|
العدد
23
| آب - أيلول 2004
جناحان لواحد
|
|
" |
||||||||
|
عشاء الفصح في أليس أيلاند 1920: من وجهة نظر "المسكين" فإن اليهود الأمريكيين هم فئة الأقلية |
||||||||
|
|
||||||||
|
يبلغ عدد اليهود في إسرائيل وفي أمريكا اليوم خمسة ملايين في كل من الدولتين: يشكّل عددهم الإجمالي أربعة أخماس مُجمل عدد يهود العالم، وهذه النسبة آخذة بالتزايد خلال القرن الواحد والعشرين. تشكل دولة إسرائيل، كدولة سيادية، قوة عسكرية وسياسية، وأما الجالية اليهودية في الولايات المتحدة فلها نفوذ سياسي وقوة اقتصادية لم يسبق لها مثيل. يستعرض عران لرمان وإدوارد رطيغ الفروق الأساسية بين أكبر جاليتين من جاليات الشعب اليهودي في هذا الجيل، التي تُسبّب في وجود هوّات ثقافية واجتماعية آخذة في التزايد بينها. إنهما تدعوان إلى تطوير وسائل للتفاهم المتبادل، تمكن من دوام بقاء الشعب في الأجيال القادمة جناحا العصفور اليهودي المعاصر في مقطع معروف ومسلّ من فيلم لإفراييم كيشون "صلاح شباتي" يتضح أكثر من قراط من الانشطار الغريب الذي يميز علاقات التكافل بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل. يتم في هذا المشهد تبديل لافتة مراراً وتكراراً وعليها اسم قطعة من حرش تابع لـ ‘صندوق أراضي إسرائيل‘، وذلك وفقاً لاسم المحسن الأمريكي الساذج الذي يصادف وجوده في المكان. طوال سنين طويلة، كانت الحكاية تقريباً على النحو التالي: يتمّ زرع جذور في البلاد مقابل الأموال من أمريكا، ولافتة تربط للوهلة الأولى بين العالمين. من المهم أن نترك هذه الصورة من ورائنا: ليس لكون "العم (الأمريكي) قد مات" - وهو ادعاء غريب حيال تعلق إسرائيل بتأثير جالية الولايات المتحدة على الحلبة السياسية الأمريكية - بل على العكس، لأننا نتحوّل نحن بالذات إلى أكثر اتزاناً، ومتساوي القيمة في عددنا وقوّتنا، وحتى في مجالات الإبداع والفكر اليهودي. يبلغ عدد اليهود في إسرائيل وفي أمريكا اليوم خمسة ملايين في كل من الدولتين: يشكل عددهم الإجمالي أربعة أخماس مُجمل عدد يهود العالم، وهذه النسبة آخذة بالتزايد خلال القرن الواحد والعشرين. تشكل دولة إسرائيل، كدولة سيادية، قوة عسكرية وسياسية، وأما الجالية اليهودية في الولايات المتحدة فلها نفوذ سياسي واقتصادية لم يسبق له مثيل. علاقة التكافل هذه هي جناحان للعصفور اليهودي في أيامنا هذه. الصورة معقدة وحتّى تُحدث بلبلة: فمن جهة هناك ترابط عائلي وثيق والتزام وتعاطف عميقان تكمن جذوره في المشاركة التاريخية، الدينية، العرقية والقيميّة، ومن جهة أخرى، هناك انعدام معرفة وإدراك على خلفية الاختلافات الثقافية. هذه العلاقات مشحونة ومعقدة أكثر من العلاقات القائمة بين إسرائيل وأيّة جالية يهودية أخرى في الشتات. يمثّل اليهود في إسرائيل وفي الولايات المتحدة أنجح استراتيجيتين للبقاء اليهودي وللرد على تحديات عصرنا، وذلك ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر وما بعده. لقد حققت إسرائيل فكرة إقامة دولة لليهود و "إعادة اليهود إلى التاريخ". نحن نشهد ثورة في أمريكا، ليست أقل إثارة: اجتازت فيها الثقافة والدين اليهوديين عملية مركّبة لم يسبق لها مثيل من "الأمركة" العقائدية والاجتماعية. لا يتعلق الأمر بالتكيّف مع ثقافة وطنية دينية فحسب - وهي ظاهرة متكررة في التاريخ اليهودي؛ اليهودية الأمريكية هي حصيلة فكر أيديولوجي سعى إلى بناء مجتمع وفق الأنماط المعاصرة التي تحدّد مكان الدين ومكانة الفرد: ثمرة التجربة التاريخية والفكرية الخاصة في الولايات المتحدة. لقد تم القضاء على أفكار أخرى في فترة الكارثة مثل حكم ذاتي يهودي في أوروبا الشرقية، الانصهار، المشاركة في الانقلاب العالمي أو بدلا عن ذلك التراجع، بمحض الإرادة إلى داخل الجيتوهات، أو قد تم دفع هذه الأفكار إلى هامش التاريخ. لقد جذّر هذان المجتمعان، إذن، أهمّ الأمور التي تبقت من العالم اليهودي القديم. من الممكن أنه منذ خراب الهيكل الثاني لم يتم إنشاء بنية كهذه من تركيز الحياة اليهودية في إطار مجتمعين رئيسيين. هذا واقع جديد تشكّل بالتدريج في وقت أخذ كل منا ينشغل بنضالاته المهمة بالنسبة له: تحرير يهود الاتحاد السوفييتي، حماية إسرائيل، الحفاظ على "الجدار الفاصل" بين الكنيسة والدولة، بذل جهد لمواجهة ظاهرة الزواج المختلط وإنشاء "نهضة يهودية" في أمريكا. دون التقليل من أهمية أي مجتمع يهودي آخر، علينا الاعتراف بأنه في بداية القرن الواحد والعشرين كانت الصلة بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل هي العمود الفقري للشعب اليهودي وأهم عنصر بلور "العلاقات الخارجية والأمنية" لدى المجتمعين. يكون اللقاء بين إسرائيليين ويهود أمريكيين، في بعض الأحيان، دافئ ويثير البهجة، إلا أنه في بعض الأحيان تصل الأمور إلى احتدامات وغضب ونفور؛ مقدّر لسؤال "من هو يهوديّ؟" أن ينفجر مرّة كلّ عدّة سنوات مُحدثاً ندوباً جديدة. غير أنه حيال التحوّلات الديموغرافية التي حدثت في تسعينيات القرن المنصرم، لم يعد الإدراك المتبادل أمراً كمالياً. إذا أراد الشعب اليهودي اجتياز اختبارات العصر الذي نقف أمامه بنجاح، فعليه فحص الواقع بانتباه ومحاولة فهم تأثيراته. أحد التأثيرات متعلق بشكل واضح بالطريقة التي سنحافظ فيها في المستقبل على أمن اليهود كشعب وكأفراد، في هذا السّياق، تُصوّر الصلة بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل كمسألة أمنية من الدرجة الأولى. وفقاً لذلك، فإن بلورة تفاهم وتعاطف متبادلين بين الجزأين الرئيسيين في الشعب اليهودي، يتيحان إجراء حوار ونقاش حقيقيين، وحتى تنسيق للخطوات، لا تُعتبر قيمة بحد ذاتها، فهي أيضا أداة سياسية من الدرجة الأولى ودرعاً اجتماعياً وأخلاقياً في وجه تدهور المجتمعين إلى توجّه ضيّق ومنغلق. إلاّ أن الحوار بحد ذاته، بغض النظر عن خصوبته، لا يكفي. أثبتت الأبحاث التي أجريت على المجتمعين أن الفوارق بينهما آخذة بالاتساع. معظم هذه الفوارق تنبع من فروق بيئية ثقافية. لقد اختفى جيل الهجرة الجماعيّة من العالم منذ زمن بعيد. لم يعد أحفاد وأولاد أحفاد الإسرائيليين لكلارا وإدل من برديتشيف، الذين قدموا إلى البلاد في عشرينيات القرن المنصرم، وكذلك نسل أخوتهم السبعة الذين هاجروا في الوقت ذاته إلى نيويورك، لم يعودوا قادرين على إقامة علاقة ترتكز على شحنة هائلة من التراث المشترك والمحبة العميقة. لقد تحوّل فرعا العائلة إلى فرع "أمريكي" وفرع "إسرائيلي". يجب منح الفرص والوسائل للمجتمعين الساكنين على ضفتي المحيط لتعزيز وعي وشعور متبادلين بهدف تعميق الروابط بينهما. من أجل ذلك، لا مفرّ من مواجهة مستوى الوعي المنخفض في إسرائيل إلى حد يثير الرعب، فيما يتعلق بأسس الثقافة الأمريكيّة العالية، التي لا تعتبر منتجات استهلاكية لعامة الشعب فحسب، بل هي أيضا الآليات الفكرية الرئيسية التي بلورت النمط السياسي والاجتماعي الأمريكي، ومواجهة المشكلة المماثلة في قلة المعرفة في أمريكا فيما يتعلّق بالحياة والمجتمع في إسرائيل. يمكننا الاستعانة بالمفاهيم التي يخلقها الحوار بين المجتمعين كمحفّز لتغيير فكري واجتماعي ولخلق توجّه جديد ومبادرات تربوية على صعيد واسع. نحن نعتقد أنه يجب بدايةً تكريس الانتباه للفجوة الفكرية، الآخذة بالاتساع، بين الطرفين. سنطرح هنا خمسة فوارق أساسية يمكنها أن تشكّل نقطة انطلاق لتقييم بنيوي وللتحدث عمّا هو مشترك وما هو مفرّق بيننا وعن الحاجة إلى التفاهم. "شمشون المسكين" في عام 1968 كان نائب رئيس الأركان، آنذاك، عيزر وايزمان على أهبة الاستعداد لزيارة واشنطن لإجراء محادثات حساسة جدا حول صفقة طائرات الفانتوم – وقد كانت نقطة تحوّل تاريخية في العلاقات بين الدولتين بعد التغيّر الحاد في سياسة فرنسا وفرض الحظر على بيع الأسلحة إلى إسرائيل. وسأل عيزر وايزمان رئيس الحكومة، آنذاك، ليفي إشكول: "كيف عليّ أن أقدّم إسرائيل، هل أقدّمها كأمة ملاحقة من اللاجئين الذين يناضلون من أجل وجودهم في بيئة معادية وهم متعلقون بنوايا الولايات المتحدة الحسنة، أم أقدّمها كحليفة قوية يمكن الاعتماد عليها كشريكة استراتيجية؟. لقد كان في كل جملة من هاتين الجملتين قدر ما من الحقيقة وكذلك أفضلية تكتيكية. إشكول كعادتة عاد إلى لغة الإيديش التي تعلمها في بيت والده وقال له: قدّم لهم "شمشون المسكين". من الصعب العثور صيغة صائبة فيما يتعلق بالتوتر والتناقضات الداخلية حول الأسلوب الذي نعرّف فيه أنفسنا كشعب، والأسلوب الذي يعرّف فيه السكان اليهود في أمريكا وسكان إسرائيل أنفسهم أحدهما للآخر. يكثر يهود أمريكا من تعريف أنفسهم أمام الإسرائيليين من وجهة النظر "الشمشونية": أمريكا هي أكبر وأقوى جالية عرفها التاريخ اليهودي، أخذت على عاتقها مسؤولية التعامل الأكثر عمقاّ مع تصريح الحاخام يتس (إسحاق) غرينبرغ ومفاده أن إحدى العبر المستخلصة من الكارثة هي أن قلة الحيلة هي وضع غير أخلاقي. أقسم يهود أمريكا، كمجموعة، بأنهم لن يكونوا قليلي الحيلة أكثر من ذلك، وأنهم مصرّون على التصدي للأعداء والدفاع عن أنفسهم. صحيح أنه، خلافا لإسرائيل السيادية، القوة اليهودية الأمريكية ليست عسكرية ولكن فيها نوعاً من رد الفعل المشابه لرد فعل إسرائيل على العبر المستخلصة من القرن العشرين. كذلك فإن اليهود الأمريكيين سيروون لأبناء أعمامهم الإسرائيليين أن الجالية الأمريكية هي إحدى أكثر الجاليات إبداعا في التاريخ اليهودي. وعلى طريقة "شمشون" يوجد بينهم آلاف الطلاب الجامعيين ومئات المحاضرين الّذين يفاخرون بإحياء الإبداع اليهودي ويقولون بثقة (وهو أمر يغضب الكثير من الإسرائيليين)، أن التوجّه الصهيوني الكلاسيكي بشأن استنكار المهجر وتلاشيه غير صحيح بالنسبة لأمريكا.
بالمقابل، يتلقّى الإسرائيليون رسائل كثيرة من يهود أمريكا، عندما تختار تقديم نفسها في دور "المسكين". يتخوف اليهود الأمريكيون من مغبة ألا يكون لديهم أحفاد يهود عندما يحين الوقت. إنهم قلقون بصوت مرتفع من مؤثر الطمس والتوحيد من قبل المحدلة الثقافية الأمريكية. تقلقهم مسألة فيما إذا كان الأحفاد الذين سيتشبثون بهويتهم اليهودية، سيبدون كذلك التزاما تجاه الشعب اليهودي عامة، أو أنهم سيعتبرون أنفسهم يهودا وفق المفهوم الديني-الأمريكي الواضح، من دون العنصر الموحّد لليهود كشعب. بمنظار "المسكين"، يعبّر اليهود الأمريكيون عن تخوفهم من كونهم فئة أقلية، وفي الجيل الأخير فئة، حصّتها النسبية من عدد سكان الولايات المتحدة صغيرة (أقل من 2% في أيامنا هذه). في أكثر من مرة، يتعجب الإسرائيليون من أن جزءا كبيرا من حياة الجالية اليهودية الأمريكية ومن مؤسّساتها يتم تعريفه على أنه "عمل دفاعي" (Defense Work). ردا على السؤال "هل تعتبر معاداة اللاسامية في الولايات المتحدة اليوم مشكلة خطيرة جدا، مشكلة، أو أنها ليست مشكلة بتاتا؟" الذي طُرح في إطار "استطلاع الرأي العام اليهودي الأمريكي" لعام 2003، أجاب 37% من الذين سُئلوا أنهم يرون في معاداة السامية مشكلة خطيرة جدا، 60% اعتبروها مشكلة و 3% فقط تطرقوا إلى المسألة بعدم اهتمام. يُسمع لدى الطرف الإسرائيلي خليط من الرسائل المشابهة والمثيرة، وملخصها: "نحن أقوياء، لسنا يهوداً كما كنا ذات مرة، بل يهود لهم جيش. يمكننا محاربة أعدائنا بصرامة... ولكننا نحن أيضاً نعاني، حساسون ونحتاج إلى مساعدتكم". اليهودي الأمريكي الذي يزور إسرائيل في هذه الأيام يسمع من الإسرائيليين مراراً وتكراراً تعابير الشكر على مجيئه. لاصقات في الحوانيت الواقعة في المركز التجاري بن يهودا في القدس تعلن عن تخفيضات خاصة للضيوف الشجعان. الرسالة هي: "نحن نحتاج إلى حضنكم الدافئ، لأننا وحيدون هنا. نحن بحاجة إلى التعبير عن المحبة، لأننا نعاني (كما كتب ذلك البروفيسور أمنون روبنشطين) من قلق التخلي". إذن، فإن التحدي الرئيسي هو الحذو بالإسرائيليين واليهود الأمريكيين إلى الإدراك بأن أسلوبي إنعام النظر وطرح المسائل هما حقيقة: هنا وهناك أيضا توجد لشمشون طريقة لم يسبق لها مثيل. رغم ذلك فإن قلق الـ "المسكين" له أساس من الصحة وهو جزء من المجريات لدى المجتمعين. لكل من الوظيفتين أسلوب حديث خاص بها، يستوجب ردا ملائما. من يتعامل مع المخاوف الإسرائيلية من منطلق نفوذ اليهودية-الأمريكية السياسي والإعلامي، والممارسة العسكرية-الأمنية أنها أمر لا ينتطح فيه عنزان، يفقد محاوريه الإسرائيليين؛ ومن يتحدث كإسرائيلي "متوّج بالنصر" عن القلق اليهودي- الأمريكي ويتشبّث بالشعارات الصهيونية التقليدية (التي تعود جذورها إلى التجربة في مركز أوروبا في بداية القرن) لن يعرف كيف يعبّر عن نفسه تجاه يهود الولايات المتحدة. الدين كما يراه اليهود في إسرائيل وكما يراه اليهود الأمريكيون توجد في إسرائيل حركة سريّة من مؤيدي المرحوم شايكي أوفير، حيث يعرف أفرادها كيف يقتبسون شفوياً المونولوج الكفء عن معلّم اللغة الإنجليزية في مدرسة عربية (الذي لربما لم يعد إسماعه اليوم "ملائم من الناحية السياسية")، وفيه الجملة الفصل: "مونولوج، تعني one person talking to himself، ديالوج:two people talking to themselves". من يمعن النظر بالتوترات الحاصلة بين اليهود الأمريكيين واليهود الإسرائيليين حول قضايا الدين (مثلا "من هو اليهودي") سرعان ما يكتشف مدى دقّة التعريف. يكمن تفسير الفرق في النظرة إلى الدين بين يهود أمريكا ويهود إسرائيل في التأثير الخاص للمسيحية البروتستانتية على ثقافة الولايات المتحدة. بمنظور تاريخي، قام البروتستانتيون، وما زالوا يقومون، بوظيفة ريادية في ترسيخ هوية الولايات المتحدة. بشمولية كبيرة، تكمن إحدى أبرز خصائص المسيحية البروتستانتية في ميلها إلى وضع الفرد بمكانة المفسّر والمفتي، ومنحه نسبة كبيرة من الحرية حين يبلور الحقيقة الدينية الخاصة به استنادا إلى الكتب المقدسة. تختلف الأمور، في معظم الأحيان، في الدول الكاثوليكية أو المسلمة المحضة التي تلعب فيها الهرمية الدينية دورا حاسما في تحديد المعتقدات. يُحدث الفرق الثقافي الهائل النابع من ذلك بلبلة في المصطلحات وأهمّ القيم الأساسية، حين يتطرّق الإسرائيليون واليهود الأمريكيون إلى مواضيع متعلقة بالدين. يمكننا القول، بتحفّظ ما، أنه بهدف فهم يهود الولايات المتحدة، علينا النظر إليهم وكأنهم اجتازوا عملية معيّنة من "البروتستنتية" الثقافية: إنهم يفكرون بمصطلحات الفرد كمُصدر(ة) للفتاوى بموضوع الحقيقة الدينية الخاصة به. يمكن القول، عند الدمج الساخر بين المصطلحات الانشطارية-للوهلة الأولى، التي كانت قيد الاستخدام في بداية القرن المنصرم (قبل أن تورّطنا بمصطلح "علماني" المثير للمشاكل)، يمكن القول أنهم "متحررون" و "متدينون" في نفس الوقت. يميل اليهود الإسرائيليون – وحتى أكثر العلمانيين منهم – إلى التفكير بالدين بمصطلحات المعرفة الخاصة الموجودة تحت تصرّف الهرمية، التي تعرف كيف تفسّر وتطبّق هذه المعرفة بشكل صحيح. يفاجئ اليهود الأمريكيون من التيارات غير الأرثوذكسية حين يقابلون مثقفين إسرائيليين "علمانيين إلى حد التعصب"، يوبّخونهم لكونهم غير "أصائل" بما فيه الكفاية. نشهد هنا عمل طراز لتنظيم اجتماعي-عقائدي مختلف جدا عن عالم الأمريكيين، ولا عجب في ذلك: الحركة الإصلاحية البروتستانتية تخطّت تماماً معظم بلاد منشأ القادمين الجدد الذين قدموا إلى إسرائيل في الأجيال الأخيرة. من هم رفاق درب الإسرائيلي العلماني؟ إحدى نتائج تحقيق الصهيونية هي إبداع إسرائيلي خاص من الثقافة العلمانية ولغتها اللغة العبرية؛ ثقافة تعود إلى الجذور، مليئة بالحياة والإبداع. يمكن للهوية العلمانية في إسرائيل أن تكون حقاً طريقة إبداعية لتحقيق الهوية اليهودية. في أمريكا، بالمقابل، فشلت الخيارات العلمانية الواضحة خلال شق طريقها. لم ينجح يهود أمريكا في خلق ظاهرة ثقافية واسعة، متجددة ونامية، تكون يهودية وعلمانية "بعمق". في النصف الأول من القرن العشرين كانت ما تزال هناك في أمريكا ثقافة ثرية بلغة الإيديش، حيث اصطحبها مهاجرو شرق أوروبا معهم. لم ينجح هؤلاء في إكساب أولادهم ثقافتهم (رغم أنه قد تبقى لديهم شيء من الراديكالية الاجتماعية التي ترافقت بها). يجب الاعتراف أن الثقافة العلمانية "العامة" في الولايات المتحدة لها جاذبية كبيرة، وحين تكون في أوجها فهي غنية ومليئة بالقيم. لقد انجرّت الهوية اليهودية العلمانية من خلفها، وذلك لأنه يصعب، على ما يبدو، في أمريكا الإجابة على السؤال "ما الفائدة من أن تكون يهودياً" (أو "ما الفائدة من أن تكون يهودياً بالذّات") دون وجود عنصر ديني معيّن. بغض النظر عن مستوى التنفيذ الشخصي للوصايا، فإن الكثيرين من يهود أمريكا يعرّفون هويتهم بمصطلحات دينية؛ فلولا الصلة الدينية، لماذا يقيّدون أنفسهم بالهوية اليهودية؟ الكثير من القيم في الثقافة العلمانية الأمريكية تمنح الإنسان قوة كفرد: يمكنه أن يحيى حياة مليئة بالمعاني استناداً إلى ما هو مكتوب في استهلالية إعلان الاستقلال للولايات المتحدة، عوضا عن صلاة "شماع يسرائيل". النظر إلى الواقع اليهودي في أمريكا بمنظار إسرائيلي علماني يمكنه، إذن، أن يشوّه الصورة. لا يواجه العلمانيون الإسرائيليون صعوبة في فهم رفاق دربهم العلمانيّ بين أوساط يهود أمريكا فحسب، بل من الصعب شرح ما هو وجه اختلاف المنافسة بين التيارات "الدينية" في الولايات المتحدة، بمصطلحات إسرائيلية، عن اللا كهنوتية "للمتحررين" في إسرائيل. ماذا تقصدين بقولك "الدين والدولة"؟ هناك نمطان ثوريّان، من الناحية العملية، يتنافسان أحدهما مع الآخر بكل ما يتعلق بتعريف العلاقة الجميلة بين الدين والدولة. أحدهما ينتمي إلى قيم الثورة الفرنسية وإلى المواقف التقليدية للمعسكر الراديكالي الأوروبي، التي وضع كارل ماركس نظريتها الأساسية في مقاله "مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيغل": " إن الدين هو حسرة المخلوق المضطهد، إنه روح عالم بلا قلب، ولبّ الجمود اللا روحي وإنه أفيون الشعوب". من الناحية الجوهرية، يعرض هذا النمط الدين بحد ذاته بضوء سلبي: كتهديد لحرية بني البشر وحقوقهم. وكما المخدّر المسبب للإدمان، يلزمنا الدين بتقييده والحد من تأثيره؛ على الدولة، للمصلحة العامة أن تكون أقوى منه. بالمقابل، من وجهة النظر الأمريكية المؤيّدة لوجهة نظر "الآباء المؤسسين"، فإن الدين معروف بتأثيره الهام والإيجابي على المجتمع. إلكسيس دي-توكفيل، خبير العلوم السياسية، المؤرخ والسياسي الفرنسي الذي اعتاد رؤية الكنيسة عدواً لدوداً للجمهورية، قد تفاجأ من تعامل الأمريكيين مع الأمور. كتب دي- توكفيل في كتابه "الديمقراطية في أمريكا"، الذي نشر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر: لا يتدخل الدين لدى الأمريكيين بشكل مباشر في النظام الاجتماعي، إلا أنه رغم ذلك علينا النظر إليه كأهم مؤسسات الدولة لديهم، فحتى لو لم يكن يمنحهم طعم الحرية، إلاّ أنه يساعدهم بشكل خاص على استخدامها. من هذا المنطلق يحترم الأمريكيون ذاتهم المعتقدات الأمريكية. لا أعلم إذا كان جميع الأمريكيين يؤمنون بدينهم، فمن سيقوم بفحص القلب والكلى؟ ولكنني متأكد من أنهم يؤمنون بضرورة وجوده لبقاء المؤسسات الجمهورية. يجب عدم إسناد هذا الرأي إلى مرشّح معيّن من المواطنين أو إلى حزب معيّن، بل يجب إسناده للأمة كلها، فهو سائد في جميع الأوساط" (إلكسيس دي توكفيل، "الديمقراطية في أمريكا"، ترجمة يوحنان طفريسكي ويسرائيل مرغليت، أورشليم القدس، مؤسسة بياليك 1970، صفحة 110-111).
لعدة أسباب متنوّعة، ضرب النمط الثوري الفرنسي جذورا له في إسرائيل، حيث لا يفهم الإسرائيليون النمط الأمريكي. لقد أدت إقامة مؤسسات دينية تديرها الدولة اليهودية بشكل رسمي إلى خلق مؤسسة "كنيسية" يهودية بالأسلوب الذي فهمه آباء المؤسسين الأمريكيين. توجد في إسرائيل هرمية وطنية من الحاخامين الكبار بمستويات مختلفة - قطري، بلدي، قروي، حييّ – توازي من ناحية أداء وظائفها المبنى الإداري للتيارات المسيحية. يواجه الإسرائيليون، إذن، صعوبة في الإدراك أن فصل "الكنيسة" عن الدولة – وعلى وجه التحديد، إبعاد المؤسسة الدينية عن السلطة – يكون لصالح الدين. إنهم يفاجئون عند اكتشافهم أن المجتمع الأمريكي هو مجتمع متديّن جداً: 80% من سكان الولايات المتحدة أجابوا في استطلاعات الرأي أنهم يصلّون بشكل دائم، 40% قالوا أنهم يقرأون الكتاب المقدس بشكل دائم، وأكثر من 45% قالوا أنهم يصلّون بشكل دائم في مكان ما معدّ للصلاة. بالمقابل، يرى اليهود الأمريكيون (والعديد من الإسرائيليين) البنية الحالية للعلاقات بين المؤسسة الدينية والسلطة في إسرائيل على أنها تحمل في طياتها كارثة. يعبّر العديد من المراقبين عن قلقهم حيال التّصدّعات الدينية التي تمزّق الجمهور اليهودي-الإسرائيلي اليوم. يتجسّد الارتباك وتشويش النماذج بشكل واضح في محاولة اليهود الأمريكيين دعم الإسرائيليين المنتمين للتيارات اليهودية غير الأرثوذكسية. على سبيل المثال، يعمل مركز التعددية الإسرائيلي، وهو من تأسيس الحركة الإصلاحية، على تطبيق نوع الترتيبات الخاص بالمؤسسة الأمريكية المشابهة له، Religious Action Center التابعة للحركة الإصلاحية في واشنطن، والتي تناضل بضراوة ضد هذه الترتيبات في أمريكا. توجه أعضاء المركز إلى المحكمة العليا في إسرائيل بهدف الحصول على تمويل حكومي للمؤسسات التربوية وللكنس التابعة للحركة. من غير الواضح إذا كان الإصلاحيون الإسرائيليون الذين يقابلون زملائهم الأمريكيين يدركون بأن ما يحاولون التوصل إليه في إسرائيل سيعتبر في أمريكا تصرفا رجعيا جدا ومسّاً بالمبادئ الأساسية المعمول بها على الساحة الأمريكية (حتى وإن كان الأمر متعلقا بمساعدات فدرالية لتمويل الحراسة في مؤسسات تربوية يهودية، فقد قامت ضجة بسبب المس بمبدأ الفصل بين المؤسسات الدينية والسلطة). الهوية بمحض الاختيار والهوية كمصير يولي الأمريكيون أهمية كبرى لحق الفرد في خلق هويته مراراً وتكراراً خلال حياته. تكون هويتنا، إلى حد كبير، تعبيرا عما نختار استثمار أنفسنا من خلاله. أدرك دي توكفيل، وهو جهبذ التمييز الدقيق، المدى الكبير للتجذّر العميق للإرادية في الثقافة الأمريكية. تشوّش الهوية بمحض الاختيار التكاثف الديني والعرقي، ذلك لأنها تُنتج قوى مضادة تصعّب أمر تطبيق القوانين الدينية بين أوساط جمهور المؤمنين: هم غير ملزمين بالبقاء في الكنيسة أو في الكنيس، إذا لم تعد هذه الأماكن تروق لهم. يعترف المجتمع الأمريكي ويقدّر القرار الذي يتخذه الأمريكيون حين يتخلون عن الدين الذي لم يمنحهم الاكتفاء ويخرجون للبحث عن خيارات روحانية أخرى. هذا يعني أن أي دين يتنافس بشكل حرّ في سوق المعتقدات. غير أن الإرادية تسهم إسهاما كبيرا في تكتل المجموعة: من يشارك بمحض إرادته، واختياره اختيار حرّ، يكون لديه إحساس قوي بالانتماء إلى هويته الدينية. الهوية في إسرائيل، كما هي الحال في جزء كبير من بلاد العالم، هي موضوع مصيري بشكل كبير ولا تنجم عن اختيار. تأثير الهوية الدينية التي يُنظر إليها كـ "مصير" هي بعكس الاختيارية في الحياة الدينية. إنها تقوّي التكتل وذلك بانعدام وجود خيار بسيط لترك الدين، وقد تحوّلت الهوية اليهودية إلى مؤشر دائم – رغم أنه في بعض الأحيان خاو من المضمون- للحياة. في الوقت ذاته يكون الانتقال إلى شريحة ضيقة نسبيا في المجتمع اليهودي، الإحساس بالملكية والاستثمار الذاتي في الهوية اليهودية الدينية، في بعض الأحيان ضعفاً وحتى يكاد يكون معدوماً. ينطبق هذا الأمر، نوعا ما، حتى على المتدينين الأرثوذكسيين الذين يكون حاخاموهم عمليا موظفين في الدولة. هذه المسألة تعرقل الحوار. يعتقد سياسيون وحاخامون في إسرائيل أنهم في محاولتهم تحديد "من هو اليهودي" فإنهم يجسّدون الواقع اليهودي كما يفهمونه. إنهم يبحثون عن إجابات قديمة على السؤال: من هو الذي قُدّر له أن يكون يهوديا، في وقت يرى فيه يهود أمريكيون القانون المدني، الذي من شأنه أن يحدد هوية الفرد، غير شرعي أصلا من الناحية النظرية ولا يمكن تطبيقه من الناحية العملية. أكثر الفروق حدة: مسألة الضحية والثمن في الهوية اليهودية ينتمي معظم اليهود الأمريكيين إلى أبناء بلادهم الذين يرون عالم مصطلحات القتال في ميدان المعركة، دفع الدماء كثمن والتضحية في المعركة أمر غريب عليهم وعلى تجاربهم الشخصية. يقدم شبيلبرغ – نابغة حقيقي في وصف التجربة الأمريكية - في السيناريو الافتتاحي من فيلم "إنقاذ الجندي ريان"، رجلاً طاعناً في السن يخطو بعزم وبنشاط داخل مقبرة جنود أمريكيين في نورمندي. من يدقق في مشاهدة السيناريو يلاحظ أن الرجل الهرم يمشي بمفرده؛ أبناء عائلته يمشون خلفه على مسافة قصيرة منه. تكمن هنا، بشكل مصغّر المشكلة الأمريكية فيما يتعلق بالتضحية من أجل الوطن: أمريكي يمثل جيلاً كاملاً يبقى، عملياً، لوحده في مجابهته الخسائر. منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حالف الحظ يهود الولايات المتحدة، مثلهم مثل سائر الأمريكيين، لم تحتج الجمهورية، لسنوات طويلة – ثلاثة أجيال تقريبا – إلى تجنيد كامل لكل المؤهلين للخدمة. إن من يدير اليوم الحرب ضدّ الإرهاب والحرب في العراق هو جيش مهني يرتكز على الخدمة مقابل الأجر، وعدد الخسائر – رغم الأسى والألم – قليل نسبيا مقارنة بعدد السكان الأمريكيين. نتيجة لذلك لا يوجد في إدراك يهود الولايات المتحدة الثقافي عنصر بارز من التضحية الذاتية يعزز هويتهم كأمريكيين أو كيهود. يميل اليهود الأمريكيون إذن إلى البحث عن التقرير الذاتي - وبما في ذلك إدراك معنى اليهودية - ليلبي احتياجاتهم في البحث عن إطار جذاب يُفرح القلوب ويثير التفاؤل. بالمقابل، فإن مسائل الخسارة، التضحية والنضال، بإيجابياتها وبسلبياتها، متجذرة في الهوية اليهودية الإسرائيلية. لقد كرّست إسرائيل – المتواجدة في حرب تكاد تكون مستمرة – بطبيعة الحال، حتى في سنوات ما قبل إقامتها، كرسّت معظم مواردها للنضال بهدف البقاء. يصعب على اليهود الأمريكيين فهم تأثير هذا الواقع على الهوية اليهودية الإسرائيلية. إذا كان سنهم أقل من 80 سنة فمن شبه المؤكد أن ليس لديهم أي تجربة شخصية تمنحهم تشبثا شعوريا فيما يتعلق بماهية الخسارة والتضحية الشخصية، ومكانتها في الهوية الإسرائيلية. عندما يلتقي اليهود من كلتا ضفّتي المحيط الأطلسي، لا يكاد يُطرح هذا الموضوع. يرى الإسرائيليون فيه أمرا شخصيا وداخليا جدا. لمعظمهم ارتباط مؤلم بيوم ذكرى شهداء جيش الدفاع الإسرائيلي - ولضحايا العمليات الإرهابية: يمكن لمعظمهم، إذا قمت بالإلحاح عليهم، أن يذكروا اسما، أن يتذكروا وجه صديق، زميل، قريب، جار. هذا الإحساس مغموس لدى طبقات عميقة في المجتمع الإسرائيلي، إلى حدّ لا يُطرح فيه هذا النوع من الحديث عند التحدث مع أشخاص لا ينتمون إلى دائرة الأصدقاء المقرّبين. أما بالنسبة لليهود الأمريكيين فإن هذه المصطلحات غير موجودة لديهم "على شاشة الرادار". سيفاجأ الإسرائيلي الذي يحاول البحث عن الشعور بالذنب لدى اليهودي الأمريكي، من خلال افتراضه بأنه يدرك الإحساس "أننا ندفع دماءنا وأما هم فيدفعون المال فقط"، سيفاجأ عندما سيكتشف انعدام وجود هذا الإحساس بالذنب وعدم إدراك التوقعات بأن يحسّ بها. إذا قمنا، عن سابق معرفة، بتطوير أحاسيس وإدراك فكري فيما يتعلق بالفروق بيننا، حينها فقط سنتمكن من إكساب الأجيال القادمة الوسائل الضرورية ليتصرفوا كمواطنين في المجتمع اليهودي الشامل. يدور الحوار الإسرائيلي الداخلي حول مسائل مثل "تحمّل المخاطر من أجل السلام"، رفض الخدمة في المناطق المحتلة وبناء الجدار الفاصل، بين أشخاص يوحّدهم الإدراك الأساسي بأنه من المحتمل أن يُطلب منهم دفع الثمن كاملا - شخصيا وعلى الفور - إذا أخطئوا في تقديراتهم. بالمقابل، يدور الحوار في أمريكا حول مواضيع مثل تأهيل النساء ومثيلي الجنس في الحاخامية، الزيجات أحادية الجنس وكذلك صورة إسرائيل في وسائل الإعلام الأمريكية – بين أشخاص يوجد بينهم تفاهم بديهي، يرتكز على الافتراضات الأساسية الثقافية لديهم بصفتهم من أبناء التراث اليهودي-الأمريكي، القاضي بأن على اليهودية – والدولة اليهودية – أن تكون ذات قيم أخلاقية وجذابة تجاه الداخلين إليها، كجزء من سوق الأفكار الحر الخاص بالعالم اليهودي الأمريكي. هذان النوعان من الحوار اليهودي، المختلفان من ناحية النمط الأساسي فيهما، آخذان في الاغتراب أحدهما عن الآخر والانغلاق تجاهه. إن التحدي الذي من الواجب مواجهته هو جعل الحوار الإسرائيلي والحوار اليهودي الأمريكي مفهومين الواحد للآخر. حتى وإن لم نرغب في التشبّث بالتوجه الرؤيوي فيما يتعلق بمستقبل الشعب اليهودي (مدرسة "يا للويل" بتفرعاتها)، ما زال يوجد مكان لذكر المقولة التي قالها في حينه الثوري الأمريكي بنجمين فرانكلين عند التوقيع على وثيقة الاستقلال الأمريكية: "أو أن نكون متعلقين أحدنا بالآخر، أو أننا سنكون بالتأكيد معلقين أحدنا إلى جانب الآخر".
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |