العدد 20  | كانون الثاني - شباط 2004

"تعاطى المخدرات أو أَنجب مزيدا من الأولاد"
غور سلومون

"

 "يقولون، إما أن تتعاطى المخدرات وإما أن تنجب عددا آخر من الأولاد، عندها فقط ستستحق سكنا دائما"

 

حيزي صربي، كان فيما مضى مدمنا على المخدرات من النوع الثقيل، وقد تم فطامه. برنامج "درور" وهدفه الرئيسي كسر سلسلة الضائقة متعددة الأجيال ومنع نشوء جيل ثالث ورابع من الفقر، يقدم له ولزوجته المساعدة لاجتياز أصعب مراحل حياتهما: عملية تغيّر الشخصية، من التعلق إلى الاستقلالية. أكثر المشاكل التي يواجهها الزوجين تعقيدا هو موضوع السكن.

اللافتات المضاءة التابعة لبلدية رمات-غان توجّه السائقين إلى وسط المدينة، إلى حديقة الحيوان، إلى المدرسة وإلى مسرح بيت-تسفي. تمتد على جانبي الطريق صفوف طويلة من الحوانيت، التي تعرض كل ما لذ وطاب. حتى في المرة الخامسة التي أوقفت فيها سيارتي لأسأل عن كيفية الوصول إلى جنوب المدينة، أجبت برفع الحاجبين. من المحتمل أن سكان المدينة الشبعى لا يعرفون، أو أنهم لا يريدون أن يعرفوا، مكان الساحة الخلفية.

تسود جنوب رمات-غان، مثلها مثل سدروت، أوفاكيم ويروحام، ضائقة، هجرة ويأس، ويدور فيها صراع على البقاء. بخلاف أخوتها، في جنوب البلاد وشمالها، الأحياء الجنوبية في تل أبيب ورمات-غان تسمح لسكانها بالتسلل إلى ما خلف الزاوية والنظر خلسة إلى المقاهي الفاخرة وحوانيت الملابس العصرية، حتى ولو كان ذلك ليحلموا بها فقط.

  

يتضح من أقوال صربي أن الشقة ليست عقارا فقط، بل هي أهم وسيلة للتأهيل الذاتي وركيزة لحياة طبيعية. يعزز السكن بالأجرة الإحساس بما هو مؤقت ويؤدي إلى عدم الاستقرار، الذي يؤثر على العلاقات بين الزوجين، وعلاقتهما بأولادهما. انعدام وجود سكن دائم والتنقل المتكرر من بيت إلى آخر يؤديان إلى انعدام وجود توازن وحتى إلى العنف، ويؤثران بالأساس على الأولاد.

 

عند الدخول إلى شارع نفي-يشوع، يستقبلك ذلك الانطباع المضلل وكأنها ضاحية في تل أبيب. بعد عدة أمتار من بقالة الحي، ينتصب مبنى سكني مغطى بالرخام الأبيض وردهة فاخرة في واجهته. بعد خمسين متر أخرى، في منحدر الشارع تتواجد "إسرائيل الأخرى"، على حد تعبير الصحافي أوري أفنيري من الخمسينيات. تتواجد هنا المساكن القديمة، التي يمتزج اللون البني الموحد لجدرانها مع بقع الصدأ الظاهرة على المزاريب التي يتسرّب منها الماء.

 تدعوني فرح صربي بوجه بشوش، في الطابق الثاني من المبنى رقم 41، للدخول. أولاد إحدى صديقاتها الحميمات يركضون في الداخل برفقة أولاد ربة البيت، التي تعتذر بسبب الفوضى وتعود أدراجها مسرعة إلى غرفة النوم.

 في الصالون المطل على المطبخ، دونما حاجز بينهما، تتواجد كنبات كان قد تبرع بها أقرباء العائلة وجهاز دي في دي، وهو منتج الكماليات الوحيد الذي تمتلكه العائلة. حتى النظافة البراقة لم تنجح في إخفاء الفقر الذي يطل من كل زاوية في الشقة المؤلفة من ثلاث غرف. في غرفة الأولاد تم تعليق صورة الحاخام كدوري فوق أغطية أسرّة مطوية، ووضع إلى جانب الأغطية كريم للبشرة من إنتاج بنينه روزنبلوم. يتقاسم اثنان من أولاد عائلة صربي، وهما إفرايم وبار ويبلغان من العمر ثلاث سنوات ونصف وسنتان ونصف، يتقاسمان كنبة مشتركة يمكن فتحها لتتحوّل إلى سريرين. تنام الرضيعة ليدار في سرير الأطفال المجاور. يوجد في غرفة الوالدين سرير فقط. تقول صربي: "لقد تخليت عن التواليت لأن لا مكان له في الغرفة. كل امرأة تريد أن يكون لها زاوية تخصّها وأدوات تجميلها وعطورها. أما أنا فلا يوجد لديّ كل هذا".

 قرع الباب ودخل إلى الصالون حيزي صربي بثياب عمل تعلوها الغبار. لقد جلب معه أزياء تنكرية لعيد البوريم ملفوفة بالنايلون وهو يستمتع برؤية الأولاد فرحين. سرعان ما يبدأ الخلاف، حول من سيحصل على هذا الزي أو ذاك. قال صربي في ساعة متأخرة من الليل "بدّلت إدماني على المخدرات بإدماني على الأولاد".

 هوة الضياع الساحقة
لا تشبه ضائقة الحياة التي يعاني منها الزوجان صربي الضائقة التي يعاني منها العاطلون الجدد عن العمل، من قطاع الهاي-تك أو المصاعب التي تواجهها عائلة من الطبقة الوسطى، كانت قد فقدت ممتلكاتها. لقد ترعرعا من عائلتين كثيرتي الأولاد وكانا يشعران بصعوبة العيش اليومية، ولذلك يعتبر الواقع الحالي تواصلاَ من الفقر المعروف مسبقا.

معرفتهما الحميمة بمشاق الحياة توفر عليهما صفعة اللقاء بالفقر التي تنقضّ على الكثيرين في السنوات الأخيرة كعاصفة رعدية في يوم صاف، ورغم ذلك فإن القلق كبير، وخاصة الاهتمام بأمور البيت. سقف وأربعة جدران عارية ليست مضمونة لأي شخص في إسرائيل في عام 2004، كذلك الأمر بالنسبة للزوجين صربي، حيث كانت تسكن عائلتيهما دائما في المساكن الشعبية لشركة عميدار وكانت بحاجة إلى خدمات الرفاه الاجتماعي.

 حياة حيزي صربي هي مسلسل مأساوي كان يمكن أن ينتهي بالموت. إلا أن حياته قد انعطفت في السنوات الأخيرة بـ 180 درجة باتجاه التفاؤل الحذر.

قدم والدا صربي من العراق إلى البلاد عام 1951وقد تم إرسالهما إلى المساكن الانتقالية (المعبراه) في أور يهودا. عمل الأب، الذي توفي قبل سنة، لمدة أربعين سنة في قسم المياه في بلدية غفعتايم. وكانت الأم ربة بيت.

كلاهما لم يجيد القراءة والكتابة. ولد حيزي عام 1965، في نهاية عهد المساكن الانتقالية، وقد سهّل أمر انضمامه كولد رابع في العائلة على والديه أمر استحقاق شقة من شركة عميدار. واجه الوالدان صعوبة في عملية تعليم أولادهما، وقد أنهت بنت واحدة فقط دراستها الثانوية. يقول صربي "لم يكن أحد ليسألك فيما إذا كنت قد حضّرت واجباتك المدرسية، ولا أحد يأبه لهذا الأمر بتاتا. لم يكن هناك اتصال بيننا وبين والدي، وكأنه عوّدني على عدم التحدث إليه، فقد كان ينظر إلي ويصمت.

 في منتصف الصف الثامن، ترك حيزي المدرسة وخرج إلى العمل، لكي يتمكن من شراء ثياب وحذاء له. لم يأت أحد من معلميه في المدرسة أو أي ممثل من قبل الشؤون الاجتماعية، لفحص أسباب تغيّبه. تم حذف حيزي صربي من القوائم.

 عند بلوغه سن 13 سنة، بدأ يتسكع في شوارع أور-يهودا. وقد كانت الطريق إلى المخدرات قصيرة: "كانت لي ولأصدقائي قرية صغيرة على شكل بيارة، رمال وتلال، وقد بنينا نوعا من الغرفة الصغيرة وأحضرنا دجاج وحمير. سرعان ما حضر إلى هناك أشخاص يتعاطون المخدرات، البالغين منهم".

"كانوا يأتون ويخرجوننا من الغرفة، يدخنون المخدرات وكنا نحرسهم في الخارج لئلا تأتي الشرطة. كانوا يغادرون تاركين وراءهم قطعا من الحشيش، سيجارة... وصلت إلى حالة لم أقدر فيها أن أعمل شيئا بدون حشيش".

بهدف تمويل الإدمان، وجد حيزي له عملا في دكان للخضار في رمات-غان. كان صاحب الدكان والد أحد أصدقائه، وقد أخلى له غرفة في بيته. في الوقت ذاته، كان حيزي يعود إلى أور-يهودا ليبيع المخدرات، كإكمال للدخل.

قُبيل موعد تجنيده في جيش الدفاع، في شهر كانون الثاني 1983، قبضت الشرطة على حيزي، واتهم بحيازة كمية تجارية من المخدرات للاستخدام الشخصي، واعتقل لمدة 15 يوما. بعد تجنيده بثمانية أشهر، هرب من الجيش وتم القبض عليه بعد ثلاثة أشهر. في ذلك الوقت تقريبا، كانت سلطات الجيش قد عرفت بأمر تورطه في الحياة المدنية، وأجروا له فحص بول أكد تعاطيه للمخدرات. قضى فترة محكومية في السجن العسكري رقم 4، ثم أطلق سراحه وأنهى خدمته الإلزامية في سلاح الجو.

في سن 22 سنة، عاد حيزي إلى دكان الخضار في رمات-غان وعمل فيه سنتين إضافيتين. كان يقضي الليالي في غرفة بداخل الدكان، استخدمها بهدف السكن. عند عودته إلى أور-يهودا، بدأ يتدهور إلى المخدرات الثقيلة. بعد أن أصبح الحشيش شحيحا بسبب مداهمات الشرطة، أغراه عرض من قبل صديق له لمحاولة تعاطي الهيروين. في البداية رفض حيزي العرض بشدة، بسبب الخوف الذي أحس به حين رأى أصدقاء طفولته مدمنين، ولكنه في نهاية اليوم انكسر ودخّن الهيروين. "لقد لبسني هذا الأمر كما يُلبس القفاز في اليد"، يقول حيزي بصوت خافت، وأضاف "لقد أثر فيّ من المرة الأولى، وفي اليوم التالي طلبت منه "أحضر لي جرعة أخرى، وأخرى وأخرى". بعد نصف سنة اعتقل وتعرض لأول "كريز" بين جدران زنزانة السجن.

بعد أن أطلق سراحه من السجن، بدأ يسطوا على البيوت وعلى السيارات ليموّل الهيروين والكوكايين والأدولان لنفسه. في عام 1990، حوكم صربي بسبب دمج أكثر من عشرين ملفا جنائيا، وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة 21 شهرا في سجن عتليت. في إجازاته من السجن، كان يسطو على المخازن المتواجدة في المناطق الصناعية ويحوّل غنائمه إلى تجار المخدرات في اللد مباشرة. من سن 25 سنة وحتى سن 35 سنة كان قد فُتح ضده أكثر من ستين ملفا في الشرطة.

 في عام 1994، وقبل شهرين من سجنه الثاني، لامس الموت. "وصلت إلى حضيض حضيض الحياة، كنت أعيش في تل أبيب، أنام على شاطئ البحر، كنت أزن حوالي أربعين كيلوغراما، وكانت لي لحية، وكان منظري سيئا للغاية... كنت أقول لنفسي، يا إلهي خذني الآن لا امتلك قوة أكثر من ذلك، علّ هذه تكون الحقنة الأخيرة".

تم القبض عليه مره أخرى، بعد أن سطا على سيارة وسرق سلاحا. صرّح عما في نفسه أمام القاضي في أبو كبير وطلب أن ينقذوه من نفسه: "رأى القاضي أمامه إناء مكسورا، ميئوسا منه. قال لي: "ثلاث سنوات، ولم أصدق".

 بدأ الانقلاب في حياته في سجن تل-موند. كان السجناء المدمنين على المخدرات الثقيلة تحت إشراف طاقم من العاملين الاجتماعين وعلماء الجريمة. أدخل صربي نفسه إلى "علاج تأهيلي مكثف"، وشارك في ساعات المساء بمجموعات NA (المدمنين المجهولين).

"بعد سنة ونصف وصلت إلى وضع كنت أتجوّل فيه في السجن بحرية. كانوا يسمونني "السيد NA" وكما يقولون ثابرت إلى النهاية... كنت أفعل ما يطلب من دون نقاش، فقد اخترت الحياة".

 قيم الأم باولا
بعد أن اختار الحياة بخمس سنوات، تزوج من فرح مناشيه. البالغة من العمر 29 سنة. ولدت في رمات غان، ووالديها مثل والديه، ما زالا يسكنان حتى اليوم في شقة لشركة عميدار. ولكونها البنت الأصغر في العائلة التي نشأت بين خمسة أولاد، كان والدها وأخوتها يدللونها دائما على حد قولها. رغم أنهم كانوا يسكنون في حي سلامة ج "أقسى حي في رمات- غان"، إلا أن الطعام والمال لم ينقصهم. ما كان ينقصهم هو شيء آخر، "بغض النظر عما كنت أحصل عليه، بكوني طفلة، ورغم الوضع الاقتصادي الصعب، لم يكن ذلك ما كنت أبحث عنه. لقد بحثت عن الدفء، الحب، الأمان، وألا أكون متعلقة بالغير".

تركت المدرسة الثانوية في منتصف الصف العاشر، لتخرج للعمل. تخلت عن الخدمة العسكرية وهي في سن 19سنة، تم توجيهها إلى "بيت هتساباريت"، وهو هوستل للبنات في القدس، يقدم إطارا تأهيليا من قبل مرشدين ويهتم بخروج الساكنات فيه إلى العمل. خلال فترة حملها الأول، بعد عدة أشهر من الزواج عام 1999، حصلت أول أزمة في الزواج، وأراد حيزي الطلاق من زوجته. حين فكر في الأمر ثانية، وافق على الانضمام للعلاج في إطار برنامج "درور"، بتوصية من قسم الرفاه الاجتماعي في بلدية رمات-غان.

برنامج "درور" الذي يشهد اسمه له، هو ثمرة مبادرة إيتان أرام، عامل اجتماعي متخصص وذو خبرة، كان يشغل مجموعة من الوظائف الكبيرة في أقسام الرفاه الاجتماعي في البلدية. هدف البرنامج الرئيسي هو كسر سلسلة الضائقة متعددة الأجيال ومنع نشؤ جيل ثالث ورابع من الفقر.

كلمة "زبائن" هي الكلمة المفضلة لدي أرام لوصف المشاركين في البرنامج، وزبائن أرام هم أزواج شابة، معظمهم أهل لأولاد، من عائلات تكثر فيها المشاكل. يحاول إيتان أرام أن يبدّل أسلوب "إطفاء الحرائق" بواسطة الوقاية المسبقة وهو متأثر بتوجه الأنتروبولوج أوسكار لويس، الذي يشرح أسباب ديمومة "ثقافة الفقر".

 يقول أرام: أهم مبادئ البرنامج هو الإيمان بقدرة الإنسان على التغيّر. يجب أن يؤمن بذلك المعالج والأزواج الذين يعانون من حالة سيئة. هناك شرط إلزامي آخر وهو العلاج المتواصل ومرافقة العائلة على مدى سنوات، حتى التوصل إلى الاستقلالية. مثل هذا العلاج – ويدور الحديث هنا عن عاملين اجتماعيين لكل زوج – لا يستلزم اللقاءات والحديث فحسب، بل كذلك زيارات إلى بيت العائلة، متابعة وتنسيق بين العائلة ومؤسسات الدولة. فكرة التوصّل (reaching out) تشدد على الحاجة إلى "ملاحقة" العائلات، حتى وإن لم تكن تتعاون، أو أنها تفكر في ترك البرنامج الذي يتطلب منها الكثير من التضحية. تركّز مبادئ برنامج "درور" على القيادة المبلورة؛ النظر إلى العائلة كنظام متكامل؛ التخطيط والتنظيم والتحكم؛ وقليل من المساعدة المادية قدر الإمكان (لمنع تعلق متلقي العلاج بالمؤسسات).

 كل زوج مشارك في البرنامج يحصل على إرشاد فيما يتعلق بتطور الأطفال، العلاقات الزوجية داخل العائلة، المعيشة الاقتصادية (العمل، تخطيط الميزانية والحصول على الحقوق)، السكن، النشاطات التربوية والصحية للزوجين – من الناحيتين الجسدية والنفسية. يتم التشديد، طوال الوقت، على الاستقلالية، المبادرة، النظر إلى المستقبل وعدم توجيه اللوم للمصير، القدرة الإلهية أو المؤسسات.

 استلهم أرام برنامجه الطموح في طفولته، في بيت من الطبقة الوسطى الذي كان نمط حياته متواضعا. والداه، ألمانيان قدموا إلى البلاد عام 1949 وسكنوا في بلدة مناحميه في الجليل الأسفل، وقد عوّداه على العمل الصعب والاكتفاء بالقليل. أمه، باولا، امرأة مثابرة وعنيدة، "كانت تذهب من مناحميه إلى طبريا مشيا على الأقدام بهدف التوفير". عمل الوالدان طيلة سنوات في الزراعة وقرروا الانتقال إلى رمات-غان لكي يحظى ولدهما بتعليم أفضل. والده، شلومو، مزوّد بالتعليم الثانوي وأطنان من الطموح، قُبل في العمل كموظف صغير في بنك "هبوعليم" وتمت ترقيته إلى أن وصل إلى منصب مدير فرع كبير.

رسّخ الوالدان في إيتان وفي أخيه قيما مثل المثابرة، التوفير، الامتناع عن المشاكل والتفكير بالمستقبل من خلال التخطيط والتنظيم. "عندما أخطط معهم [مع مشاركي البرنامج] الميزانيات، أقول لهم: "كلوا الأرز"، فيغضبون مني، "أين تعلمت هذا؟ في الجامعة؟". أقول لهم أني تعلمت هذا في البيت، لدى والدي".

  

المفارقة هي أن إعادة تأهيل صربي ومصلحته المستقلة التي أسسها هما حجر عثرة في جهوده الرامية للوصول إلى سكن جماهيري لعائلته. يقول: "الدولة تشجع البؤس، ويوقعونك في المصيدة. هم لا يريدون وقف سلسلة الفقر، أما أنا فأريد". "يقولون، إما أن تتعاطى المخدرات أو أن تنجب عددا آخر من الأولاد؛ عندها فقط ستستحق سكنا دائما. فإما أن أكون أبا مدمنا على المخدرات لأولادي أو أن أنجب عدة أولاد آخرين، ولا تكون لدي الإمكانيات لإعالتهم"

 

منذ بدء البرنامج في كريات شمونيه عام 1991، نجحت قيم الأم باولا بتغيير حياة مئات الأشخاص. لقد تبنى 12 قسما من أقسام الرفاه الاجتماعي التابعة للسلطات المحلية في مركز البلاد وشمالها البرنامج، الذي يتم في إطاره تشغيل 120 عاملا اجتماعيا، ويتم التعامل مع 150 عائلة، تشتمل على 300 ولد.

 "لقد أنقذوا حياتنا الزوجية"، هذا ما يقوله حيزي عما أسهم به البرنامج. لأنهم عندما تزوجا، كانا ما زالا يحملان جراح طفولتهما. بمرافقة عاملتين اجتماعيتين، تعلم حيزي وفرح موضوع تخطيط العائلة وإدارة الميزانية وفقا لسلم الأفضليات. شدد حيزي على تحسين علاقته بزوجته وعلاقته بالأولاد، وتعلمت فرح كيفية السيطرة على أعصابها.

الجهود للحصول على سكن شعبي
"البيت بالنسبة لي هو مركز الحياة"، هذا ما يقوله صربي، ويضيف "إنه الأمان بالنسبة لي، سوف يمنحني الاستقرار، لي ولعائلتي، للأولاد. سوف يمنحني الأمل بأنني ها قد بدأت أتقدم في الحياة. ستتحوّل مواردي وقواي إلى أمور أخرى: كيف أطوّر المصلحة، كيف أمنح أولادي تعليما أفضل، وأن أدخلهم إلى أطر أفضل. التوتر بيني وبين زوجتي سينخفض بشكل ملحوظ".

أصبح صربي مستقلا قبل 14 شهرا، بعد أن نجح بكد وعناء في شراء شاحنة نقل صغيرة وخط توزيع للبضائع للمصانع، يبدأ من مطار بن-غوريون. في السنة المالية 2003 كسب 4,500 ش.ج. في الشهر. هذا الدخل أبعد من أن يكون كافيا، فهو يقول في الوقت الذي تصل فيه مصروفات العائلة في الشهر إلى 10,000 ش.ج. وتشمل أجر الشقة، الأكل، الحضانات اليومية للأولاد الصغار، حضانة من قبل البلدية للولد الكبير، الكهرباء، الماء، ضريبة البلدية، السجائر والهاتف. إنه يتحمّل هذا العبء لوحده ويحصل على مساعدة شهرية لتمويل أجر الشقة بمبلغ 500 ش.ج. من وزارة الإسكان وتخفيض في رسوم الحضانات اليومية عن طريق وزارة العمل والرفاه الاجتماعي.

 "غدا عندما يكبروا"، يشير إلى الأولاد، "لن يكون لديهم أملاك ولا أي شيء. فأنا أفكر اليوم بمستقبل الأولاد. إذا تقدّمت في الحياة، فكل العائلة ستتقدم معي، بالكاد يمكنني أن أنهي الشهر، فكيف لي أن أتقدم؟

يشرح صربي أسباب قراره الذي حذا به إلى استئجار شقة بمبلغ 2,600 ش.ج. شهري: "أردت أن أمنح أولادي ما لم أحصل عليه، لم أشأ أن يكبر أولادي كما كبرت أنا، وأن يعيشوا باكتظاظ، خمسة أخوة في ثلاث غرف".

يتبيّن مما يقوله أن البيت ليس مجرّد عقار، بل هو أهم وسيلة للتأهيل الذاتي وركيزة للحياة الطبيعية. السكن بالإيجار الشهري يعزز الإحساس بما هو مؤقت ويؤدي إلى عدم الاستقرار، الذي يؤثر بدوره على العلاقات بين الزوجين، وعلى العلاقات بينهما وبين أولادهما. انعدام وجود سكن دائم ووتيرة الانتقال الكبيرة من بيت إلى آخر، تؤدي إلى زعزة التوازن وحتى إلى العنف، وتؤثر بالأساس على الأولاد.

حسب رأي أرام، فإن السكن الشعبي – وهو ما يتطلع إليه الزوجان صربي - هو أمر مرفوض من الأساس، لأنه يشجع "ثقافة الفقر" والتعلق. حتى المساعدة في تمويل أجر الشقة لن تسهم في فرد جناحي الاستقلالية لدى من يعالجهم. النجاح الأمثل، من وجهة نظر أرام، هو ملكية مكان للسكن. في شهر شباط من عام 2002 أرسل أرام رسالة إلى وزير البناء والإسكان آنذاك، نتان شيرنسكي، ووصف فيها مميزات الضائقة السكنية التي تعاني منها العائلات ذات الشأن، واقترح حلا على شكل قرض سكني بشروط سهلة. وقع اقتراح أرام على آذان صاغية في وزارة الداخلية ولكن لم يُكتب له التنفيذ حتى اليوم بسبب اعتبارات الميزانية.

رغم ذلك، ينحاز أرام في مسألة صربي، عما يعتقده: "حيزي ما زال في وضع لا يمكّنه من شراء بيت. مصلحته قائمة منذ سنة فقط وهو يواجه صعوبة في الوفاء بدفع إيجار الشقة. حيزي وزوجته يحتاجان إلى شقة من شركة "عميدار". هذا سيدفعهم دفعة إلى الأمام حتى يتحسّن وضعهم الاقتصادي... من الذي يحظى بسكن شعبي؟ من هو مسكين، معاق، من يبحث كل الوقت على التعلق بالغير... عاداك عن ذلك، فهناك تمييز بين القادمين الجدد وبين من ولدوا هنا، فيما يتعلق بمنح الاستحقاق".

المفارقة هي أن إعادة تأهيل صربي ومصلحته المستقلة التي أسسها هما حجر عثرة في جهوده الرامية للوصول إلى سكن جماهيري لعائلته. يقول: "الدولة تشجع البؤس، ويوقعونك في المصيدة. هم لا يريدون وقف سلسلة الفقر، أما أنا فأريد."

"يقولون، إما أن تتعاطى المخدرات أو أن تنجب عددا آخر من الأولاد؛ عندها فقط ستستحق سكنا دائما. فإما أن أكون أبا مدمنا على المخدرات لأولادي أو أن أنجب عدة أولاد آخرين، ولا يكون لدي الإمكانيات لإعالتهم"

"هناك أنواع كثيرة من الأشخاص الذين يسقطون ضحايا"، هذا هو رد موظف كبير في وزارة البناء والإسكان. "صحيح أنهم لم يتوصلوا إلى 1,400 نقطة (أي، مقياس يتطرق إلى الخلفية الإنسانية وغير المنحازة في العائلة، ويتم حسابه عن طريق دمج عدة عوامل وتستخدمه الوزارة لتحديد نسبة الاستحقاق)، غير أن وضعهم مزرٍ". يعترف ذلك الموظف الكبير أيضا بأن القادمين الجدد يتمتعون بأفضلية مقابل السكان الأصليين. في النهاية يقول: "نحن عمليا نمنح المساكن الشعبية لأنواع العائلات ذات نسبة البؤس الأكبر".

لا تستوفي عائلة صربي، حتى الآن، المعايير. قبل سنتين، وحين سئم من انتظار الاستحقاق، قرر صربي ترك برنامج "درور". قبل قيامه بذلك، سأل رأي أرام ومديرة قسم الرفاه في بلدية رمات-غان. "قلت لهما أن أمامي ثلاث إمكانيات، أو تعاطي المخدرات والحصول على سكن، أو الاستيلاء على بيت وخوض حرب أمام السلطات، أو أن أقيم خيمة أمام بلدية رمات-غان". عندما وعده بأنه لن يتخلى عنه في جهوده مقابل السلطات، لان حيزي بقي في البرنامج.

قرار التمسك ببرنامج "درور" هو قرار معناه اختيار البقاء على قيد الحياة. كان الزوجان صربي يحتاجان إلى قوى نفسية هائلة عند سيرهما اليومي على الحبل الدقيق الواصل بين التراجع إلى الماضي وبين الاهتمام بمصير الأولاد، بين البقاء والنجاح وبين الانتهاء.

مطبخ الشقة الموجودة في نفيه-يهوشع كان مليء بالصناديق المفتوحة التي تنتظر ملئها بالأغراض القليلة. بعد يومين ستسكن عائلة صربي في شقتها الجديدة في شارع "هعلياه هريشوناه" المجاور. يقولان "هذه شقة مشابهة تماما ولكنها أوسع وأكثر ترتيبا وفيها حمام أجمل، لا توجد مخدرات تحت المبنى وسعر إيجارها أقل بـ 400 ش.ج. من سعر إيجار الشقة الحالية".

يقول حيزي: "على الدولة أن تقدم المساعدة! ليس لأنني كنت ما كنت، بل لأنني اليوم إنسان آخر... البيت بالنسبة لي هو الأساس. فإذا نظرت إلى ذلك من منظور واسع، عندما تقرر بناء بناية، فإذا لم تبنها بشكل جيد من الأساس فسوف تنهار. البيت بالنسبة لي هو جزء من أساسات البناية، هذا هو أهم شيء".
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004