|
العدد
22
| حزيران - تموز 2004
لماذا تزوجنا في الحاخامية وليس في بلدية روما؟
|
|
" |
||||||||
|
اللّقاء الغريب ولكن المثير للمواطن العلمانيّ مع السلطة الدينية |
||||||||
|
|
||||||||
|
لو كنت من نسل أشخاص سكنوا في أرضهم وقاموا بفلاحتها وبنوا مدنهم وحافظوا على كنوزها، لربما كنت أفكر في عقد قران يهودي كما يفكر أصدقائي في روما بزواج كاثوليكي: كتعاون مع مؤسسة لم يبق منها إلا سيارة البابا واستعراضات جماهيرية أيام الآحاد. الفرق بيني وبين أصدقائي في روما أدق من ذلك على ما يبدو، لمجرد حقيقة كونهم قادرين على اختيار طريقة زواجهم في دولتهم، وأما أنا فلا. كان بإمكاني أن أختار الزواج لديهم هناك، ولكن... لماذا "لكن"؟ ربما كانت هذه "لكن" تتبع للفكرة المعقدة: من سندعو إلى روما ومن لن ندعو؟، ربما أنه في ذلك الوقت بالذات دعيت من قبل الجالية اليهودية للتحدث عن الهوية اليهودية في إسرائيل، أو لربما لأنني أكتب في "إيرتس أحيرت"، ربما لأنني يهودي ووالدي كان ملما بالصلاة عن ظهر قلب، ربما لأن يدي جدي كانتا ترتعدان حين لفّني بـ"طليت" (من أدوات للطقوس الدينية عند اليهود) وقدمني للتوراة، ربما لأن جدي الثاني قد طرد، لحسن الحظ، من بلاده وموطنه لأنه كان يهوديا قذرا. ولتكن "لكن" هذه ما تكون، إلا أنها كانت قوية بما فيه الكفاية لكي نعلم أنه حتى لو تزوجنا في روما فإننا سنقوم بذلك لدى الحاخام ديلا-روكا، في مكتب أو ما شابه ذلك. اتضح في هذه الأثناء أنه ليس بإمكاننا الزواج في التاريخ الذي اخترناه، ولذلك لم يكن التاريخ محددا ولكن كان واضحاً أن الزواج سيتمّ في الصيف، في بدايته أو في نهايته. لم تكن لدينا عملياً معلومات كثيرة، ولكننا كنّا نعلم أن ذلك سيكون، وسيكون خليطاً متعدداً. 2.
المدنسون والطاهرون
في الحالات
التي يتدخل فيها حاخام أرثوذكسي، يستوجب على الزواج – سواء كان زواجاً
من الأحلام أم لا – أن يمر من خلال الالتقاء الغريب ولكن المثير
للمواطن غير المتديّن بالسلطة الدينية. ربما كان في هذه الحالة مكان
لفحص إمكانية حاخامية أخرى، شيء ما محافظ، تقدمي أو إصلاحي، لا قدّر
الله. لماذا اخترنا حاخاماً
أرثوذكسياً،
لقد اخترناه بالأساس لأنه صديقي وشخص لطيف ولبق، كنت قد تعلمت معه
‘غمراه‘ (التلمود) وقد سرّه أن يعقد قراني، شريطة أن لا يحصل على أي
مقابل، وكذلك، بقدر ما، أنه في شهادة زواج أبي، التي أخرجت من
النفتالين لأسباب بيروقراطية، مكتوب أن والده كان حاخاماً.
ناهيك عن وجود شيء ما بداخلي يتحفظ من العدائية الموجهة ضد الأشخاص
الملتحين وسود الملابس. في نهاية الأمر هم بالذات اليهود الحقيقيون،
المكروهون والملاحقون والذين يكنّون متسولين، هؤلاء الذين نحن بسببهم،
إيجابا وسلبا، كلنا "يهود" بالمفهوم الذي يكون اليهودي بمقتضاه نوع من
الصراع مع العالم. ماذا ستقول الشعوب غير اليهودية لو عرفت أننا حتى
نحن، ونحن قطعة من جسدهم، نكرههم؟
إلا أنّ ليس كل من يتمسك بالتوراة ويعتاش من ورائها يقرأها، وبعد اجتياز درج مبنى الحاخامية كان يجب القفز من فوق حاجز الحاخامة (زوجة الحاخام)، التي تنتظر كل بتولات إسرائيل الراغبات في الزواج على طريقة اليهود منذ الأزل. يتوجب على هذه المرحلة أن تكون المرحلة الأكثر إحباطا في لقاء المحارم بين الدين والدولة، حيث الزواج متعلق به. الدولة تلقي المسؤولية عن عاتقها، وكل مرادها هو أن تعرف وضعك وإذا كان عليها لهذا السبب أن تحدده لك فسيكون الأمر جيدا. الحاخامية، من جهتها، ترى أن هناك واجب مقدّس عليها في تقليل عدد أبناء الزنى، ولذلك تقوم بإدارة دفاتر النسب لليهود. التقاء الاثنتين ينتج بالأساس ثماراً غير ناضجة. التطرف الزائد والمهين من قبل القائمين على العمل الذين يفحصون بدقة شهادة الحلال الممنوحة لخدمة تزويد الطعام ويطالبون، كما يفعل البيروقراطيون دائماً بإرسال الفاكسات الواحد تلو الآخر للشهادات والتصديقات التي تثبت بالأساس أن قدرة بني البشر على الاختراع تفوق قدرة الواقع. إن أكثر الأمور دعوةً إلى الثوران من بين كل هذه الأمور هو على ما يبدو حجة إرغام النساء اللواتي يعشن بسلام مع حيضهن الزواج طاهرات. ما حدث هو أننا قمنا بالتسجيل لدى الحاخام الكريم ومن ثم فُصلت حبيبتي عني وانتقلت إلى غرفة الحاخامة المثيرة للقلق. خرجت حبيبتي من الغرفة بعينين مغرورقتين بالدموع. إنها لا توافق بأن نتزوج بـ 11، وقالت أنها مستعدة بأن نتزوج بـ 12 ولكن ليس بـ 11، إنها تقول بأنه لن يكون لدي متسع من الوقت لاجتياز فحص الطهارة ويجب الانتظار أسبوعاً واحداً. قل لي لماذا عليّ أن أجتاز هذا كله؟ ماذا كان بوسعي أن أقول؟ المشكلة التي ظهرت لم تكن مشكلتي. أنا وهي لم نتعامل ذات مرة مع مواضيع الطهارة والدناسة، وحتى وإن كنا من وجهة نظر بعضهم دنسين، لم يهمنا الأمر. قلت أن صديقي الحاخام ‘ل‘ كان السبب. لقد أردت بالفعل أن يعقد قراننا، وعلى الأرجح أنه لو كان هو المسئول هنا لكان كل شيء سيبدو مختلفا، إلا أنه لا يتعدى على صلاحية الغير ولذلك علينا أن نجتاز ذلك، ناهيك أنهم أيضاً بحاجة لمصدر رزق. كرّس الحاخام ‘ل‘ وقتا لنا وشرح لنا بصبر ماهية الأمور، وطلب التحدث مع الحاخامة. صرخت الحاخامة في الهاتف، شريعة التوراة واحدة. ‘ل‘ كان أكثر مني صبرا وشرح لها أننا سنجري المراسيم رغم وجود الحيض، لأن العروس مستعدّة والمدعوون قد دعيوا. فكررت قولها لا يوجد مفر وشريعة التوراة واحدة، يمكنكم عقد الزواج بعد يوم واحد ولكن ليس في هذا اليوم. فقلت أن للتوراة سبعين وجها. قالت بحزم أنتم جهلة والقوانين هي القوانين. كانت هذه إحدى اللحظات الفارقة التي يتم التعرض إليها خلال مراسيم الزواج. حيال حماقتها وعدم تفهمها، أردنا أن نقول شكرا جزيلا وإلى اللقاء وأن نعود إلى بلدية روما ونعقد زواجنا هناك كما يفعل الأشخاص غير المعنيين بإعلام أي شخص بوضع الدورة الشهرية ووتيرة إقامة العلاقات الجنسية فيما بينهم. هناك شيء مرضي في التعامل مع سوائل جسم المرأة وعلى المتعاملين مع هذا الأمر الاعتراف على الأقل بأنهم منحرفون. أنا لم أسأل في أي مرّة من المرّات الغرباء أسئلة مثل تلك التي يسألونها: متى كانت آخر مرة أقمت فيها علاقة جنسية، ومتى كانت دورتك الشهرية الأخيرة، وماذا كان لون الإفرازات بالأمس. لم أسأل الحاخامة رغم أنه كان من المفروض أن أسأل، في الموقف الذي واجهته. اخترت أن أطأطىء رأسي وأن أدع الماء العكر يجري من فوقي. أن أقف أمام هؤلاء الأشخاص الذين لا دخل لهم في حياتي، لا من قريب ولا من بعيد، وأن اضطر إلى الكذب لأننا لا نحافظ على الطهارة فيما يتعلق بالحيض، وأننا بالفعل نسكن معا من اللحظة الأولى التي التقينا فيها، وبالحقيقة إنه أمر ليس من شأنك متى أقمنا علاقة جنسية ومتى لا، ونحن غير معنيين بإشراكك بما نفعله أو ما لا نفعله في فترة الدورة الشهرية. أنا آسف. إن ما يدعو إلى الثوران حقا هو أنه من ناحية الشريعة فإن الأمر مضحكا. العروس تكون دائما في حالة ضغط، تتأرجح بين مسؤولية أبويها وبين مسؤولية زوجها المستقبلية. مصدرو الفتاوى يتخوّفون على ما يبدو وهم يميلون إلى تسهيل الأمور فحتى كبار مصدري الفتاوى يعتقدون بأن لا مانع من عقد قران امرأة ليست طاهرة فيما يتعلق بالحيض. ربما ليس هذا هو الوضع المرغوب به ولكنه ليس ممنوعا أيضا. وكمن اخترت الحاخام ‘ل‘، اضطررت إلى الكذب. لم أكذب بسببه بل كذبت من أجله، ورغم أن لا ذنب له، من يمكنه أن ينكر أننا أمام معضلة أخلاقية؟ لقد كذبنا بسخاء، وعلى وجه التحديد العروس هي التي كذبت وذلك لأني لم أكن مضطرا لذلك؛ هذا الأمر بدأ يشدّ أعصابي ففي وقت بدأ صبري فيه ينفذ وما أردته فقط هو أخذ عروسي والذهاب معها إلى مكان آخر، وألتمس عذركم في ذلك، لا يدخلون فيه إصبعا إلى فتحة الشرج لكي يكون بإمكانك أن تُلبس عروسك خاتم الزواج في إصبعها كما جرت العادة لدى أجدادك منذ القدم. لا شك في أن هذا الأمر بشع: حاخامون وحاخامات يجلسون ويحدّقون بالناس الذين يقدمون إليهم الخدمات ويرون فيهم أطفالا وقعوا في الأسر، جهلة حمقى يعرفون، في أحسن الحالات، كيف يحرّفون ما هو مكتوب. إن استغلال ذرة السلطة التي يتمتع بها الدين هو أمر بائس ولا يزيد من احترام التوراة بالتأكيد. في نهاية الأمر تم توجيهنا إلى رئيس القسم، وهو الآمر الناهي. عندما سمع بالتاريخ اتسعت عيناه. وسألنا ألستما شرقيين وكأنه لا يصدّق ذلك، فأجبته نعم نحن شرقيان، أو على الأقل أنا. وسألنا لماذا أنتما في عجلة من أمركم، إلا أنه لم يهتم لسماع الرد، فطرحت عليه سلسلة الاضطرارات. عندما سمع بالحريق الذي نشب في بيتي قبل حوالي شهر من ذلك الوقت، قال أن عليه أن يطلب مني قرضا لأنه مكتوب أن من يحترق بيته سوف يصبح ثريا. سررت لسماع ذلك وسألت نفسي فيما إذا كان عغنون قد أصبح ثريا. فقال الحاخام عغنون على الأقل أصبح عغنون. بعد ذلك كتب شيئا ما وعندها ابتلعت الحاخامة حبيبتي في غرفتها ولم نعرف ما جرى هناك. جلست خارج الغرفة أسأل نفسي ما الذي يعلمونها إياه في الإرشاد. بعيدا عن النساء، اضطررت للاكتفاء بمواد القراءة التي كانت متوفرة هناك. مواد القراءة لدى المجلس الديني غير متنوعة. كان هناك كتاب عن العائلة اليهودية وكراسة بعنوان "من أنا؟"، ومنشورات تتحدث عن نعجة بين سبعين ذئباً. نجمة داوود مرسومة على النعجة المرعوبة، وأحد الذئاب يقول: "لدينا السلاح والرغبة أيضا". هل هو من اختراعي أنهم أكثر شذوذا من غير المتدينين؟ في سياق النشرة كُتب أنه في العالم الآخر سنفهم لماذا لم تخف النعجة، وتعلمت أنهم يقدرون الصلاة في هذا العالم لأنه "مع انتهاء حرب الخليج قام سفير الولايات المتحدة في إسرائيل (ويليام براون) بإرسال كتاب شكر إلى مواطني إسرائيل الذين تضرعوا لنجاح جيش الولايات المتحدة". كانت هذه نشرة سخيفة، ولكني أعتقد أنه ليس صدفة وضعت كومة من هذه النشرات في هذا المكان. يبدو أن التحايل هو حقا اسم اللعبة. أخيرا أطلق سراح حبيبتي، وهي تلهث. لم يكن ذلك بالسهل أو بالأمر السار، قالت لي، لن تصدق ما هي الأسئلة التي سألتني إياها. والله أعلم لماذا قالت لها الحاخامة أنه من الأفضل زيارة الحاخام وليس زيارة الطبيب إذا كان هناك شيء غير واضح فيما يتعلق بالإفرازات. لم نحرك ساكنا بالنسبة لهذا الموضوع أيضاً، وواصلنا التزام الصمت في تلك الليلة في المحاضرة حول الزوجية التي أرغمنا على المشاركة فيها. كان اللقاء في قبو في بيت خاص شمال تل أبيب، حيث كان هناك مقر منظمة 'أمل أخوتنا'. هذا الاسم الخالي من التواضع يوضح كلّ شيء. حاخام شاب يقف أحمر الوجنتين ويلقّم الجمهور غير المكترث بساعة من المونولوج التافه الذي تفوح منه رائحة العودة إلى الدين، صورة بديلة عن عجائب الزوجية بمستوى فيلم رديء جدا، أو عدد من مجلة "لإيشاه" يثير الإحباط. من وجهة نظر هذا الحاخام الشاب، فإن الزوجية هي رقصة صماء حول وصية "تكاثروا واملأوا الأرض". ضحكنا، أنا وحبيبتي بين الفينة والأخرى، متعجبين من أن علينا أن نصغي إلى هذه المحاضرة التي وُزّع في نهايتها أوراق تم التوقيع عليها وإرسالها بالفاكس إلى الحاخامية. واصلت صمتي في ذلك الحين أيضا. هذا لا يعني أنه لم يكن لديّ ما أقوله، ولكن ماذا أقول عن هذا الخليط من الأكاذيب والتكبّر. ناهيك عن أن المباراة النهائية في كأس أوروبا كانت على وشك أن تبدأ وقد ضاق بنا الوقت. عندما خرجنا إلى الحرية، كنا قد تعلمنا، أنا وحبيبتي، أهم درس حول موضوع الزوجية: الحاخامية ليست مكانا ترغب في زيارته مرتين. 3. طقوس
الأقارب
ها أنا أرى العروس لأول مرة بزي العرس التنكري. لقد لبست فستانا جميلا، شفافا إلى حد كبير، وكانت "مُمكيجة" بعض الشيء، ولكنها "مُمكيجة". قلت لها، في الحقيقة أنا أفضلك وأنت تلبسين تي - شيرت ودون مستحضرات تجميل. نعم، أجابت، أنا أيضا كنت أفضل ذلك. إذا كان الأمر كذلك، كيف علقنا بداخل الحظيرة لنلتقط الصور، في وقت يتوجه فيه 350 مدعوا إلى الحفل، لا أحد يعلم. ما زال الشك يراودني بأنها مستمتعة بكل ما يحدث، ولكنها تنكر ذلك بشدة. الضيوف التزموا بالمواعيد، وسرعان ما وجدنا أنفسنا نحتضن ونتقبّل، نعرّف بأنفسنا ونتعرف على الغير، نشرب ونلعب. الحاخام ببذلته الفاتحة أحسّ بأنه قد بالغ في لباسه، وكان منفعلا جدا بشكل ظاهر للعيان. في الساعة التاسعة بالضبط، دخل عازفو الدولا-زورنا، وذهبنا إلى ظلّة الزفاف. الدولا- زورنا هما شخصان يستقبلان العريس والعروس عند دخولهما إلى الظّلة في مراسيم الزواج الكردية. رأيت ذلك يحدث في حفل زفاف صديقي (ي)، وأردت ذلك أنا أيضا. صحيح أني لست من أصل كردي، ولكني اعتقدت أنه إذا كان الأكراد بإمكانهم التصرف مثل الشكناز، فيحق لي أيضا أن أتصرف ككردي. رغم أن نصفي الشرقي هو مغربي وتركي، إلا أنني في الحقيقة نشأت منعزلا عن كليهما، ولم يبق لي سوى أن انتهج نوعا من الاعتزاز الشرقي. لقد استمتعت بذلك. من تقدم باتجاه الظّلة على أنغام الدولا- زورنا لن ينسى معنى هذا السّير الاحتفاليّ. في الحفلات التي يتواجد فيها الكثير من الأكراد، يتحول هذا السير إلى رقصة جماعية تستمر لوقت طويل. في وضعنا نحن، وقف الشكناز وصفّقوا بكياسة، يستمتعون من الكونسرت العرقي الذي أمامهم. وقفنا تحت الظّلة مع الوالدين والحاخام. على يمين (ي) وقف الحاخام (ح) المتزوج من العمة (أ)، وهي أصغر من والدي بسنتين. لم أكن أعتقد بأن الحاخام (ح) سوف يحضر، فهو يمتنع عادة عن حضور حفلات الزفاف من طرفنا، وقد كان يشك في أن المكان محللا (كاشير)، ولكنه رغم ذلك قد حضر. هناك أناس يطلبون الاحترام ويحظون به، وهو، على ما يبدو، من هؤلاء. شدتني أمي من كمّي لتوها، وكان علي أن أصرخ في وجهها حتى تفهم أن الحاخام (ح) لا يعنيني من قريب أو من بعيد أكثر من الشخص الذي كنت أتحدث معه في تلك اللحظة. وقد أدى (ل) هو أيضا التحية التشريعية: كان على الشهود الذين كنا بحاجة إليهم الآن أن من المحافظين على قدسية السبت، ولأسفي الشديد، لا يوجد بين أصدقائي الكثير من هؤلاء، و (ل) كان واحدا منهم. أحد الشهود كان الحاخام (ح) وكذلك سائقه، وقد صلى الصلوات السبع أيضا بلطف. لقد كان لطيفا على طريقته. (ل) كان مدهشا، لطيفا وخجولا، ولم يكف الحاخام (ح) عن إزعاجه. بعد إلقاء التحيات تناولت الميكروفون، وأردت الحديث عن كسر الكأس، فقلت أن هذه المراسيم، في الحقيقة، أمر غريب على غير المتدينين أمثالنا، لأننا ننضم إلى العهد بعد مدة طويلة من إبرامنا له، فإذا كانت عملية كسر الكأس بوحي للحاخام الشاب المنفعل كسر القيود والدخول إلى حياة الجنس، فنحن نعلم جيداً، ولربما أكثر مما يجب، ما معنى نهاية الكأس المكسورة، ولذلك فإن الانفعال الجنسي الذي يترافق بكسر الكأس، هذه الاستعارة التي توحي بالرجولة، لا معنى لها لدينا. ولكن لربما يكمن شيء ما في ذلك، كما هي الحال في كتاب الزواج المكتوب بالآرامية. ولأن هناك أمر غريب وجديد ومبهم في المرأة التي تعرفها للوهلة الأولى، ولأن الإناء المكسور هو إناء الكمال، فكرة الحب الذي يتعدى اللحم والدم ويتعدى مقاييس الإنسان، ولم يبقى أمامنا سوى أن نحب داخل ما هو مكسور، ما هو موجود وليس ما لم يعط. لا أبكي كذلك على خراب القدس التي كتب عنها، ولكني أبكي، في هذه اللحظة أيضا، على خرابي الذاتي، على غياب والدي، كما يبكي كل منا مأساته الذاتية، وما أريده هو أن أتخلص من ذلك. اصفرّ وجه الحاخام (ح) للحظة ثم عاد إلى ما كان عليه، وقال كل شيء ينبع من جذور ذلك الخراب، فقلت أنه من الممكن أيضا كذلك، وكسرت الكأس، خلافا لتوصيات الحاخام، كسرتها على العشب الرطب. صفّق الجميع، وتم تبادل القبل والاحتضان، وقد ذرفت بعض الدموع هنا وهناك. لم تكن لدينا أغنية خاصة بالظّلة، ولا أغنية خاصة بالسير إلى الظّلة، وساد الصمت الغريب لبرهة، وقد كان ذلك أمر مريح أيضا. جلس الحاخام (ح)، لفترة طويلة، مع زوجته ومساعده، وقالت أنني من أصل طيّب وأنني سأعود يوماً ما. توخينا الحذر فيما نقوله واتفقنا على أنه حتى إذا كانت آراؤنا مختلفة، فإنها متوزعة بالنسبة للأمر الذي نتفق عليه جميعا. ها هو الأمر الذي نتفق عليه جميعا، لم يفصّل ذلك أحد. في نهاية الأمر، اخترنا إبقاء ما يربطنا بذلك مشوش، بالذات في اللحظة التي وضّحنا فيها، أنا وحبيبتي، ما الذي يربط أحدنا بالآخر. لم يكن صدفة أن طأطأنا رؤوسنا جميعاً في تلك اللحظة وكأنّنا شخص واحد. تحضيرات
للسفر وها هي
الاستعدادات للسفر خُلق الإنسان
ليمشي منتصباً
على اثنتين
والروح التي تستعد للسفر، ترى فراغاً من الحنين في كل شيء محبوب. وكل ما هو قريب يتناثر بعيداً. هناك ما ينتظرك كل يوم، وكل الأيام تنتهي. نهايتنا هي أن نكون صدى للأشياء التي كانت، شكل مختلف للحن بلا وقت، وهذه هي بدايتنا. وحلاوتها القادمة هي التي تواسي وصولنا إلى النهاية.
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |