|
العدد 25
| كانون الأول 2004
استيلاء النموذج التجاري على الوعي التربوي |
|
" |
||||||||||||||||
|
لا عجب في أن وزيرة التربية والتعليم قد عيّنت، في الجو الاقتصادي الحالي، رجل أعمال من عالم الهاي-تك رئيسا لللجنة |
||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||
|
"تقرير دُفرات" يعتبر الإنسان مخلوقا تحركه، بادئ ذي بدء، مصالح اقتصادية.
بموجب وجهة النظر هذه جميع الدوافع الإنسانية، بما فيها الإيمان بالقيم أو
بالنظريات الأيديولوجية، والشعور بالرضى والدلالات المرتبطة بالقيام بعمل
ما، وجميع أشكال الإيثار إلخ، لا تشكل إلا حجابًا مدركًا أو غير مدرك
للمصالح الاقتصادية.
إلا أن توصيات لجنة دفرات لا تبشر، في الواقع، بانقلاب تعليمي، بل بالعكس، فهي تعبر
عن تعزيز اتجاهات قائمة تشكل أساسا للأزمة التعليمية في دولة إسرائيل وفي العالم
بأسره. لا أقصد هنا الإمعان في التحليل المفصل للتوصيات المختلفة، وإنما أود أن
أشير إلى الأساس البديهي لهذا التقرير في إطاره الشامل. ولذلك سأركز على ثلاثة
اتجاهات يشدّد التقرير عليها، وأعتقد أنها هامة للغاية. كون التعليم وسائليا معناه اعتبار التعليم وسيلة من أجل تحقيق أهداف خارج الجهاز التعليمي. فبموجب وجهة النظر هذه فإنّ كل من التعليم والتعلّم واكتساب المعلومات وممارسة الفكر وتطوير الشخصية وتوضيح القيم وغيرها، لم تعد تعتبر هدفا بحد ذاتها بل كوسائل من أجل تحقيق أهداف أخرى مثل التكتل الاجتماعي، وتقليص الفجوات الاجتماعية، والنجاح في السباق الاقتصادي على مستوى الفرد وعلى مستوى الدولة، إلخ. لا ينبغي لنا أن نكون سذجا نحنّ إلى الماضي. فمنذ نشأة التعليم العام، الذي تموّله الدولة، كانت للمدارس أهدافا خارجية هائلة. لم تكن الحكومات لتخصص مبالغ كبيرة من ميزانيتها لصالح التعليم لو لم تقتنع بأنها تدفع قُدُما بأهداف اجتماعية، سياسية واقتصادية. حتى الآونة الأخيرة كان التلاميذ والمعلمون وأولياء الأمور والمدراء ورجالات وزارة التربية والتعليم على يقين بأنه إلى جانب الأهداف المدرسية الخارجية، هناك أهمية كبيرة للمسيرة التربوية بحد ذاتها. إلا أنه خلال العقدين الأخيرين تم الإخلال بالتوازن الدقيق بين الأهداف التربوية والأهداف الخارجية في وعي الذين يعملون في مجال التعليم، فقد أصبح الهدف هو الاستيلاء الكامل من قبل الأهداف الخارجية على وعي الذين يعملون في مجال التعليم، ولا سيما استيلاؤها على وعي الجمهور بأسره. إن ألد الأعداء لجهاز التعليم وأخطرهم هو تحويله إلى جهاز وسائلي ليس إلا. فقد ادّعى جون ديوئي، وهو أبرز الفلاسفة التربويين وأكثرهم وتأثيرا في القرن العشرين، بأن التربية هي مسيرة متواصلة للنموّ الفكري والعاطفي والأخلاقي المتشابكة ببعضها البعض، وأن أي محاولة لإخضاع هذه المسيرة إلى هدف خارجي مهما كان، من شأنها أن تجعل منها مسيرة عقيمة وبالتالي منكرة. فعلى سبيل المثال، إذا اعتبرنا أنّ الهدف المدرسي الأسمى هو إعداد التلاميذ استعدادا للمنافسة الاقتصادية المتوقع لهم خوضها هم ودولتهم لدى بلوغهم، فيجب علينا أن لا نستغرب إذا اعتبرت جميع طرق الحصول على العلامة اللازمة طرقًا مقبولة بما فيها الغش والخداع؟ زد على ذلك، أن كل تخصص معرفي لا يعتبر ضروريا من أجل النجاح في المنافسة الاقتصادية، كالآداب والفنون، إما أن يدفع إلى أسفل أو يتم إخراجه كليًا من المنهاج الدراسي. لتوضيح ذلك ينبغي علينا أن نؤكد أننا حتى ولو حددنا هدفا أعلى أكثر تعاطفا مثل تقليص الفجوة الاجتماعية، لكانت الانعكاسات التربوية ستكون مشابهة. وفي هذه الحالة أيضا فإنّ الهدف - ألا وهو حصول عدد كبير من تلاميذ ينتمون إلى طبقة اجتماعية اقتصادية سفلى على شهادة البجروت – سيقود إلى ماراثونات دراسية من أجل تحضيرهم للامتحانات كما تسفر عن حفظهم لأجوبة قد أمليت عليهم سلفا. فبالتالي يشجع ذلك انخفاض مستوى الامتحانات إلى درجة إلغاء الأسئلة التي تلزم الفكر الذاتي. يذكر تقرير لجنة دفرات سلسلة طويلة من "الإخفاقات" التي تميز جهاز التعليم في دولة إسرائيل (صفحات 28-33 من التقرير المرحلي)، غير أن الوسائلية ليست واحدة منها. وبالفعل يكشف ثاقبو النظر عن أن التقرير يتضمن شكوى على أن "شهادة البجروت تشكل، بغير حق، المعيار الأساسي لفحص مستوى جهاز التعليم". لكن هذا الكلام لا يقصد قضية الوسائلية، بل بالعكس، يستنتج معدو التقرير من مجرى الأمور ما يلي:"لذلك، فإن الإنجازات في امتحانات البجروت لا تكفي أساسا للمقارنة ولإعطاء صورة صادقة لإنجازات جهاز التعليم في دولة إسرائيل." (المرجع السابق، صفحة 29). الحل لقضية القياس يظهر في فصل لاحق، أي في فصل التوصيات. وبالإضافة إلى ما يجري في الوقت الحاضر ألا وهي سلسلة طويلة من امتحانات البجروت التي تبدأ في الصف العاشر وتسيطر سيطرة مطلقة على الأجندة التربوية في المدارس الثانوية في دولة إسرائيل، توصي اللجنة "بإجراء امتحان قطري لفحص التحصيل الدراسي في الصف الثاني" كما وتوصي "بمعايير دراسية وقيمية تمثل المعيار الذي تقيم بموجبه روضات الأطفال والمدارس نفسها" (تقرير دفرات، صفحة 13). وستقود مهرجان الامتحانات والمعايير "سلطة قطرية للقياس والتقييم" تقام خصوصا لهذا الغرض.
يصعب التفكير في طريقة أنجع من هذه لزيادة حدة مشكلة الوسائلية التعليمية في
إسرائيل، فبدلا من أن تلوّح الامتحانات بذيلها، في السنوات الدراسية الأخيرة فقط،
وهي حبيسة القفص المدرسي، تقترح اللجنة أن تبدأ هذه الامتحانات بهز ذيلها ابتداء من
مرحلة رياض الأطفال. يجدر بنا ألا تفاجئنا هذه التوصيات. الأخلاقيات العامة التي
توجه واضعي التقرير تفترض كأمر بديهي أن الغاية من التعليم هي إحراز تحقيق أهداف
اقتصادية واجتماعية. يشير هذا إلى تطرف في توجه آخذ بالتعاظم في العقد الأخير. وقد
حدد جميع وزراء التربية والتعليم الآخرين زيادة نسبة المستحقين لشهادة البجروت
كالهدف الأعلى لجهاز التعليم، بينما أضاعت أهداف تربوية داخلية من موقفها شيئا
فشيئا حتى على المستوى التصريحي اختزال الإنسان إلى "مخلوق اقتصادي" يظهر أن جزءًا من الشرح لوجهة التقرير الموصوف آنفا على الأقل يكمن في التوجه الآخر الذي يعززه: اعتبار الإنسان مخلوقا تحركه، بادئ ذي بدء، مصالح اقتصادية. بموجب وجهة النظر هذه جميع الدوافع الإنسانية، بما فيها الإيمان بالقيم أو بالنظريات الأيديولوجية، والشعور بالرضى والدلالات المرتبطة بالقيام بعمل ما، وجميع أشكال الإيثار إلخ، لا تشكل إلا حجابًا مدركًا أو غير مدرك للمصالح الاقتصادية. توجد لصورة الإنسان هذه جذور عميقة في الفكر الغربي. في الواقع، اليسار واليمين على حد سواء، بالرغم من حجم الخلافات بينهما، يشتركان في تشكيلها. وقد ادّعى مؤيدو التيار الاشتراكي الماركسي أن الواقع الاقتصادي يحدد الوعي، فلذلك، إذا أردنا أن نغير وعي الإنسان تغييرا جوهريا فلا بد من إحداث تغيير جوهري في الواقع الاقتصادي. لقد عارض مؤيدو وجهات النظر الليبرالية التي تشكل الأساس النظري والقيمي للرأسمالية في أيامنا، ادّعاءات اليسار الاشتراكي بشأن الظلم الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من النمط الرأسمالي، لكنهما اتفقا على وجهة النظر القائلة بأن أول ما يدفع الإنسان هي رغبته في تحقيق مكاسب اقتصادية. لذلك، حسب وجهتي النظر هاتين فإنّ أهم الدوافع الإنسانية وأولها في العالم الرأسمالي الذي يعتمد على السوق الحرة هي المصالح الاقتصادية. حتى الآونة الأخيرة كانت العديد من المجالات محصنة، إلى حد بعيد، ضد آليات السوق الحرة والنظرة الكامنة فيها للإنسان، مما أتاح المجال لإجراء نقاش حول طبيعة الإنسان الاقتصادية وحول ملائمة آلية السوق للمجالات الواقعة خارج العالم الاقتصادي. غير أن تعاظم الرأسمالية الغربية خلال السنوات الـ 15 الأخيرة يهدد بتحويل مفهوم "الإنسان الاقتصادي" إلى موقف لم يعد يجوز النقاش فيه. لقد أدى انهيار الشيوعية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وانضمام الدول الشرق آسيوية إلى السوق الحرة العالمية ، إلى نمو لم يسبق له مثيل في آليات السوق وإلى بروز ظاهرة العولمة. وفي نفس الوقت، وبدعم وسائل إعلامية ذات قوة كبيرة، تجري عملية حثيثة للاستيلاء على المجالات الثقافية والاجتماعية بما فيها الفن والرياضة والحقوق والتربية إلخ. والتي قامت حتى الآن على أساس إيتوس آخر. إذن، في المناخ الاقتصادي- الثقافي الراهن لا عجب أن وزيرة التربية والتعليم اختارت رجل أعمال من ميدان التقنيات العالية رئيسا للجنة. لكن أفضل دليل يشير إلى أن "الإنسان الاقتصادي" قد أصبح من البديهيات في وعينا الجمعي هي حقيقة أن كثيرا من التربويين ورجال الدين من بين أعضاء اللجنة قد اتفقوا مذعنين على تطبيق النموذج التجاري الاقتصادي على المجال التربوي. لقد كان التعليم العام خلال سنوات حياته القصيرة، أي مدة مائة سنة ونيف، في أغلبية الدول الغربية، مؤسسة اجتماعية ذات مكانة متدنية مقارنة بمؤسسات أخرى مثل الجيش والدين والفن والعلم. ودفع هذا الوضع التربويين إلى التفتيش عن النموذج التربوي المثالي في المؤسسة الاجتماعية الذي حظي بأرفع مكانة في عصرهم. وبما أن النموذج المطلق للنجاح في الوقت الحاضر هو عالم الأعمال التي تعتمد على التقنية ذات الخبرة العلمية العائلة (التقنيات العالية الهاي تك)، لجأ جهاز التعليم إلى رجل الهاي- تيك. صلب المشكلة في هذا النمط الفكري تتمثل في أن أساليب العمل والقيم والأهداف التي تلائم مجال عمل معين لا تلائم بالضرورة مجال عمل آخر. لذلك عندما يتبنى مجال التعليم أساليب عمل وفكر من مجالات أخرى دون تهيئتها وملاءمتها لمجاله الخاص، فسيكون الفشل مصيرها. إذن، لا مفر من أن ندرك أن مجال التعليم لن ينال الخلاص بواسطة تقليد مجالات عمل أخرى، وإنما عليه أن يصوغ لنفسه "نموذج مثاليًا" من خلال وعي عميق بأن له مميزات خاصة به. مفهوم "الإنسان الاقتصادي" يجد له تعبيرًا، قبل كل شيء، في اللغة التي كُتبت بها توصيات تقرير لجنة دفرات. فتذكر فيه عبارات مثل "إنجازات قابلة للقياس"، "انتاجات"، "معايير"، "تطوير الجهاز"، "إدارة موجهة للأهداف"، "الخضوع للمساءلة" وإلخ. ويقود النموذج التجاري معدي التقرير إلى التوصية على "السلوكية الاقتصادية" المتشددة، فلذلك يقترحون رفع الرواتب في مرحلة بداية العمل وتحديد سلم رتب للترقية بموجبه، ولكن ذلك إلى جانب متابعة مستمرة للمعلمين إزاء معايير ملزمة. وإذا لم يصمد المعلم أمام هذه المعايير فمن المتوقع أن يقيله مدير ذو صلاحية أعلى تمكنه إقالة المعلمين. وتطبق هذه الصفقة الشاملة أيضا على المدير نفسه حيث أنه من المتوقع أن يحاكم أمام "إدارة التعليم المنطقية" يوصي التقرير بإقامتها.
فعلا، ينبغي علينا أن نتساءل: إذن، ما هي المشكلة في ذلك؟ لعله في حقيقة الأمر يمكن التأثير على إنتاج رجال التعليم عن طريق الجيب فقط؟ فإن استحسن ذلك الأميركيون والبريطانيون فلماذا لا نستحسنه نحن؟
غير أن بريطانيا وولايات معينة من الولايات المتحدة بالذات تعاني من نقص خطير
بالمعلمين خلال السنوات الأخيرة مما أدى إلى رفع ملحوظ للغاية في رواتبهم، ذلك ضمن
محاولة لجذب قوى جديدة إلى مجال التعليم، والمحافظة على الوضع القائم. وتشير أبحاث
جديدة إلى أن معلمين متميزين مخلصين مبدعين هم بالذات من يترك التعليم في محيط
تربوي موجّه المعايير. وقد تبين أنه بالرغم من الحافز الاقتصادي والتسهيلات
الملحوظة في المتطلبات لتأهيل المعلمين، لا يطرأ أي تغيير على هذا الاتجاه وإنما
يتفاقم النقص بالمعلمين. فضلا عن ذاك، فإن التحسن المرغوب في الإنجازات الدراسية
القابلة للقياس الذي كان من شأنه أن يقود الدولة إثر الإصلاح إلى مرتبة أعلى في
"اوليمبياد" امتحانات الإنجازات الدولية، هذا التحسن لم يظهر فعلا، وفي أحسن
الحالات كان تافها، أما في أغلبية الحالات فلم يسفر الإصلاح عن أي تحسن. التغييرات التنظيمية تؤدي إلى تغييرات تربوية ألاتجاه الثالث الذي يركز عليه تقرير دفرات هو إبراز التغييرات التنظيمية، مفترضا بأنها ستؤدي إلى تغييرات في الجوهر التربوي المدرسي. وتستهدف هذه التوصيات جهاز التعليم على جميع مستويات: المدرسة والمؤسسات تأهيل المعلمين ووزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية. وبالرغم من التأكيد الخاص على إدخال تغييرات بنيوية، يكرر السيد دفرات ووزيرة التربية والتعليم وعدهما بأن التقرير سيؤدي إلى "انقلاب تربوي". أمامنا ظاهرة غريبة جدًا: إنّ مائة سنة من الإصلاحات إلى جانب الأبحاث التربوية التي خصصت لفحصها تشير إلى أن الإصلاحات التي تركزت على التغييرات التنظيمية لم تسفر عن أي تغييرات تربوية. وقد بقي التفاعل الأساسي بين المعلم والتلميذ في الصف، بالإضافة إلى الأساليب التعليمية وأنماط التعلم في المدرسة، حصنا منيعًا أمام جميع هذه التغييرات. وبالمناسبة، فالادعاء المعاكس هو أيضا صحيح: أية تغييرات تربوية لا تترجم إلى تغييرات تنظيمية ملائمة فلا أمل منها. وقد أجاد سيمور سراسون وصف هذه الظاهرة، وهو من أبرز المفكرين التربويين في الولايات المتحدة، صاحب المقولة المشهورة: "The more we change it the more its stays the same" (كلما غيرنا أكثر كلما وجدنا أن أي تغيير لم يطرأ). من المهم أن ندرك مدى الأضرار التي يسببها التغيير التنظيمي الذي لا يُحدث أي تغيير تربوي. توجد أجهزة التعليم في البلاد وفي العالم بأسره في أيامنا هذه في حالة من "الاستقرار على عدم الاستقرار". فكل عدة سنوات تجرى محاولة جديدة لتغيير يزعزع الجهاز ويخلخل أساساته، غير أنه لا ينجح فيس تغيير جوهره. وبالنتيجة يتطور عند المعلمين والمدراء الشعور بعدم الثقة والمعارضة الشبه آلية للتغيير، خاصة للتغيير الذي يحدث دون استشارتهم. وقد علمت مائة سنة من الإصلاحات رجال التعليم اتخاذ إستراتيجية القصب: أي إستراتيجية الانحناء أمام الريح والتظاهر بأنهم يستجيبون للتغيير الدوري لكنهم فعلا يتراجعون في أول مناسبة ويعودون إلى عاداتهم القديمة. وهكذا، إذا نفذ تقرير دفرات قليلا من وعوده الكثيرة، كما يستنتج من التحليل الذي بين أيدينا، فمن المتوقع أن نشهد تشديدا ملحوظا لاتخاذ إستراتيجية القصب فيما يتعلق بأية تغييرات مستقبلية. إنها أخبار سيئة لكل من يعتقد أن التربية المدرسية في دولة إسرائيل تحتاج إلى التغيير الجذري المعجّل. أكان من المحتمل سلوك طريقة أخرى؟ أقيمت اللجنة على خلفية الشعور الشديد بالأزمة والاستعداد لتغيير جذري في مجال التعليم. ولكن، حسب ما لاحظنا، لا توجد بين طيات توصياتها أي بشرى في هذا الاتجاه، بل بالعكس، فقد تبين أن لجنة دفرات هي لجنة محافظة (بالمعاني المختلفة للمصطلح) بالرغم من تصريحات أعضائها وتصريحات وسائل الإعلام بصدد الثورية الكامنة في توصياتها. ولكن السؤال الذي يطرح: أكان من المحتمل سلوك طريقة أخرى؟ لماذا توصلت اللجنة إلى توصيات من النوع الموصوف أعلاه؟ إنني أريد أن أقف على طبيعة تقرير دفرات أملا أن يساعد النقاش في بلورة توصيات أكثر إثمارا في المستقبل. أعضاء لجنة دفرات الشخصية جاءوا من خلفيات متنوعة، ويمثلون مواقف اجتماعية وتربوية مختلفة. ويجدر التأكيد أنه ليس هناك مجال للشك في حسن نياتهم وأمانتهم: فقد تطوّعوا للعمل بإخلاص لفترة طويلة، مؤمنين إيمانا عميقا بأن توصياتهم من المحتمل أن تحدث تغييرا ثوريا إيجابيا في جهاز التعليم الإسرائيلي. هل كانت هنالك عوامل أثرت على طرق العمل والفكر التي تبنتها اللجنة يكون بإمكانها أن تفسر توصياتها؟ أحد العوامل المحتملة هو سيطرة صورة معينة على تفكير اللجنة: ألا وهي تشبيه جهاز التعليم بلعبة تركيب الصور (Puzzle). ويدل على ذلك دلالة واضحة للغاية عرض الشرائح الذي بواسطته عرض رئيس اللجنة توصياتها. فقد عرضت خلاله كل توصية مركزية كقطعة واحدة من اللغز، وبالتالي تشكل جميع القطع الصورة الكاملة الجديدة لجهاز التعليم. ويؤكد رؤساء اللجنة خطيا وشفهيا أن كل جزء من أجزاء التقرير مرتبط بالأجزاء الأخرى، وعليه فرفض جزء واحد يسحب البساط من تحت قدمي التقرير بأكمله. ولذلك يزعمون بأنه "يجب قبول توصيات اللجنة كتلة واحدة". ليس بوسعي البحث هنا في الانعكاسات العملية السياسية لهذا التشبيه، ولكن تجدر الإشارة إلى تأثيراته على طبيعة التوصيات. تشبيه التعليم بلغز تركيب الصور يبرز وجهات نظر مركزية في عالم التربية. ومع ذلك فإنّ هذا التشبيه، مثله مثل غيره من التشبيهات، هو تشبيه مقيّد لا يستطيع أن يعرض بمفرده جميع عناصر الواقع. حسب تشبيه لغز تركيب الصور فإنّ كل قطعة لها شكل ثابت ولا توجد سوى طريقة واحدة صحيحة لتركيب الصورة الكاملة. أما في الواقع فنستطيع تغيير شكل القطع وصياغة ترتيب جديد بواسطتها، بل وحتى أننا نستطيع تغيير الصورة الكاملة أثناء عملية التركيب. إلا أن الانبهار من تشبيه معيّن يُحدث مشاكل على مستوى أعمق حيث أن تشبيه لغز الصور يجعلنا نفترض بدون قصد بأن الواقع هو بمثابة لوح أبيض يمكن تركيب صورة جديدة عليه من الأساس، كما أنه يؤدي إلى التمحور حول العلاقات الأفقية السطحية بين الأجزاء المختلفة. لكنه لا يترك المجال لعلاقة عمق مقابل السطح بين الأجزاء. لو تبنت اللجنة تشبيهات إضافية لجهاز التعليم لربما قادتها إلى اتجاهات أخرى أكثر إثمارا. هناك تشبيهان ناجعان على سبيل المثال، أولهما تشبيه عالم التربية برسم متعدد الطبقات، وثانيهما تشبيه عالم التربية بالمبنى. يرمز التشبيه الأول إلى أن كل إصلاح إنما هو طبقة لون إضافية تطلى فوق طبقات الألوان القائمة. في هذه الحالة طبقة اللون الجديدة لا تحافظ على لونها الأصلي بسبب اندماجها بطبقات الألوان التي توجد تحتها، وتعتبر زيادة على الرسم القائم ليس إلا. ويلفت تشبيه الرسم المتعدد الطبقات انتباهنا إلى الاندماج بين الطبقة الجديدة والطبقات الموجودة تحتها، ويثبت بصورة ملموسة أن اللون الجديد لا يكفي، وإنما ينبغي علينا الأخذ بعين الاعتبار تفاعله مع طبقات الألوان الموجودة تحته. أما تشبيه المبنى فيذكّرنا بضرورة وجود الأساسات التي إذا تداعت فلن يكون المبنى ثابتًا. يشير تقرير اللجنة إلى "عدد كبير من السقطات الجوهرية" في جهاز التعليم الإسرائيلي، غير أنه لا يحاول تصنيفها حسب أنواعها وفحص العلاقات بينها، والأهم من ذلك أنه لا يحاول فحص ما إذا كانت هناك "سقطات عمق" معينة تشكل الأساس وراء السقطات الأخرى. وتشمل قائمة "السقطات" جنبا إلى جنب كل من المصطلحات التالية: "فجوات شاسعة"، "إنجازات ضئيلة"، "أزمة قيمية"، "استغلال غير سليم وغير متساو للموارد"، "سقطات إدارية في جهاز التعليم". وتتبعها قائمة أخرى تتضمّن تسعة سقطات أخرى تحت عناوين متنوعة منها: "أنظمة معلومات قديمة"، "سن قوانين غير ملائمة وعدم تطبيق القوانين" و"غموض فيما يتعلق بمكانة الوسط الثالث" (صفحات 28-33 من التقرير المرحلي). ماذا يسعنا أن نفعل بمثل هذه القائمة عديمة التمييز؟ كيف تساعدنا هذه القائمة على التفكير في اتجاهات الحل؟ ما هو المقصود أصلا بمصطلح "سقطة"؟ هل هي ظاهرة أم سبب؟ ما هي الأمور التي يمكن اعتبارها ثمرة للعمليات التربوية؟ وما هي الأمور التي يمكن اعتبارها ثمرة لعمليات خارج الجهاز التربوي؟ هل توجد مشاكل عمق تشكل البنية التحتية للسقطات المختلفة؟ لكننا لا نجد أجوبة عن هذه الأسئلة في نص التقرير كما لا توجد فيه أي محاولة لإجراء تصنيف منظم لأي مشكلة. يظهر أن التشبيه وطرق الفكر التي سيطرت على اللجنة لم تترك مجالا لمباني عمق. ولا عجب أن اللجنة لم تزعج نفسها في التفتيش عنها. فضلا عن ذلك كان من شأن النظر إلى التربية على أنها مبنى أن يجعل اللجنة تتساءل ما إذا كان البعد البنيوي - التنظيمي للتربية الذي تمحورت حوله توصياتها يشكل الأساس أم حجارة المبنى، أو لعله سقالة المبنى التربوي؟ وإذا لم يكن هو الأساس فما هو الأساس، وهل يوجد بين طيات توصياتها أي ذكر له؟ وأخيرا من الجدير ذكر أبسط التفسيرات وأصحّها وأكثرها طبيعية لأنماط تفكير اللجنة: ألا وهو ورقة اعتمادها، فمن حلل ورقة اعتماد لجنة دفرات لا يعجب من توصياتها، وبأنها تعزز الاتجاهات المعقدة التي تم البحث فيها ضمن هذه المقال. جاء في بداية الوثيقة أن "دولة إسرائيل تحتاج إلى جهاز تعليم يكون في الصف الأول في العالم فيما يتعلق بإنجازاته" و"يتيح المجال لتفوق اقتصادي نسبي طويل المدى". يصعب علينا إيجاد تعبير أفضل لذرائعية جهاز التعليم بروح الرجل الاقتصادي. بعد ذلك تظهر قائمة مفصلة لأربع "وظائف لقوة المهام الوطنية" التي تتجه بصورة واضحة إلى البعد البنيوي- التنظيمي. هذه القائمة تعج بمصطلحات مثل "أهداف قابلة للقياس"، "طرق للقياس وللتقييم"، "معايير"، "إعادة تنظيم الأطر التربوية"، "هيكل الوظائف" وإلخ. ولكن لا توجد فيها، ولو كلمة واحدة، تتعلق بوجهة النظر التربوية كما لا يوجد فيها أي فحص للعلاقة بين الهياكل التنظيمية وبين الأهداف والقيم. إنّ ورقة اعتماد كهذه لا تترك لنا مجالا كي نشتكي على اللجنة؟ فقد فكر أعضاؤها تماما بموجب جوهر ورقة اعتمادهم.
بسبب احترامي لأعضاء اللجنة بالذات، لست مستعدا لإعفائها عن المسؤولية على أساس تبرير رسمي كالمذكور أعلاه. فقد كان بوسع اللجنة أن تسلك مسلكا آخر، كان بوسعها أن تحوّل مفاهيم تبدو واضحة إلى مفاهيم معقدة، كما كان بوسعها أن تعارض روح ورقة الاعتماد. وقد كانت لذلك سوابق في الماضي ( في الولايات المتحدة عيّن كونغرس ليبرالي في الستينات لجنة برئاسة جيمي كولمان كي تفنّد الفجوات في الموارد التربوية بين المجموعات السكانية المختلفة، وأن تبرهن على ذلك بواسطة معطيات دراسية. لكن كولمان أصر على فحص متعمق لمعنى مصطلح "تكافؤ الفرص في التعليم" الذي كان يُعتقد في حينه أنه يعتمد اعتمادا مطلقا على حجم الموارد المستثمرة في جهاز التعليم. إلا أن اللجنة التي رأسها اقترحت معنى آخر للمصطلح بحيث أصبح يعتمد على الإنتاج التربوي لجهاز التعليم. وقد زعزعت نتائج البحث وجهات النظر المألوفة في هذا الموضوع، وجعلت محور الحديث يدور حول مفهوم جديد ألا وهو تكافؤ الفرص الذي يعتمد على الإنتاج التربوي). أود أن أنهي حديثي بنبرة إيجابية وأن أقترح اقتراحا عمليا بإمكانه مواجهة قسم كبير من التحديات التي ذكرتها آنفا. يدل تشكيل اللجنات المتكررة في مجال التعليم على الأزمة العميقة التي يعاني منها. وقد آن الأوان لتتخلى دولة إسرائيل عن هذه النهج وأن تشكّل هيئة دائمة مهمتها التفكير بشكل إستراتيجي معمّق في التعليم في دولة إسرائيل. كما أن من مهماتها أن تعكف هذه الهيئة على دراسة الأهداف العليا والأنماط الأساسية لجهاز التعليم، وأن تقترح نماذج مختلفة من المؤسسات التعليمية على مستويات المدرسة والسلطة المحلية والدولة، وأن تبادر إلى إجراء بحث مقارن تطبيقي من شأنه أن يفحص الاتجاهات المقترحة وأن يزود جهاز التعليم بأفضل نتائج الأبحاث التربوية في البلاد وفي العالم بأسره. إنّ "سلطة للتفكير الإستراتيجي في مجال التعليم" من هذا النوع لا يجوز أن تكون مرتبطة بوزارة التربية والتعليم، وبل يجب أن تخصص لها ميزانية ثابتة ليست خاضعة لتأثير النية الحسنة لوزير التربية والتعليم كان من كان. وتلتزم الوزارات الحكومية ذات الصلة المباشرة بمجال التعليم وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، بموجب القانون، بأخذ ما تتوصل إليه من نتائج بعين الاعتبار (ولو لم توافق عليها). ومن الواضح أن إقامة سلطة كهذه لا تكفي لحل مشاكل جهاز التعليم في دولة إسرائيل، ولكنها ربما تكون خطوة هامة إلى الأمام في الطريق لمواجهة أكثر فعالية معها.
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |