العدد 26  | كانون ثاني - شباط 2005

الفارس، المملكة والإرهاب الدوليّ في العصر الجديد
د. دانيئيلا غورفيتش

"

 مفهوم عالم الغيب، الرؤيوي، كان حتى قبل بضع سنوات مقتصراً على قلّة من عشاق الأدب من جانر الخيال العلمي، أخذ فجأة يحتل مكان "الريل-بوليتيك"، ويجسد الإقليم الاجتماعي-الثقافي الحالي.

 

مفهوم عالم الغيب، الرؤيوي، كان حتى قبل بضع سنوات مقتصرا على قلّة من عشاق الأدب التابع من جانر الخيال العلمي، أخذ فجأة يحتل مكان "الريل-بوليتيك"، ويجسد الإقليم الاجتماعي-الثقافي الحالي. دانيئيلا غورفيتش تتحدث عن دلالات التشبيهات التي تشوّش وعي الجماهير وتضع غشاوة على النواحي الأخلاقية والسياسية المستدلة منها

نشرت أسبوعية "التايم" مؤخراً خبراً مفاده أن الرئيس بوش قد قرر رفع قيمة الجائزة مقابل رأس زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، من 25 مليون إلى خمسين مليون دولاراً. كما وجاء في المقال أن رئيس الولايات المتحدة يعرض جوائز سخية مقابل رؤوس 12 زعيما من زعماء طالبان. تفيد التقديرات بأن "تسعيرة الجماجم" ستثبت نفسها في هذه المرة، كما في الحملات السابقة، وبما فيها عملية القبض على نجلي الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.

 منذ أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، يبذل الجيش الأمريكي جهوداً جبارة في البحث عن الإرهابي رقم واحد وأتباعه. صحيح أن خبر مضاعفة مبلغ الجائزة يثير قلقاً كبيراً، إذ من شأنه أن يُفسّر على أنه ليس رسالة قوة وتصميم، بل على العكس، تجسيد لقلّة حيلة أقوى دولة في العالم.

 الإرهاب في أيامنا هذه، هو وسيلة لبسط حكم مرعب يطوّق قارّات وبحار. ولمزيد البشاعة، إنه يهاجمنا مرتين: مرة عن طريق التهديد الجسدي، الملموس، على حياتنا وعلى سيرورتها التي تخرقها العمليات الانتحارية القاسية، ومرة عن طريق النشر واسع النطاق للمعلومات حول الإرهاب في أي وسيلة إعلام ممكنة.

 بوريس غرويس، محاضر وأمين (متحف) ألماني، يشخص هو أيضا الرعب الذي يدبّه هذا "الهجوم المزدوج" في القلوب.

وقد صرح في مقابلة مع دافيد فيتستوم، نشرت في صحيفة "يديعوت أحرونوت" قبل حوالي سنة، أن الإرهابي يرى في الضحايا وسيلة لإنتاج الصور. إنه يطمح إلى القتل لتصل رسالته إلى العالم أجمع وتزرع الخوف والرعب. ويضيف أن "الإعلام يضع بين يدي الفرد، الذي ينفّذ الإرهاب، فرصة حقيقية ليتحول إلى حاكم". من هذا المنطلق، يتحوّل الإعلاميون، عن غير قصد، إلى خدم يخدمون الإرهابيين غير مكبوحي الجماح: فيما يتعلق باختيار الأنباء التي سيتم نشرها (أحداث مفاخرة)، بتصنيف المواد (من بين الكم الهائل للمعلومات المتدفقة إلى طاولات المحررين) وبطريقة عرض المعلومات (استفزازية، فظيعة). من ناحية الشخص العادي الجالس في بيته، مع حلول الألفية الثالثة، فإن النتيجة تحمل في طياتها كارثة. أحاسيس رهيبة من قلّة الحيلة، المجهول والخوف من خطر الدمار الشامل في العصر النووي تعتّم على مجرد وجوده.

 إحياء الأدب الجديد من العصور الوسطى

أحد التجسيدات الثقافية الساحرة لهذه النزعة الثقافية-الاجتماعية (سواء أكان عن وعي أو عن غير وعي) هو البعث الأدبي الذي ميّز العصور الوسطى من جديد. منذ بضع سنوات، تتربع على قمة الأفلام الهوليودية الأكثر رواجاً إنتاجات سينمائية طموحة، تُسرد فيها حبكات حكايات بطولية قديمة. نحن نشهد، في المجال الأدبي أيضا، اهتماما نشطا لدى قرّاء كتب علم الخيال، الخفايا، السحر والشعوذة على أنواعها. إن القاسم المشترك بينها جميعا هي مركزية زعيم أسطوري وحيد وبطل، شخصية "المختار من قبل القوة العليا"، يقود شعبه بثقة إلى التحرر من قيود الحكم المستبد. حسب هذا القالب، تم تصميم شخصية آرثر في الفيلم الذي يحمل اسمه "الملك آرثر"، وكذلك شخصيات أخيل في "طروادة" ونيو في "ماتريكس" وغيرها. يتكرر ظهور هذا التوجه في أعمال لاقت نجاحات أدبية وسينمائية عالمية، وفي مقدمتها بطل كتلين رولينغ ذو النظارة، هاري بوطر (واسمه معروف حتى لدى من يرفض قراءة سلسلة الكتب انطلاقاً من هذا المبدأ أو ذاك)، وبطبيعة الحال، بشكل واضح ومعلن، الملك أرغورن في "ملك الخواتم" لطولكين.

من المثير اكتشافه أن مفهوم عالم الغيب، الرؤيوي، الذي كان حتى قبل بضع سنوات مقتصراً على قلّة من عشاق الأدب من جانر الخيال العلمي، أخذ فجأة يحتل مكان "الريل-بوليتيك"، ويجسّد المناخ الاجتماعي-الثقافي الحالي المعاصر. لقد تحوّلت الأسطورة، عن غير قصد، بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي، إلى أداة وصل بين ثقافة الخطاب الإعلامي وبين توجهات الفكر السياسي. لقد تبنى السياسيون الغربيون توجها "يجمّل ما هو سياسي"، دون ترك مكان للشك فيما يتعلق بالمعادلة التي يحاولون خلقها. لقد اقترن اسم بن لادن بألقاب مثل "فارس الظلام"، "نظام الظلام لابن لادن"، "آلية الظلام لأتباع بن لادن". وأما فترتنا الزمنية فقد كنّاها كبار الإدارة الأمريكية بأيام يوجه فيها "أبناء الظلام" ضربة مؤلمة إلى "أبناء النور". طريقة الإدارة الإعلامية لخطاب الأزمة تحاول، عن وعي وسابق قصد، عرض حرب دينية بين الشرق والغرب كمواجهة متنافرة-متقاطبة: أسود-أبيض، طيبون-أشرار، حياة وموت. هذا ما يقصده المثل: "دولاب ثابت وحظوظ تتبدل" (التلمود البابلي، بساحيم، 84،62)، لأن هذه المعادلة كانت قد ظهرت، بكل وقارها، قبل ألفية واحدة بالضبط.

  

يصعب عدم ملاحظة الركيزة فوق التنظيمية التي تربط بين صورة الملك آرثر بصفته "مختار من قبل الله" وبين صورته في عصرنا هذا، مثل نيو في "ماتريكس" أو أرغورن في "ملك الخواتم". هذه هي أنماط الحكايات التي تقيم "العلاقة السرية" بين القصة وجمهورها.

 

تاريخ أوروبا الغربية، في نهاية الألفية الأولى، هو حصيلة سلسلة من الصراعات الداخلية والخارجية غير المنقطعة: النزاعات المحلية على الملكية وحقوق الإقطاعية بين النبلاء، خصومات حول حقوق السيادة بين العائلات المالكة وصراعات عاتية على القوة والسلطة بين البابوية (السلطة الدينية) وبين القيصرية (السلطة الدنيوية-العلمانية). في الوقت ذاته، اجتاحت أوروبا موجة من هجمات السيطرة من ثلاث جهات: من الشرق، من أعماق القارة ذاتها ومن سواحل اسكندينافيا النائية. المشارقة، كما أُطلق عليهم لقب قراصنة البحر المسلمين، هاجموا أثينا، قرطجنة، جنوبي فرنسا، كورسيكا، سردينيا وروما دون معيق. من داخل القارة، اجتاحها مشاغبون مجريون (أجداد الشعب الهنغاري) ووصلوا إلى إيطاليا، ألمانيا، فرنسا وبورغنديا. والأفظع من هذا كله، قام قراصنة البحر البرابرة، في القرن التاسع (منذ عام 844 وما بعده)، على سفن مستطيلة، بالاجتياح ومهاجمة شواطئ أوروبا بشراسة ودون رحمة، تاركين وراءهم مملكة الغرب دون قدرة على القتال. الفيكنغيون - هكذا سمي الشماليون (النورمان) عبدة الأوثان – كانوا مقاتلين شرسين وأقوياء، ذوي قدرة فائقة على الملاحة وعلى تحمّل البحر الهائج. لقد قاموا باجتياحات سريعة باتجاهات غير متوقعة، وبهذه الطريقة اجتاحوا إنجلترا الأنجلو-سكسونية واستولوا على نقطة في شمالي فرنسا (نورمندي). في شهر كانون الأول من عام 1066، اكتمل احتلال إنجلترا كلها، مع تتويج وليام الأول النورمندي (الفاتح). في بداية الألفية الثانية كانت أوروبا المسيحية أمة مهانة، جريحة ومتنازعة. كان مخاض انتعاشها قاسياً جداً. كانت القارة بحاجة إلى "قوة حضارية" - كما سمّاها المؤرخ البريطاني جون كيغن - نظام حكم متشدد، يفرض القانون والنظام.

أتى الرد من قبل الكنيسة، التي كانت في القرن الحادي عشر ثرية وواثقة من نفسها بما فيه الكفاية لتعيد تعريف "شكل استخدام القوة في العالم". أعلن البابا أوربان الثاني، في مؤتمر كلرمون عام 1095، عن الحاجة إلى شن "حرب مقدسة عادلة" ضد العدو المشترك، الكافر المسلم.

لقد أدى خطابه هذا، عمليا، إلى نهاية (مؤقتة) للخلاف بين القيصرية والكنيسة وجهّز الأرضية للحملات الصليبية. بهدف حث المقاتلين والفرسان على الخروج إلى "الحرب المقدسة"، عززت رئاسة الكنيسة الكراهية تجاه العدو الإسلامي، بواسطة قنوات الاتصال المتوفرة لديها بالجمهور، فقد نشرت قوافل مجنّدة مثل "قافلة رولان"، مجدت شارلمان وحربه ضد الكفار وأعلوا شأن المعادلة التي ترى في الملك المؤمن بالله أداة تخدم العدل والحقيقة.

 أخوية فرسان الطاولة المستديرة

في الوقت ذاته، وفي بداية القرن الثاني عشر (1136)، ألّف الكاتب الولزي غوافري الموناموتي، الذي كان على ما يبدو راهبا بندكتيا، كتاب تاريخ باللغة اللاتينية عن كل ملوك إنجلترا (Historia regum Britanniae). يصف موناموت، بتوسّع وبإسهاب، فترة حُكم ملك أسطوري ممجّد وصديق فرسانه الأوفياء. إنه يكيل المديح والتمجيد للإقطاعية، للفرسان متقلّدي الفولاذ والنساء النبيلات الوديعات، الذين تحيط بهم هالة من الاحترام، الفروسية والإيمان المسيحي. بعد مضي عشرين سنة من ذلك الوقت، وفي عام 1155، ألّف الشاعر الفرنسي ويس (Wace) تذييلا للأسطورة، يبشّر فيه عن إقامة أخوية خاصة باسم "أخوية فرسان الطاولة المستديرة". لقد تحوّلتا، الطاولة والأخوية، فوراً إلى جزء لا يتجزأ من الملحمة كلها.

 يجب التنويه إلى أن الكتب لم تكن في متناول عامة الشعب في العصور الوسطى. ذلك ليس لأن المخطوطات المعدودة كانت مخفية في الأديرة، وكان المختارون المميزون فقط يمكنهم معاينتها، بل كذلك لأنها كتبت باللاتينية، وهي لغة المثقفين، التي لم يكن الشعب ملمّاً بها. رغم ذلك، انتشرت سمعة تفاصيل سرد التاريخ الزائف وقد ارتفعت مكانة الملك الأسطوري وفرسانه. الصلة بين قسم وفاء الفارس-التابع لملكه (السلطة العلمانية) وبين الأهداف السامية لحملات الحرية (السلطة الدينية)، غمرت قلوب عامة الشعب. لقد كان النجاح كبيراً إلى حد يدّعي فيه بعض الباحثين أنه قد غطّى على التوراة. أساطير، حكايات وخرافات كانت تؤلّف وتُسمع، وقد تناقلتها الأفواه. لقد أصبح الملك ومجموعة فرسانه معنى مرادفاً للعدل (يمنعون الظلم، يحاربون الشر)، الأخلاق (نمط حياة حضاري يحترم ويُحترم)، احترام ومساواة (اختيار الطاولة المستديرة كتعبير عن التجانس الكوني)، الشفقة (إنقاذ "فتاة في ضائقة"، تحرير الأسرى من العبودية)، البسالة، الشجاعة (مستعدون للمعركة في أي وقت دون تردد، في كل مكان وضد أي عدو، سواء أكان إنسانياً أو لم يكن) ومحبة الصدق (وفاء تام للملك والله) - مبادئ التزم الفرسان بتجديد وفائهم لها مرة كل سنة.

 بعد مرور خمسين عاماً، تطورت تقاليد شعبية رائجة، ربطت بين تطلعات الملك صاحب الحضور (في العالم الواقعي) وبين مثالية الفروسية التقليدية (الأسطورة). في عام 1189، واستعدادا للخروج في الحملة الصليبية الثالثة، استند ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد على فكرة المسيحية والخلاص المستقى من أسطورة الملك آرثر، واستفاد من موجات التأييد والشعبية التي حظيت بها تلك الأسطورة في تلك الفترة. سواء أكانت تلك خطوة مخطط لها أو كانت من محاسن الصدف، فقد قطف بسببها ثمارا يانعة. وبفضله، ذلك الملك المقاتل، الذي تغيّب عن بلاده تسع سنوات ونصف من أصل سنوات ملكه العشر، لم يحظى بوفاء الشعب البريطاني المكبوت فحسب، بل تحوّل أيضا إلى أسطورة في أيام حياته.

 لقد التصقت بالملك أرثر كنية "الملك الذي كان والذي سيبقى"، ووُصفت فترة حكمه بأنها "عصر الفروسية الذهبي"، الأخلاقيات والعدل على البسيطة. كان لدى مستشاري وأتباع الملك ريتشارد قلب الأسد شأن واضح في تحسين الصورة السامية التي وضعتها تلك الحقبة بين أيديهم. لقد شجعوا عامة الشعب لكي يروا الدمج في مزايا مليكهم speculum Regis (مرآة الملك) أي تجسيد لعقل وقوة زعيمهم، الذي يخوض من أجلهم "حرباً مقدّسة عادلة".

 يعرف الجميع كيف انتهت "الحرب المقدّسة". لقد انتهت الحملات الصليبية الثمانية التي دارت رحاها بين الأعوام 1096-1280، بالمذلة والهزيمة الرنانة للصليبيين المسيحيين. لم يقدّر الغرب قوة الخصوم المسلمين على الاستعداد حق التقدير. لقد جمع الأخيرون قواهم بحماسة دينية وخرجوا في جبهة موحدة ضد الجيوش المتضافرة، التي تسللت من القارة الأوروبية إلى أماكن اعتُبرت مقدسة من وجهة نظرهم أيضا. ما تبقى هو التقاليد الشعبية التي تطورت في إطارها الحكايات، التي كانت ينبوعاً لا ينبض من الخلاص العرقي والوطني في إنجلترا.

يصعب عدم ملاحظة الركيزة فوق التنظيمية التي تربط بين صورة الملك آرثر بصفته "مختار من قبل الله" وبين صورته في عصرنا هذا، مثل نيو في "ماتريكس" أو أرغورن في "ملك الخواتم". هذه هي أنماط الحكايات التي تقيم "العلاقة السرية" بين القصة وجمهورها.

الرموز الحضارية التي تُقدّم لنا اليوم تثير مشاعرنا، كما كانت تثير المشاعر في الماضي، وتوقظ خيالنا. الخيال البشري يرد على الأزمات المستقاة بالأساس من الفراغ الأمني-السياسي، ويستخلص منها الفهم المستقى من المجال المتدين- الداعي بمجيء المسيح المنتظر. إذن، في الوقت الذي يعلن فيه النص (الأنباء الإخبارية) حرباً حتى الموت على الإرهاب العالميّ، فإن النص المفسّر ينادي بتوحيد الصفوف ورأب الصدع بين الأمم.

 وكما فعل قائد الحملة الصليبية الثالثة، يقوّي الرئيس بوش وإدارته نمط الزعيم الذي يحاول جر عامة الشعب المرتبك من خلفه. صحيح أن الوسائل التكنولوجية قد تغيرت، ولكن البلاغة اللغوية بقيت على ما كانت عليه. بنفس الإصرار العملي الذي كان يميز تصريحات البابا أوربان الثاني، يعلن الآن زعيم القوة العظمى المتحررة الوحيدة في العالم أن المصلحة المشتركة أقوى من أي نزاعات تشتت الشعوب. وقد حلّت مكان "الحرب الدينية العادلة" من الألفية السابقة، حرب "حرية الإنسان العادلة"، التي يجند الرئيس الأمريكي باسمها العالم الحر، النيّر والديموقراطي لحرب مشتركة ضد العدو المشترك وهو التطرف الإسلامي.

  

لقد اقترن اسم بن لادن بألقاب مثل "فارس الظلام"، "نظام الظلام لابن لادن"، "آلية الظلام لأتباع بن لادن". وأما فترتنا الزمنية فقد كنّاها كبار الإدارة الأمريكية بأيام يوجّه فيها "أبناء الظلام" ضربة مؤلمة إلى "أبناء النور". طريقة الإدارة الإعلامية لحوار الأزمة تحاول، عن وعي وسابق قصد، عرض حرب دينية بين الشرق والغرب كمواجهة متنافرة-متقاطبة: أسود-أبيض، طيبون-أشرار، حياة وموت

 

 

تنبأ اللاهوتي البروتستانتي الأمريكي راينهولد نيبور، منذ عام 1944، أن "مدنيّتنا الديمقراطية لا تبنى بأيدي أبناء الظلام بي تبنى بأيدي أبناء النور الأغبياء". تشوّش دلالات التشبيهات وعي الجماهير وتضع غشاوة على النواحي الأخلاقية والسياسية المستدلة منها. ينجرّ الفرد وراء الجهاز الثقافي المسيطر ويعتقد خطأ بأنه عتبة "عصر جديد"، ويخلق وعودا من مجرد سماع اسمه، عن طريق حقيقة واقعة، وهو "يواجه" المشاكل الشائكة التي يطرحها العصر أمامه عن طريق تطوير رموز من الماضي، تنعش الإلهام وتمس عالمه بشكل مباشر، ويزودها بحلول سطحية: تغيير عادات الأكل، ورشات عمل "روحانية" وما شابه ذلك. هذا توجه ساذج يعتقد بأنه عن طريق الأعمال الشخصية-الأنانية سيمد خط مجرّد، تتربع على أحد طرفيه الحقيقة والنظام في العالم الحر، اللبرالي، وعلى طرفه الآخر السلطة الاستبدادية المتشددة لزارعي الفتنة. غير أن لرموز الحضارة المقدمة إلى الفرد توجهات مثالية، الهدف منها هو الخداع. إنه استغلال متهكم من شأنه أن يؤدي إلى أن يصدق الإنسان العادي أن التصرف السياسي هو حصيلة كافة تطلعاته، مخاوفه ورغباته الملحّة. يكمن الخطر في أنه من الناحية العملية ستتحول حرية الفرد إلى أداة أيديولوجية ذات التزام جماعي بالمصالح الوطنية.

 ستُظهر الأيام فيما إذا كانت السياسة الإعلامية التي ينتهجها الرئيس بوش ستؤدي بنا إلى "العصر الذهبي" الذي سنتمتع فيه من التجانس الاجتماعي البسيط، أو أن برجا ورقيا سينهار وستتحطم آمال العامة بالخلاص، الأمر الذي سيلحق بنا دماراً هائلاً.
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004