العدد 19  | تشرين الثاني - كانون الأول 2003

في الرياح العاتية
غريغوري تشجغوف - حايموفيتش

"

 غريغوري تشجغوف - حايموفيتش: "يبدو لي أن كل إنسان يمكن أن يكون عدوا"

 

في الرياح العاتية
غريغوري تشجغوف – حايموفيتش، موجود في إسرائيل منذ أربعة أشهر، يصف الاقتلاع السريع الذي واجهه ووالديه من كل ما كان يمثل حياتهم في موسكو، بسبب جنون الأجهزة السائد في روسيا بعد انهيار الشيوعية. ما يحس به ويشعر به شاب يهودي، يأتي إلى إسرائيل لعدم وجود خيار آخر لديه.

 عليّ الاعتراف بأن القدوم لم يكن بالنسبة لي ولوالديّ خطوة مدروسة، مفحوصة ومخطط لها. بعد سلسلة من المصائب التي حلت بعائلتنا في أعقاب تفشي الجرائم، لم نسافر من هناك بل هربنا.
عندما اكتشف المبتزّون آثار والدي، الذي حاول العمل في روسيا بالتجارة دون نجاح، وطالبوه بمبلغ خيالي من المال لم يكن بحوزته، لم يبق لدينا خيار سوى مغادرة الدولة. للأسف، يتمتع المجرمون في أكبر دولة في العالم بحقوق أكثر مما يتمتع بها المواطنون الذين يطبّقون القانون. إذا فتح شخص ما مصلحة تجارية له، فلن يتمكن من الامتناع عن اللقاء بعالم الجريمة. هذا قانون غير مكتوب، يذعن له الواقع. وبالفعل، فأنا أريد أن أتحدث عن قصتي...

 
بيتربورغ-لينينغراد، جادة لينين، مبنى مؤلف من خمسة طوابق بين الساحات. منتصف شهر آذار، بدأ الثلج يذوب وتحول إلى طين رمادي مُقرف. إننا نقف على مطلع الدرج، إلى جانب النافذة. السماء لونها رمادي أيضا.
"يا بني"، ناداني والدي قائلا وهو يسحق السيجارة بيده، "هل تدرك إلى أية حال وصلنا؟"
أومأت برأسي:
"نعم يا والدي".
"لن نتمكن الآن من البقاء هنا"، أضاف قائلا، "يمكننا مواصلة الانتقال من شقة إلى أخرى، كما فعلنا حتى الآن، ولكنهم سيعثرون علينا، عاجلا أم آجلا. نحن لسنا محميين في هذه الدولة.
أومأت برأسي ثانية.
"هناك خيار واحد فقط وهو السفر من هنا. إلى خارج البلاد".
أشعلت سيجارة.
"هناك دولة واحدة فقط يمكنها أن تمنحنا ملجأ في الوضع الراهن. أنت تعرفها. إنها دولة إسرائيل".

استرخيت. كان معنى ردّي الصامت هو هضم كل هذا.

  

"غريشا، إنك تنظر جانبا كل الوقت. هل حدث أمر ما؟". "لا يا أولغ أبراموفيتش، كل شيء على ما يرام". أنا في طريقي إلى بيت صديق لي والظلام حالك. أفضيت له عما في خاطري. يقول سرجي: "بإمكانك البقاء هنا طيلة الأسبوع إذا أردت ذلك. أنت هنا خارج الخطر". "سريوجا، لا يمكنني أن أترك والديّ لوحدهما لفترة طويلة"

 

عندما تبدأ الأرض بالانهيار تحت قدميك
يقول مقطبا حاجبيه: "أمك وأنا ندرك ما مدى الصعوبة التي تواجهها الآن" ويضيف "ولكن صدقني أن حالنا ليس بأقل صعوبة من حالك. أنا أفهم أنك متعلق بالجامعة، بالأصدقاء هناك، وبشكل عام، من يمكنه أن يعدّ كل شيء؟ من حقك أن تقرر بنفسك. أنا لا أريد أن أضغط عليك بأية وسيلة كانت. ولكن الأمر الآن قد أصبح قضية حياة أو موت، حقا إنه كذلك".

 يضيف والدي: "لا نريد أن نقول أننا سنسافر من هنا إلى ما لا نهاية. سيمضي وقت، وإذا أردت العودة، فأنا أعدك أن شخصا أيا كان لن يضع العراقيل أمامك. ولكن علينا أن نسافر من هنا لمدة سنة، سنة على الأقل. أنا شخصيا لن أعود إلى هنا ثانية. أنا أكره هذه الدولة. لقد أخذت مني كل ما استطاعت أخذه. ولكنك إنسان بالغ، ولك إدراكك المستقل، وأنا أحترم حقك في الاختيار"
 
أنظر إلى النافذة. نعم، حالة الطقس مقرفة، لا كلام.
"ولكن عليك أن تتفهمنا أيضا"، واصل والدي حديثه يشجعه صمتي. "إذا اضطررنا الآن إلى الابتعاد عنك... لن نتمكن أمك وأنا من الصمود في هذا الموقف. فطالما واجهنا هذه المصيبة، من الأفضل لنا أن نكون معا، وإلا فلن نستطيع الصمود...".
ولكني لم أكن بحاجة إلى تعليلات إضافية. أكاد أسمع صوتي وهو يقول:
"حسنا".

... فهمت في تلك الأيام ما معنى أن تنهار الأرض تحت قدميك. سنترك كل شيء، سنهرب في أول فرصة. وجدنا مخبأ لدى عائلة من معارفنا. جلست خلال ذلك النهار في المحاضرات ولم أكن أعرف أين سأنام في تلك الليلة، وبدأت مخاوف واهية تسيطر على دماغي وتتمتم، وكأنها تقول: لا يمكن أن أعرف إن كنت سأنام هذه الليلة في مكان ما. دار هذا الحديث في اليوم التالي.

أصبح المكان ضيقا لدى معارفنا. إنهم يملكون شقة مكتظة، مؤلفة من غرفتين، ولهم ولدان، وفجأة إضافة إلى كل هذا جئنا نحن الثلاثة. وكأن الأمر هو من منطلق التفهّم – رغم كوني أتوق لأن أكون وحيدا – اتصلت بصديق لي وطلبت أن يسمح لي بالنوم عنده. قال لي سرجي كعادته: "ما هناك لنتحدث عنه"، رغم أنه قد أحس أن في هذه المرة الأمر جدي. خرجت إلى الشارع. كنت حتى أول أمس أمشي بهدوء في مختلف أنحاء المدينة، وأما الآن فعيناي تهيمان قلقتان ورأسي يدور إلى الخلف، من تلقاء نفسه، بوتيرة ثابتة. يبدو لي أن كل إنسان يمكن أن يكون عدوا. يبدو لي أن في كل سيارة واقفة أو مسافرة، يترصدني الصيادون الذين اختاروني واختاروا عائلتي فريسة لهم. يا إلهي كم أصبحت متيقظا خلال هذا الأسبوع! لقد طورت قدرة على التملص من الملاحقات وكأنني جاسوس متمرّس.
بينما كنت في الطريق إلى صديقي، عرّجت على معلمي في موضوع الفنون والمسرح سابقا، أوليغ أبراموفيتش. وسلمته مسرحية كتبتها ليحكم عليها. تحدثنا. حاولت أن تعلو وجهي ملامح عادية. إلا أن والديّ كانا يتصلان كل عشر دقائق.

"غريشا، إنك تنظر جانبا كل الوقت. هل حدث أمر ما؟"
"لا يا أولغ أبراموفيتش، كل شيء على ما يرام".
أنا في طريقي إلى بيت صديق لي والظلام حالك. أفضيت له عما في خاطري. يقول سرجي:
"بإمكانك البقاء هنا طيلة الأسبوع إذا أردت ذلك. أنت هنا خارج الخطر".
"سريوجا، لا يمكنني أن أترك والديّ لوحدهما لفترة طويلة"
"إني أفهمك، أنظر بنفسك".

 كان اليوم التالي آخر يوم في الجامعة. لم أنجح في استيعاب اللغة اللاتينية ولا تاريخ أدب العصور الوسطى. بعد ذلك ذهبت إلى العمل، وكانت هذه المرة الأخيرة أيضا. رغم ذلك فإن العمل اليومي يمكن أن يساعد على النسيان.

 سيأتي والديّ ليأخذاني. وقد اتضح أنهما قد حاولا أن يفحصا فيما إذا كنت مراقب منذ خروجي من الجامعة. لم يكتشفا شيئا.

قبل وصولي إلى البيت المناوب التالي لمعارف لنا، وهو واحد من بين بيوت كثيرة، كان لدي متسع من الوقت للاتصال بصديق لي من الجامعة والالتقاء به. أسسنا معا نادي حوار. أنا، هو ورفيقان مشتركان آخران. أحاول التحدث بالتفصيل قدر الإمكان. ألفت رواية على الفور لسائر طلاب حلقتي الدراسية في الجامعة. مارست التزلج، كسر شديد، مستشفى، علاجات، ولذلك اختفيت. وعدني ميشا بنشر هذه الرواية على الجمهور. قلت أني سأخترع شيئا أفضل فيما بعد. مشينا في الشارع المرصوف أنا وهو وافترقنا هناك، لأني لم أكن أعرف متى سيتسنى لنا أن نلتقي ثانية.

  

بعد أسبوعين من الترحال، استأجرنا شقة في مركز المدينة. في البداية كنا نفكر بأسرع وقت ممكن. والديّ الآن يفكران بأكبر قدر من التركيز. لقد انتهت مدة سريان مفعول وثائق سفرنا جميعا إلى أي مكان. إذا كان الأمر كذلك ففي نهاية الأمر سنلجأ إلى إسرائيل، فنحن يهود، ألسنا كذلك؟

 

بعد مرور عدة أيام انتقلنا إلى خارج المدينة. كان المكان نقيا والشتاء ما زال حيا. والبحر تحت أنوفنا. إن هذه الأمور تزرع في نفسك السكينة بشكل أو بآخر. يمكنك أن تتخيّل أنك في إجازة. لم تعد المضايقة تقلقني إلى حد كبير، ولكن والدي يتخيّل وجود أعداء في أي سيارة تقترب من البنسيون. أحاول إبعاده عن النافذة المتواجدة في الطابق الأول، ولكن دون جدوى.

بعد أسبوعين من الترحال، استأجرنا شقة في مركز المدينة. في البداية كنا نفكر بأسرع وقت ممكن. والديّ الآن يفكران بأكبر قدر من التركيز. لقد انتهت مدة سريان مفعول وثائق سفرنا جميعا إلى أي مكان. إذا كان الأمر كذلك ففي نهاية الأمر سنلجأ إلى إسرائيل، فنحن يهود، ألسنا كذلك؟

مكان أخضر
"علياه" (القدوم إلى إسرائيل). كلمة جديدة لم أعتدها.
الزيارة الأولى للقنصلية، في شهر نيسان. لا توجد أية لافتة تبهر الأبصار. لن تجدوا مثل هذه اللافتات في أية مؤسسة يهودية في بيتربورغ. خلف الساحات، ومن وراء باب المدخل الذي يحمل العبارة الإنجليزية "استشارة قانونية"، في الطابق الأخير، حتى هناك على الباب تم تعليق نجمة داوود، بدون اسم.

يفحصون من يزور القنصلية بأعين حادة. يفحصون حتى الهواتف الخلوية. رجال الأمن هم من الشباب الروسيين البسيطين، لم يتورّطوا. يدركون المسؤولية كاملة.

في غرفة الانتظار أناس كثيرون. انتظرنا ساعتين تقريبا... موظفة مسنّة استقبلتنا ونظرت إلينا بحدّة مستجوبة أدق التفاصيل، ثم قدمت لنا استمارات. نعم، إن ترتيبات الحصول على فيزا هي عبء كبير. رزمة الاستمارات سميكة جدا. تتم التعبئة ابتداء من البكر في العائلة. والدي حظي بنصيب الأسد، وقد وقع في الخطأ بسبب عصبيته، ورغم ذلك قرر أن يصحح، ينتابه بعض الخوف. على مسافة قصيرة منا جلس زوجان مسنّان، كلاهما طبيب أسنان. الزوجة تعبئ الاستمارة، والزوج يشق طريقه بضرب عصاه على الأرض في طريقه إلى خارطة إسرائيل ويمعن النظر فيها. بعد نصف دقيقة ينادي:
"ريتشكي، أنظري إلى أين نحن مسافران. إنه مكان أخضر!".
"إذن فسنسكن في مكان أخضر"، تجيبه زوجته وتضحك. الجميع من حولهما يبتسم.
سنضطر للعودة إلى هنا بعد شهر. يجب ترتيب وثائق كثيرة أخرى.

ها هي دائرة تأشيرات الفيزا وتأشيرات الخروج من الدولة، وهي تقع في نفس المبنى إلى جانب الدائرة الإقليمية التابعة لوزارة الداخلية. هذه ليست القنصلية، هذه حكاية أخرى. الباب الذي يتم فيه تسليم المستندات والحصول على جوازات السفر، يختفي في كوخ ضيّق والاكتظاظ هناك كبير. بين الحين والآخر يشعر أحدهم بوعكة. هذا يعني أنه إنسان ضعيف، فيأخذونه من هناك. معظم الأشخاص هم أشخاص قدموا إلى روسيا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا. وطنهم لا يقبلهم، وينكّل بهم قدر الإمكان. يحاولون أن يُقبلوا في دولتهم. إنهم روسيون، ولكن التعامل معهم أسوأ من التعامل مع غيرهم من المهاجرين أو الأشخاص الذين يحاولون الخروج من الدولة. كلهم يحاولون الدخول من هذا الباب الذي تجلس من ورائه عدة عجائز غير مهذبات. يجب أن ترى ذلك بأم عينك، والأفضل من ذلك أن تكون جزءا من الأحداث.

 ريح، برد، أوساخ أوراق متساقطة من السنة السابقة، ولكن، في أماكن أخرى، بدأت شجرة ما أو شجيرة ما بالاخضرار. يبدو أن الربيع قد حلّ، وأنا لم أنتبه لذلك أبدا.

واصلت عائلتي الانتقال من مكان إلى آخر. لقد انتقلنا في نصف السنة الأخيرة بين سبعة شقق سكنية. أصبحت ذو تجربة لا أنجع منها بكل ما يتعلق بالرزم، الضغط، التحميل، التنزيل وما شابه ذلك. بإمكاني أن أعمل حمالا مهنيا. قويت عضلاتي، وامتلكت قدرة على التحمل كقدرة عداء أولمبي، وأنا أعرف وصية الحمالين الرئيسية: لا توجد كلمة "لا يدخل". أية حمولة لا تدعني أتردد، ولا أفقد رباطة جأشي حتى عندما أرى شاحنة محملة بالأغراض. ولكني كنت في قرارة نفسي أشتم جدي وجدتي بين الحين والآخر، لأنهما كانا قد جمعا مكتبة شاملة كهذه...

لقد وزّعوا علينا في الوكالة اليهودية كومة كبيرة من الكراريس على أنواعها المعدّة للقادمين الجدد، وعندها سألوا إلى أين سنسافر؟ اتضح أننا لا نعرف الإجابة. في الحقيقة هذا لا يهمنا، والأهم هو الآن الخروج من هنا - رغم أنهم يقولون أن بئر السبع مدينة ليس بالسيئة - ربما نسافر إلى هناك - توجهت إلينا إحدى العاملات النشيطات وقالت لنا أن هناك منظمة تقدم سكنا مجانيا للقادمين الجدد لمدة أسبوعين، حتى يتمكنوا من العثور على بيت لهم. ما اسم هذه المنظمة؟ "السفارة المسيحية في القدس". مسيحية؟ مسيحية من أي نوع بالضبط؟ كهذه التي تجمع بداخلها كل التيارات. ألن يبدءوا بالتبشير بيننا؟ لا لا، معاذ الله، هذا ممنوع. آه، إذا كان الأمر كذلك فلا مانع. إذن سنسافر إلى القدس، ففي نهاية المطاف القدس هي العاصمة (رغم أن تل أبيب هي المشار إليها في الخارطة الروسية).

ها هو شهر آب قد حل. بدأ يوم السفر يقترب دون هوادة. حمولة لا حدود لها بدأت تتراكم، وعلى أية حال، لن نستطيع أخذ كل الأغراض معنا دفعة واحدة. نحن نوزع جزءا منهم على المعارف والأصدقاء حتى يحين الوقت، ونأخذ الكتب إلى خارج المدينة.

12 آب، اليوم الأخير قبل الإقلاع. أحاول أن التقي الجميع. أعضاء نادي الحوار يجتمعون بجانب محطة قطار الأنفاق "بطروغرادسيكا" ويذهبون لشراء مودم، الموديم سيكون مشتركا للجميع لأن الجميع يحتاجونه، وكل يسهم بنصيبه في شرائه. أنا أسهمت بنصيبي أيضا، رغم أنني لا أعلم متى سيتسنى لي أن استخدمه. وقبل الوداع التقطنا الصور، جميعا وكل بدوره. ولتخليد التاريخ، وضع أندري، الذي كنت أتحدث إليه حتى الآن عن طريق الإنترنت، وضع بين يدي كاسيت لبشلتشيف (لكي لا أنسى الموسيقى الخاصة بنا في إسرائيل) وكذلك صفحات حساب مطوية من دفتر قصائد. لم أكن أعلم أن أندريه يكتب الشعر. هرعت أفتح الصفحات، ولكنه استوقفني:
"انتظر، اقرأها في الطائرة".
 

كان لديّ متسع من الوقت لشراء السجائر، القهوة والشاي (كل هذه الأشياء عالية الثمن هناك، حسب ما تقول الإشاعات) وأن أذهب إلى مكان عمل سرجي. السادسة والنصف، وهو على وشك إنهاء عمله. طلبنا زجاجة من البيرة لكل منا وجلسنا في ساحة منجانيا. في الوقت الذي كنا نتحدث فيه رنّ جرس هاتفي الخليوي وسألتني أمي غاضبة، متى أنوي المجيء، فما زال لدينا الكثير من الأغراض التي تستوجب الرزم. تودّعنا أنا وسرجي. أنا أومن أن هذا الوداع ليس للأبد.

 13 من الشهر، في المساء. اقتربنا من مطار "بولكوفو" مستقلين سيارتين مملوءتين بالأغراض. لقد حمّلنا الحمولة الرئيسية على عربة كبيرة. وقد وصلت إلى حجم جبل بأكمله. كانت هناك عربة أخرى محملة بالصور التي كان والدي قد جمعها. عندما انتظرنا في الطابور لاجتياز فحص الجمارك، أدرت رأسي عن جبل الحمولة للحظة، فإذا به يتوجه إلي شخص يلبس بذلة رمادية وقال لي بألا أحلم، لئلا يضيف شخص ما شيئا ما إلى الحمولة لا سمح الله. لم ألبث أن أقول كلمة واحدة حتى اختفى الشاب بنفس السرعة التي ظهر فيها. نظرت إلى الجمع المحتشد حول نقطة الجمارك واكتشفت خمسة أشخاص آخرين من أنواع مختلفة، يلبسون تلك البذل الرمادية. فهمت فجأة أن هؤلاء هم رجال الأمن الإسرائيليين.

 عمال الجمارك كانا اثنين فقط. أحدهما أكبر سنا وله وجه متقطب، والآخر أصغر سنا وأكثر وقاحة. قال وهو يرى قلعة الحقائب والعلب التي دفعتها بقوة على طاولته: "حسنا، بهذا الشكل سننتهي غدا مساء..." شيء ما تقطّع في أحشائي. قال وهو ينبش العلب: "آهه لن أسمح لك بإخراج هذا... يجب استيضاح الأمر بالنسبة لذلك..." ولكن كل غرض لدينا مرفق بمستند، ولا تشوبه أية شائبة. اصطكت أسنان عامل الجمارك وحرّر حمولتنا. تأخرنا في تفتيش الجمارك أكثر من البقية. إضافة إلى ذلك عندما قمنا بتحميل هذه البضائع إلى داخل الطائرة، اتضح أننا قد اجتزنا الوزن المسموح به بكثير.

 قادمون جدد
في نهاية الأمر، وبعد أن اجتزنا المعبر الحدودي، أحدنا تلو الآخر، كل شيء على ما يرام. يمكن القول أننا لم نعد في روسيا.
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. الصعود إلى الطائرة. منذ مدة لم أسافر في رحلة جوية. شققت طريقي بين المقاعد، أحمل حقيبتين وجيتار. بمشقة كبيرة أدخلت بقوة بعض الأغراض إلى الرف العلوي، الذي كان مليئا أصلا. جلست إلى جانب زوجين مسنين. سألتني الزوجة سؤالا ما، وكان على ما يبدو بالعبرية. أنا لا أجيد العبرية، وحاولت التحدث إليها بالإنجليزية. أنا متعب جدا. خاطبني زوجها بالروسية:
"ألست إسرائيليا؟" (وكأن الأمر لم يكن واضحا دون سؤال).
"لا، أنا قادم جديد".
"آهه، قادمون جدد؟"، يبتسمان وكأنهما يفهمان الأمر.
"اسمح لي، هل أنت قدمت أيضا في حينه من روسيا؟".
"لا. لقد ولدت في بولندا. اسمي يوسف"، أضاف قائلا.
أصدر أمر بربط الأحزمة. على شاشة التلفزيون في الطائرة يبثون دعاية إسرائيلية، ولكني لم أنجح في مشاهدة ماذا كان ذلك بالضبط.
"أنا أسكن منذ نصف قرن تقريبا في إسرائيل"، يعلن يوسف وتعابير وجهه توحي بالأهمية. "نسكن أنا وزوجتي في أشكلون. هل تعرف أشكلون؟".
"نعم، لقد سمعت عنها. أليست بجانب البحر؟".
"هل زرت إسرائيل؟".
"لا"، قلت بصراحة وأضفت "حتى ولا مرة واحدة".
يطقطق يوسف بلسانه:
"أنا وزوجتي كنا الآن في بيطربورغ - لديكم مدينة جميلة جدا - وإلى أين تسافر في إسرائيل؟".
"إلى القدس".
"أوهو"، يومئ يوسف برأسه كمن يصادق على الأمر. "إلى القدس؟ هذا رائع...".
وجته أيضا تومئ برأسها تعبيرا عن الرضا وتقول شيئا ما...
"لوحدك؟"، يسأل والجدية تبدو على وجهه.
"لا، مع والديّ. ها هما يجلسان هناك".

بدأت أميل إلى إنهاء المحادثة ولكن يوسف لا يميل إلى ذلك أبدا ويبدأ بتوجيه وابل من الأسئلة، وكأنه يجري معي مقابلة بهدف استيعابي في العمل. بذلت جهدي لأجيب بإجابات بأدنى حد من التفاصيل، لكي لا أسمح للمحادثة بأن تتطوّر. لو كنت أنجح في النوم قليلا...

 في هذه الأثناء أقلعت الطائرة. لا يمكنني حتى النظر إلى الشباك المستدير: يوسف وزوجته يفصلان بيني وبين بين المدينة التي ولدت فيها وترعرعت فيها. نعم، الأمر سهل عليهما، هؤلاء المتنزهين. ها نحن نُقلع.

في الوقت الذي كان يوسف يزعجني بأسئلته، بدأت المضيفات بتوزيع الطعام. كان بالإمكان الاختيار بين العجة والبلينشيز. فتحت فمي لأقول "عجة"، ولكن يوسف استبقني وطلب لي بلينشيز. طلبت أيضا كوبا من القهوة، وكان هذا الكوب الثالث خلال اليوم الأخير. على أية حال لن أتمكن من النوم هذه الليلة. بعد الانتهاء من وجبة العشاء (ولربما كانت هذه وجبة فطور؟ غداء؟) رتبت أواني الطعام المتسخة ببطء، كعادة الأوروبيين، وانتظرت أن يأخذوها مني. يوسف وزوجته يخبئان الأواني البلاستيكية بحذر داخل كيس.

"لماذا لا تأخذها؟"، سألني وأضاف "خذها، لربما ستحتاج إليها".
قلت له "يوسف"، هذه ممتلكات الشركة، ويمكن القول... فيما عدا ذلك، لدي شوك وملاعق هنا بحوزتي، أنا لست بحاجة إليها...".
"خذها خذها"، يكرر يوسف القول. "لديهم الكثير من هذه الأشياء ومن شأنها أن تعود بالفائدة عليك".
"يوسف، لدي – همممم – مبادئ خاصة بي بكل ما يتعلق بذلك. لن آخذها".
ابتسم يوسف ابتسامة قصيرة وقال:
"تعلم كيف تعيش".
آسف، لا أنجح في التعلم.

طارت الطائرة في سماء الليل. بدأ المسافرون ينامون الواحد تلو الآخر. أما أنا فلم أعد أشعر بالحاجة إلى النوم. فتحت الحقيبة، وتناولت صفحات الدفتر وقرأت القصيدة التي كتبها أندريه. قصيدة جميلة. بعد ذلك وضعت سماعات الرأس ووجهت الجهاز إلى موجة تبث مقطوعات كلاسيكية.
بدأ يتغلب عليّ النعاس، عندما دفعني يوسف من كتفي. اتضح أننا أصبحنا قريبين من المكان الذي نقصده.
قال لي "انظر"، وهو يشير بيده إلى الأضواء من خلال النافذة المستديرة. "أرض إسرائيل".
هذا هو سبب آلام الأذنين الذي أشعر به. لقد بدأت الطائرة تنخفض.
العجلات تلامس الأرض. لقد هبطنا. نحن نسير على امتداد مسار الإقلاع. هذا هو، لقد توقفنا. اختطفنا أمتعتنا وشققنا طريقنا إلى درج الطائرة.

الانطباع الأول: الجو حار جدا. إنه حمام بخاري حقا. أسرعت للبحث عن مكان أختبئ فيه أنا وحقائبي داخل الحافلة المكيّفة. اتكأ والدي بكفه على الباطون، وتعابير وجه توحي بالتعب والسعادة.

إلى جانب مدخل المطار نبتت نباتات استوائية غريبة المنظر. هذه إشارة إلى أن هذه هي بالفعل إسرائيل. لقد وصلنا رغم كل شيء.

 أهلا وسهلا بكم في بيتكم
التفتيش في الجمارك. يتمنون استيعابا ناجحا. هذه هي أيضا كلمة جديدة في قاموسي اللغوي. مجموعة من القادمين الجدد وفيها 18 تنتقل إلى قاعة خاصة، تحتوي فيما عدا صفوف المقاعد القمرات التي يُستقبل الوافدون فيها، فإنها تحتوي أيضا على عصير وتضييفات. على الحائط كتابة بأربع لغات: "أهلا وسهلا بكم في بيتكم!" – بالروسية، بالإنجليزية وبالأسبانية. وبلغة أخرى غير مفهومة. هيروغليفيات مبهمة. إنها تثير بي الشك. هذه هي اللغة العبرية. ما أعرفه من اللغة العبرية فقط هو "ألف، بيت، غيمل"، وهذا ما اكتسبته من الاستماع فقط. رغم أن الملمين يقولون بأن هذا هو أهم عنصر في اللغة.

 نهاية الإجراءات الرسمية، تلقينا المال والمستندات. أو بشكل أدق، مستند واحد لنا الثلاثة، الأمر الذي يثير بي استغرابا ما، ولكن من يعلم، ربما هذا كاف.

أسرعنا نجمع حمولتنا. يبدو أن كل الحمولة قد وصلت، ولكن أطر الصور والزجاج الذي عليها كان قد كُسر. كان هذا أمر مؤسف بالنسبة لوالدي. ماذا يمكننا أن نفعل، لقد حدث ذلك على ما يبدو عندما قذفوا بها إلى الشريط المتحرك، فهم لا ينتبهون. تملأ حمولتنا الآن ست عربات كاملة. طلب الموظفون منا الإسراع، وهم يصرخون أن الوقت ضيق. أسرعنا ندفع صف العربات إلى الخارج.

وجدنا عائلة أخرى إلى جوارنا، عائلة باتشي. أم، عمة وولدين، أخ وأخت. كان الولد يدعى فانيا، إنه في الثالثة عشرة من عمره، ويجب أن يدعى حال وصوله إلى إسرائيل أرييه وليس فانيا. لينه البالغة من العمر سبع سنوات تتحول هي أيضا أوتوماتيكيا إلى ليئا.

انتظرنا وقتا طويلا للسفرية الموعودة. الهواء لزج ورطب جدا. لكن ها هما سائقان-عتلان قد وصلا، ميني-فان واحد وسيارة ركاب واحدة. إنهما ينظران إلى الحمولة ويتشاوران فيما بينهما بالعبرية وأقد أمر الأسمن بينهما والأكثر نشاطا ببدء التحميل. في تلك اللحظة فقط بدأت أدرك أني لم أقم بالتحميل بل كنت أتسلى فقط. النتائج كانت باهرة. لقد نجح الاثنان في إدخال كل الحمولة والمسافرين السبعة إلى الميني-فان. أما سيارة الركاب وسائقها السكوت فقد سافرت فارغة كما أتت بالضبط. عائلة باتشي لم تكن راضية عن ذلك تماما، أما بالنسبة لي، فأنا لا أكترث لهذا الأمر. المهم أن نصل إلى مكان ما ولا يهم كيف وبأي وسيلة نقل.

   

واصلت عائلتي الانتقال من مكان إلى آخر. لقد انتقلنا في نصف السنة الأخيرة بين سبعة شقق سكنية. أصبحت ذو تجربة لا أنجع منها بكل ما يتعلق بالرزم، الضغط، التحميل، التنزيل وما شابه ذلك. قويت عضلاتي، وامتلكت قدرة على التحمل كقدرة عداء أولمبي، وأنا أعرف وصية الحمالين الرئيسية: لا توجد كلمة "لا يدخل". أية حمول لا تدعني أتردد، ولا أفقد رباطة جأشي حتى عندما أرى شاحنة محملة بالأغراض.

 

والدي يدير في مقعده الأمامي حديثا يقظا جدا مع السائق. لغة والدي الإنجليزية سيئة، وحاييم (السائق) لا يجيدها أبدا. ولذلك فهو يستخدم إيماءات اليدين وتعابير الوجه كثيرا، وهذا ما يثير بنا الرجفة مرارا وتكرارا، لأن الطريق ليست مستقيمة تماما والسرعة فائقة.

نظرت من النافذة. كان يبدو لي للحظة أنني مسافر في مضيق كريليا وليس في إسرائيل، ولكن فركت عينيّ فجأة وأدركت أنني متعب جدا. صحيح أن هذه غابة، لكنها ليست نفس الغابة. الأشجار ليست نفس الأشجار. قمم الجبال منخفضة وهي تشبه المخروط. المشهد كله مصغّر.

 "جدي وجدتي القدوم روسيا..."، سمعت صوت حاييم الذي يقطع الجمل الإنجليزية إلى آلاف المقاطع. "إنهما من تشقند. ولكني لا أتكلم روسية... فقط ‘خراشوه‘ و‘سباسيفا‘...".

كيف يقولون قشدة بالعبرية
بدأ المنظر الطبيعي المنعكس من النافذة شرقي للغاية. نحن قريبون من القدس... ماذا بهذه السرعة؟ لم أتخيل أن البلاد صغيرة إلى هذا الحد. السفر إلى المنتجع كان يستغرق وقتا أطول. أشتاق إلى تغذية عينيّ بالمدينة الأبدية، إلا أن النوم قد غلب علي دون أن أشعر بذلك. ستوب، لقد وصلنا.

استكملت ساعات النوم التي تنقصني، يوما كاملا، في فيلا المسيحيين. إنهم أشخاص طيبون جدا. يرعى البيت زوجان شابان، مكسيم وإيرا. إضافة إلى ذلك، تأتي كل يوم امرأة تدعى سفيطلانا إلى هنا، وتتأكد من أن كل شيء على ما يرام. في اليوم التالي – رحلة إلى أقرب دكان لشراء الاحتياجات. ها هي الكتابات المبهمة والمخيفة تظهر ثانية. كنت أسرّ حين أشاهد منظر الأحرف اللاتينية وكأني اعتدت عليها منذ صغري.

"ماذا هذا يا إيرا؟ ما اسم هذا؟ وكم يكلف؟ وكيف يقولون قشدة بالعبرية؟".
نعم كلما بدأت تعلم اللغة بسرعة، سيكون ذلك أفضل.

تنزهت في متنزّه رمات-دانيا. كل الأمور تسير هنا ببطء. أشخاص يتحدثون. يضحكون وحتى أنهم يقومون بالتنزه في أحضان الطبيعة... لو شاهدت مقاطع الأخبار المخصصة لدينا لإسرائيل، لكنت ستشاهد التفجيرات، الدم، الذعر فقط. يجب أن ترى كل شيء بأم عينك.

في اليوم التالي أجرت سفيتا لعائلتنا رحلة في البلدة القديمة. ليس بمقدوري أن أصف الانطباعات. حائط المبكى فقط ينتصب أمام الأعين. أبيض ناصع في الشمس، ومن تحته الناس. نباتات كاملة، تخترق الحجارة. في هذه الأثناء لم أكن أجرؤ على اللمس. أقف على مسافة مترين أو ثلاثة. أتمعن.

القدس صاخبة. إسرائيل حقا موجودة، بالتأكيد. حتى وإن زرتها مرة واحدة فقط، فإن البلاد تخلق بينك وبينها صلة قوية دون أن تشعر بذلك. صلة لا يمكن حلها. لأنه من الواضح أن إسرائيل الدنيوية تتميز بخصائص تشبه إسرائيل التي هي في قلب كل واحد منا. هل يمكنك أن تبقى دون جزء من روحك؟ هذا من الأشياء التي ستلازمك كل الوقت.

الترجمة إلى العبرية: دينا ماركون
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004