العدد 24 | تشرين الأول - تشرين الثاني 2004

"الانفصال الروحاني بات هنا"
يغئال أريئيل

"

 الراب يغئال أريئيل: "ألا يفزع قلب الصهيوني المتدين عندما تقتل طفلة في رفح؟"

 

 

"الصهيونية المتدينة وصلت إلى طريق مسدود. لقد دُمرت آليات نشاطها السياسي، وهي تقف الآن مفتتة ومنقسمة بين اليمين واليسار، بين التزمّت والتحضّر، بين المعتدلين والمتشددين، وتقف معدومة القدرة على التأثير. إنها تواجه أسئلة صعبة: ماذا ستفعل إن وقع، لا سمح الله، أسوأ الأمور؟ إلى أين ستتجه؟ هل ستعاقب نفسها وتقف في الزاوية ووجهها باتجاه الحائط؟" الراب يغئال أريئيل من نوف يحلل العمليات التي عزلت الجمهور المتدين في يهودا والسامرة عن الشرائح الواسعة في الجمهور الإسرائيلي، ويناشد الصهيونية المتدينة بعدم اليأس

مواجهة روحانية
نحن نقف على مفترق حاسم يمكن أن يُقضى فيه على المشروع الاستيطاني لجيل كامل، ويُحدد فيه اتجاه تطور الدولة المستقبلي. لا نعرف كيف ستتطور الأمور. منذ المصادقة على خطة الانفصال، حدثت في منطقتنا تغيّرات كبيرة، ومن المحتمل أن تنجلي، حتى موعد تنفيذها، مساوئ هذه الخطة وألا تخرج إلى حيز الوجود. ولكن رغم أن جميع الإمكانيات ما زالت متاحة، فليست كل الأمور قابلة لأن تعود كما كانت عليه. لقد كشفت خطة الانفصال الفعلية عن انفصال روحاني ونفسي عن القيم التي يمثلها الاستيطان. وحتى إذا لم تخرج الخطة، في نهاية الأمر  إلى حيز التنفيذ، فإن الانفصال الروحاني قد بات هنا وهو ينخر في ركائز الشرعية القانونية، الأخلاقية، الشعورية والقيمية للاستيطان في أرض إسرائيل.

بالرغم من أن جيلنا حظي بسماع صوت رفرفة أجنحة الخلاص وتخيلنا أنه بات وشيكًا، فمن الواضح أن الأمور قد تعقدت وأن شعب إسرائيل لم يسارع في تقبّلها. لقد أصبحت الأمور أكثر تعقيدا وعلينا الاستعداد لعملية أطول، أشمل، أعمق وأكثر روحانية.

وبالفعل، فإن الاستيطان في يهودا والسامرة كان في أساسه مقولة روحانية. لم يأت جوهره على أجنحة الانتصار الباهر في حرب الأيام الستة، بل جاء في أعقاب الأزمة والتراجع الروحانيين بعد هذه الحرب. الشعور بالغم المؤدي للشلل، الذي ألم بالجمهور وهدّد كافة التحديات الوطنية، مثل حافزًا لتأسيس غوش-إمونيم، كحركة من شأنها أن تبعث الأمل في الشعب وتنعش روحه وتذكره بهدفه وبأنه محق، وتثبت، عن طريق تجسيد قدوة للتفاني، بأنّ التشبث بالأهداف ليس مستحيلا.

غير أن اليسار أيضا قد تحول إلى حركة روحانية. وقد بدأ يُنظر إلى معارضته للاستيطان كزينة سطحية ولّدتها الراحة والاكتفاء، نتيجة لضعف الإيمان والابتعاد عن الأيديولوجيات الوطنية. إلا أن نواته الأيديولوجية قد فاجأت الجميع بثباتها. لقد اتضح بأن أساس معارضته أكثر عمقا ويعبر عن حس أخلاقي فيما يتعلق بمعاناة الفرد وتشبث بحلم السلام.

 

 

لقد تحول اليسار أيضا إلى حركة روحانية. وقد بدأ يُنظر إلى معارضته للاستيطان كزينة  سطحية ولّدتها الراحة والاكتفاء، نتيجة لضعف الإيمان والابتعاد عن الأيديولوجيات الوطنية. إلا أن نواته الأيديولوجية قد فاجأت الجميع بثباتها. لقد اتضح بأن أساس معارضته أكثر عمقا ويعبر عن حس أخلاقي فيما يتعلق بمعاناة الفرد وتشبث بحلم السلام.

 

علينا النظر إلى الأمور بنظرة أكثر تعمقًا. لقد بقي اليسار في بيته ولم يعدو على التلال، بل كرس نفسه للنشاط الإعلامي المتواصل. وقد تمت بلورة دستور كامل وفق أنماط تفكير تيار اليسار الدولي وتيار ما بعد الحداثة، ونشأت لغة تبنت قاموس المصطلحات الخاص بمنظمة التحرير الفلسطينية. نشط اليسار في كافة مراكز الفكر في البلاد، فقد احتل الحياة الأكاديمية، وبدأ  هناك بتقويض أسوار الوجود اليهودي والصهيوني في البلاد من منطلق علمي وتاريخي؛ لقد هيمن على كافة أفرع الثقافة والفنون والمسرح والأدب والرسم والموسيقى والكتابة الشعرية. رجالات الإعلام نشرت أفكاره في كل مكان وزمان، وحددوا نبرة الخطاب العام. جيل كامل تربى على هذه الأفكار، ولا عجب في أنها قد تأصلت، مع مرور السنين، واحتل مكانة حزب عمال أرض إسرائيل "مباي" المُحبط الذي تمت تنحيته عن السلطة؟

انفصال عن الشعب
لو تمت المواجهة بين الحركتين من الناحية الروحانية، لكان من الممكن أن يعود ذلك بالفائدة على الشعب في إسرائيل. إلا أن الصهيونية المتدينة قد اختارت اتخاذ خطوة معاكسة، وهو أمر يثير العجب. رجالات التوراة، التربية والاستيطان، الذين أسّسوا غوش إيمونيم، رغبوا في التنافس على قلب الأمة وروحها. وقد حوّل ورثتهم مركز الاهتمام إلى المجال العملي وحاولوا حسم الأمور بقوة عزيمتهم وقدرتهم التنظيمية، التنفيذية والاستيطانية. الحركة التي كان من شأنها أن تكون جد روحانية، ظهرت في نهاية الأمر للجمهور الواسع في المجال المادي فقط.

لقد خطت الصهيونية المتدينة خطوة جغرافية أيضا. فقد تم الاستيطان في يهودا والسامرة باسم شعب إسرائيل كله ومن أجله، إلا أنه حيال عدم تجاوب الجمهور كله مع هذا التحدي، فقد تم تنفيذ معظمه على يد الصهيونية المتدينة وحدها. وبالتالي أدى ذلك إلى اختلال التوازن، فقد بقي المسنّون الأثرياء في المدن وأما الجماهير الشابة، الديناميكية والفعالة فقد انتقلت إلى يهودا والسامرة. أزواج شابة وجدت في الاستيطان الجديد حلا لضائقتها السكنية. لقد اتضح أن هذه الظاهرة الديموغرافية كان لها تأثير بعيد المدى: فقد عزلت الصهيونية المتدينة وميزتها عن عامة الجمهور ومشاكله، ومن جهة أخرى، حوّلت مصير الاستيطان في يهودا والسامرة وغزة من شأن إسرائيلي شامل إلى مصلحة فئوية ومحلية.

لقد تجسدت الفجوة التي نشأت بين جمهور المستوطنين وبين الجمهور عامة مؤخرا في استطلاع منتسبي الليكود بالذات. لقد خرجت مجموعات كبيرة منا إلى بيوت المنتسبين وإلى ساحات المدن واستكشفت فجأة الشعب في إسرائيل، ووجدت أنه يعيش في الضواحي وفي مدن التطوير ويواصل إدارة حياته القاسية والمعقدة.  وبالفعل، قد نجحنا وعاد الزملاء وهم يشعرون بالإعجاب الذاتي من أنّهم تواصلوا بالشعب. إلا أن الاستفتاء قد انتهى فعاد الزملاء إلى بيوتهم، غير أن الجمهور بقي مع مشاكله وبالتالي أصبح الانفصال أبرز وأعمق.

وقد أدّى الانفصال الجغرافي أيضا إلى انفصال فكري وعزّز الانغلاق الروحاني، تزمّت ديني إسرائيلي يقوم على أساس الانفصال عن العالم الروحاني الخارجي والتملّص من المواجهة الحقيقية مع فلسفته ومع لغته ومفاهيمه ومع إنجازاته العلمية والفنّية والأدبية، ومع وسائل التعبير خاصته. كان من شأن هذا الانغلاق أن يؤدّي إلى ازدياد في التوجه إلى التوراة ولكن يبدو أنّه لم يُسفر سوى عن التقلص وضيق الأفق. قلائل هم الذين يعبّرون عن آرائهم من منطلق البلوغ والتعمّق، غير أنّ الكثيرين منهم يقتبسون أقوال العلماء اقتباسا سطحيا كما هي دون فهم رموزها، ترجمة معانيها إلى المفاهيم الآنية.
حتى دراسة التوراة لا تتم في نطاقها الواسع ورؤيتها الشاملة وعمق حسها الأخلاقي ونظرتها الإيجابية المحبة. لقد فتح حضرة الحاخام ينبوع الإبداع والابتكار ورغب من صميم قلبه أن ينشئ جيلا من الأدباء المتديّنين وشعراء اللغة المقدّسة ليتحدثوا بلغة الجيل المعاصر ويحلوا مشاكله. إلا أن ما يحدث لدينا هي عملية معاكسة: نحن نتكلّم مع أنفسنا فقط، ونعيد كلام الحاخام حرفيا ونفسّره بلغة غامضة مبطنة لا يفهمها أحد سوانا.

ردّ صهيوني ديني
ظلّت الصهيونية المتديّنة ببعض المتحدثين باسمها والشعارات والملصقات، دون أن تتواجد فعلا في إطار الخطاب العام. لقد يئست وتنازلت عن محاولاتها في خلق ردّ روحاني لائق على الصعيد الوطني للأسئلة الماسّة المطروحة على بساط البحث. إنها لأسئلة صعبة ومن غير السهل الردّ عليها بشكل منطقي مقنع؛ من الصعب طرح مفاهيم تتعلّق بالإيمان على جمهور غير مؤمن، على جيل ليست لديه حقيقة مطلقة وقيم واضحة. فكيف من الممكن توثيق روابط الأمّة المبهمة وعديمة الهوية الآخذة بالتبلور هنا بجذورها اليهودية؟ كيف من الممكن تقريبها من التوراة؟ كيف من الممكن جسر الفجوة الثقافية الشاسعة بين أطراف المجتمع الذي يتكلم في الواقع بلغتين؟
من السهل أن نتقوقع على أنفسنا وأن نتعجب، لماذا لا يسارع الناس إلى قبول إجابة الحاخام شلومو إتسحاقي (راشي) حين قال: "إذا قالت شعوب العالم للشعب الإسرائيلي: إنكم لصوص لأنكم قد احتللتم بلادا تابعة لسبعة شعوب، فردوا عليهم: البلاد كلها تابعة لله عز وجل فهو خلقها وأعطاها من استحسنه". ولكن عندما يتفكك حتى اليمين ويتلاشى ما عدا عدد ضئيل من أعضاء حزب "حيروت" الكبار في السن الذين لا يزالون موجودين في صفوفه، فمن الواضح أن المسؤولية عن هذا الوضع تلقى على عاتقنا: لأنه دليل على أننا لم نكن هناك ولم نخلق بنية تحتية روحانية تساعده على وجوده.
لا يمكن للصهيونية المتديّنة، على ما يبدو، أن تبقى متوسّطة: إنها بحاجة إلى الضخامة والإيمان العميق والمعنويات العالية التي يجب ترجمتها إلى لغة الجيل المعاصر وصبّها في قوالب تعبيرية مختلفة تعرض تعاليم التوراة بشكل مفهوم، مثير ومقنع. لو كانت الأمور على هذا النحو لما كانت هناك إمكانية لتجاهلها حتى من قبل وسائل التعبير والإعلام العامّة. نشأت لدينا بدايات جديرة بالاهتمام، إلا أنّ مساهمتنا لا تزال محدودة وبإمكاننا أن نشير إلى مجموعة كبيرة من الأمثلة.

إنّ العودة إلى "خزانة الكتب اليهودية" (التوراة والتلمود وغيرهما من الكتب المدوّنة التي تتناول العقائد ونمط الحياة اليهودية) هي بمثابة مهمّة علينا قيادتها، لأن الجهل هو ألدّ أعدائنا. إلا أننا نواجه صعوبة في التعاطف مع الخليط بين الكفر والتوراة في نفس الوقت. في هذه الأثناء يقوم غيرنا بإنجاز أعمالنا: هناك عودة إلى النص المكتوب وإلى قصص الأحبار حتى وإن كان ذلك من خلال انتهاج أسلوب متجدّد وبوسائل أدبية تكشف عن المضامين الباطنة. لو كنا أهلا لذلك لما ظلّ للكفر مكان بيننا ولتحقق فينا شيئا مما قاله حكماؤنا رحمهم الله (حازال): "ليتهم تركوني وحفظوا شريعتي" (يشير هذا القول إلى الآية التالية: "وإيّاي تركوا وشريعتي لم يحفظوها" سفر أرميا 16/11).

من الممكن إتمام النقص في شرح الوعي الإيماني بواسطة الأحاسيس والتعاطف الشعوري. إلا أننا قد تخلّينا عن عالم العواطف وكأنّنا أصبحنا متحجّري القلوب. لا توجد لدينا وسائل فنّية وموسيقية للتعبير عما تصبو النفس إليه. لم نكلّف أدباء للكشف عن خفايا القلوب وليعمقوا في فهم حياتنا المركبة، وليسبروا غور أعماق النفس وتعقيداتها. البدايات القائمة قليلة جدا. لقد اتضح أنّ تديننا غير كاف لإزالة الحواجز وإدراك أن ذلك لا يُعتبر "إبطال التوراة" بل تنفيذ تعاليمها.
لقد صمتنا فيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية. هل يعني قبول المفاهيم الاقتصادية الرأسمالية السائدة اليوم، موافقة على تجاهل الطبقات التي تعاني من ضائقة؟ كان على طواقم من الحاخامين ورجالات الاقتصاد، ولدينا العديد من هؤلاء، أن يروا في الجلوس معا رسالة بهدف بلورة دعائم المساعدة الملائمة.
لماذا اتّفقنا على أن الأخلاقيات هي ميراث اليسار؟ ألا يفزع قلب الصهيوني المتديّن عندما تُقتل طفلة من رفح في طريقها إلى المدرسة، أو عندما ينكّل جنود بمسن عربي على الحاجز؟ نحن أيضا ندرك أن الاحتلال المتواصل من شأنه أن يؤدي إلى الفساد ومن غير الممكن الاستمرار فيه لوقت طويل. لماذا لم نبلور معيارا أخلاقيا دينيا واضحا منطقيا فيما يتعلق بالانتفاضة؟ لماذا لم نستوضح على أكمل وجه ماهية الوضع وتقييمه وإنّما سلّمنا بالغموض المشوّه الذي سيطر على الجمهور وعلى المحاكم والذي يعاني من خلط بين الظواهر الخاصة بالقواعد الأخلاقية العامة وبأخلاقيات الحرب وبين الشغب والجريمة التي تخص الأخلاقيات الشخصية، ولذلك فقدنا المعيار الذي يمكّننا من المحاربة دون أن نسقط في اللامبالاة الأخلاقية.

 

 

لقد صمتنا فيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية. هل يعني قبول المفاهيم الاقتصادية الرأسمالية السائدة اليوم، موافقة على تجاهل الطبقات التي تعاني من ضائقة؟ كان على طواقم من الحاخامين ورجالات الاقتصاد، ولدينا العديد من هؤلاء، أن يروا في الجلوس معا رسالة بهدف بلورة دعائم المساعدة الملائمة.

 


لننتقل من الأخلاقيات إلى التنفيذ. يسأل الجميع: "ماذا سيحدث؟" وينتظرون المعادلة السحرية. يعود اليسار ويقترح وهم السلام الذي تحطّم خلال أربع سنوات من الإرهاب بسبب قتل ألف شخص وعلو شأن مجد ثقافة الشهداء الفلسطينية. يجلس الجمهور المتزمّت دينيا جانبا ولا يتدخّل في المواضيع السياسية والأمنية: إنه يعتمد على المعجزات. الصهيونية المتديّنة حائرة، فهي تتّخذ موقفا ضدّ مشاريع مختلفة، تقوم بالمبادرات وتستوطن التلال، غير أنها تتملص من طرح حلول شاملة وبرامج بديلة. من الأجدى لنا أن نعترف بتواضع بأن الواقع معقد وليست هناك أية معادلة سحرية أو حلّ في المستقبل المنظور. ولذلك علينا أن نتصرّف بتواضع وبحذر وبإيمان بأنّ إله العالمين قادر على أن يخرج الخير والبركة من أحلك الظروف والأوضاع.

حركة روحانية
إنّنا نخطو نحو مواجهة صعبة. لا يمكننا بأي شكل من الأشكال أن نوافق على خطوة الانفصال الحمقاء والخطرة. غير أن من يعتقد أن من الممكن حسم مصير "غوش قطيف" بالقوّة، فهو مخطئ. هذا لن يحدث، فالاستيطان لن يكون إذا لم يقف شعب إسرائيل من وراءه. لقد أصبح الجمهور مشطورا بين اليمين واليسار، وكل القيم باتت نقطة اختلاف ومشكوك بها. لقد أبطل كل طرف تأثير الطرف الآخر، وجيل كامل يهدر قواه بلا جدوى. سيكون من السهل كسر الإطار الأخير الذي يثبت شرائح الدولة معا، وعندها لن يختفي "غوش قطيف" عن الوجود فقط بل سينجر كل شيء من وراءه إلى الهاوية.

الصهيونية المتدينة وصلت إلى طريق مسدود. لقد دُمرت آليات نشاطها السياسي، وهي تقف الآن مفتتة ومنقسمة بين اليمين واليسار، بين التزمّت والتحضّر، بين المعتدلين والمتشددين، وتقف معدومة القدرة على التأثير. إنها تواجه أسئلة صعبة: ماذا ستفعل إن وقع، لا سمح الله، أسوأ الأمور؟ إلى أين ستتجه؟ هل ستعاقب نفسها وتقف في الزاوية ووجهها باتجاه الحائط؟

لن تتمكن الصهيونية المتديّنة من مقاطعة الجمهور والتنحي جانبا لوقت طويل. لن تتمكن أيضا من التهرّب من التعامل مع القضايا الوجودية الروحانية المعقدة التي تحيط بنا.
هكذا، سبيل المثال، عرض رئيس الحكومة التهديد الديموغرافي على أنه تهديد يحتاج إلى أسرع رد فوري. إنه ينوي معالجته بواسطة الهروب من الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أن دولة إسرائيل الصغيرة ستضطر خلال عقدين أو ثلاثة عقود إلى مواجهة التهديد ذاته في عقر دارها. لا يمكننا الاكتفاء بانتقاد ما يفعله رئيس الحكومة فهذه ليست مشكلته بل مشكلتنا جميعا، مشكلة حقيقية وملحّة لن يحلّها عمل بهلواني مثل رسم الحدود، جذور هذه المشكلة أعمق ممّا يستعدون للحديث عنه. لقد أخلّت الثقافة العلمانية بالقيم العائلية في إسرائيل، فالشباب يتزوجون، إذا تزوجوا، في سن متأخّرة وقلما يثمر هذا الزواج عن إنجاب أطفال، لتكون النتيجة هي أن الجزء الرئيسي من الجمهور المتدين يضعف تدريجيا، ويكتشف الجمهور أنه لا يوجد جيل سينشأ من بعدهم، أحد الأولاد هاجر من البلاد وآخر لم يتزوج وللثالث ولدان فقط. يرى شارون بالتأكيد ذلك داخل عائلته؛ هذا مصدر اليأس والاستسلام، فمن سيتحمّل مسؤولية المهام الكبيرة؟

إن اضمحلال الجمهور اليهودي في البلاد هي نقطة في بحر أما التوازن الديموغرافي السلبي لدى الجاليات اليهودية في المهجر، فمعظمها سيندثر بعد جيل واحد. وحتى أكبر الجاليات وأهمها، وهي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، على وشك الاختفاء عن الخارطة في المستقبل المنظور. ماذا نفعل نحن بهذا الشأن، أنتشاجر على التلال؟!

علينا ألا نيأس، بمقدور الصهيونية المتديّنة أن تعود إلى صوابها ففيها الكثير من الحيوية. حتى عندما ركّزت على إنعاش الاستيطان الجديد، فهي لم تتخلى في أي وقت من الأوقات على العمل في المجالات الوطنية الأخرى، كالتعليم، العمل الاجتماعي والإحسان. فإلى جانب مستوطناتها أسّست مئات المؤسسات التربوية التي لا تخدمها فحسب بل تخدم أيضا مختلف الطبقات التي تعاني من ضائقة، الفقراء والذين يعانون من العسر التّعلمي. في غضون ذلك يتم بناء عالم كامل وينشأ جيل جديد وجيش ضخم جدا. يمكن للصهيونية المتديّنة أن تتوحّد وأن تتجدّد وأن يعلو شأنها كحركة روحانية واسعة الآفاق، لتركز بطول أناة على قضايانا الكبرى والأساسية. عليها أن تعود لتلعب دورها بصفتها القوّة المركزية الوحيدة القادرة على أن تكون جسرًا بين أقطاب الدولة وسد الهوّة بين التوراة والعالم وبين الماضي والمستقبل.

لا يوجد أي شيء نهائي، فالواقع يغلي ويسيل مثل حمم بركانية تغلي، ويتأرجح البندول من جهة إلى أخرى، ولا يتضح مصيره ومعنى تأرجحه بشكل نهائي إلا على الصفحة القادمة من التاريخ. من المبكر إذن أن نشمت بالصهيونية المتدينة، فمن يضحك أخيرا يضحك كثيرا!

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004