فيما يتعلق بإسرائيل، من النفاق الذي يتعلق بقضايا دولية أخرى. ولكن، ألا يوجد نفاق من هذا النوع، وربما أكبر منه، في الدبلوماسية الأمريكية، إن لم نقل في الدبلوماسية الإسرائيلية؟ تتعاظم، في الآونة الأخيرة، محاولة مصادر إسرائيلية، المتواصل على مر السنين، عرض أوروبا على أنها "معادية". عمليا، كلما زادت جرائم الاحتلال وزاد الانتقاد الدولي، كلما انزلقت الجهود الإسرائيلية إلى آفاق تاريخية في دحض الانتقادات، مثل تتويج رئيس فرنسا بلقب "معاد للسامية". تجربة أوروبا المريرة بالذات، والطريق الإيجابية التي سلكتها منذ ذلك الحين، إضافة إلى القرب الجغرافي والحضاري، المصالح الكبيرة المتبادلة تجعل الأوروبيين شريكا مفضلا لدى الإسرائيليين، يجدر الاستماع إلى انتقاداته، لأنها تطرح من منطلق التفهم والجوار. يجدر بنا أن نتوقع من إسرائيل بالذات أن تستخدم مصطلح "معاداة السامية" باتزان وبحذر كبيرين. حين يتم تتويج الأوروبيين جميعا بلقب "معادي السامية"، تمحى، دفعة واحدة، كافة الفوارق العميقة التي كانت ولا زالت في نظرة الدول العواصم الأوروبية المختلفة إلى اليهود. ربما لم تفعل فرنسا كل ما في وسعها في مواجهة موروث فيشي؛ ما زالت هناك "نقاط سوداء" في التاريخ الفرنسي، ولكن جهود فرنسا في هذا الاتجاه، في العقد الأخير، كبيرة جدا. على أية حال، لا أحد ينكر أن ألمانيا، وهي مصدر الدمار، قد واجهت ماضيها، بأكثر الأشكال مرارة، وقد استخلصت عبرا هامة من هذه المواجهة.
هناك مصلحة أيضا. اليورو يعبر عن منطقة يقلّ إنتاجها الاقتصادي بالفعل عن إنتاج الولايات المتحدة، ولكن حجم التجارة الدولية لديه أكبر من حجمها لدى الولايات المتحدة، ومن شبه المؤكد أنه من الممكن، مع تبلور الوحدة السياسية والعسكرية، أن يهدد اليورو مكانة الدولار. تشتمل كتلة اليورو على 12 دولة عضوة، ومن شأن هذا العدد، بعد عدة سنوات، أن يصل إلى 35-40. دول حوض البحر الأبيض المتوسط هي أيضا، مثل دول المغرب العربي، ستفضل على ما يبدو العمل باليورو كعملة ثانية، وليس بالدولار، بسبب جوارها لأوروبا والعلاقات التجارية مع القارة. ماذا عن إسرائيل؟ "تتصرف إسرائيل وكأنها جزيرة في المحيط الأطلسي وليس كدولة موجودة في الشرق الأوسط" هذا ما يقوله البروفيسور ألفرد طوبياس، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس". ذلك رغم أنها تتمتع بمكانة خاصة في الاتحاد الأوروبي بفضل الاتفاقية التجارية المبرمة بينها وبين الاتحاد الأوروبي ومشاركتها في خطط الاتحاد المتعلقة بالبحث والتطوير. حجم التبادل التجاري مع أوروبا "المعادية" أكبر بكثير من حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة. تطوير العلاقات بين أوروبا وإسرائيل هي فرصة مجدية وتحترمها أوروبا، وهي أجدى بكثير لإسرائيل ولكنها أقل احتراما فيها. يتطلع الإسرائيلي إلى أمريكا البعيدة، وهي فعلا بعيدة من نواح كثيرة. يبدو التحالف معها الآن لا يتزعزع، متين وأمين أكثر من الصداقة الحامضية التي يقترحها هؤلاء الأوروبيون الباردون، وخاصة لكونها ترتكز على التأثير الكبير ليهود أمريكا. غير أن وجه الأمور لن يكون على هذا النحو دائما. التعاضد الملتهب لواشنطن مع إسرائيل هو قصير الأمد نسبيا، وقرابة نصف سنوات الدولة، ما كان هذا التعاضد غير مفهوم ضمنا فحسب، بل لم يكن محسوسا أبدا في بعض الأحيان. تحب أمريكا، بين الحين والآخر، أن تربت على كتفها هي وأن تقدم نفسها كمن أنقذت اليهود من براثن أوروبا "المعادية للسامية". على إسرائيل أن تكون أكثر حكمة، وألا تتشبث بهذا الطرح المجرّد للأمور. لا حاجة إلى فحص عميق للتاريخ المعاصر لاكتشاف أحداث وتوجهات سلبية سافرة في أمريكا تجاه اليهود، بمن فيهم الناجون من الحكم النازي. علينا أن نتذكر أن معاداة السامية في الولايات المتحدة موجودة اليوم أيضا ولها مميزاتها الخاصة. ولدت الصهيونية الراشدة حين شاهد مراسل شاب لصحيفة نمساوية الاحتفال المهين الذي انتزعت فيه رتب الكابتن درايفوس، في صباح شتوي في ساحة "أكول ميليتر" الباريسية. عندها فقط أدرك هرتسل أن لا حل لأزمة اليهود في أوروبا، التي عاش فيها حوالي 85% من يهود العالم. وبعد مرور مئة سنة من ذلك الوقت، أصبحت أوروبا بيتا لحوالي 13% من اليهود فقط. معظمهم يعيش اليوم في إسرائيل، ولا يوجد أثبات قاطع أكثر من هذا على تحقيق رؤيا ذلك الشاب اللامع. كان لأوروبا نصيب كبير في تحقيق ذلك. ليس من الواضح إن كانت تدرك كامل مسؤوليتها، ولكنها هي أيضا قد اجتازت تحوّلات كبيرة. صحيح أن الهياكل العظمية ما زالت ترتجف في أقبيتها، ولكن التحولات التي تجتازها أوروبا تستحق الاهتمام الكبير، وتلزمنا بتعامل صاف معها. من المؤكد أن إسرائيل ملزمة، من كل النواحي، بتعزيز صلتها بأوروبا. النفور والازدراء هما حماقة ما بعدها حماقة.
نيسان هوروفيتس هو محرر الأخبار الخارجية في القناة 10 وعضو في جمعية حقوق
المواطن. عمل قبل ذلك مراسلا لصحيفة "هآرتس" في باريس وفي واشنطن. |
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |