|
في حسابات
النفس كما تجرى اليوم - أي علنيّاً بينما تحدّق عين بالقارئ والأخرى بالفئة
ذات الشأن، التي يأتي منها مُجري الحساب - من اللائق أن يعرّف الكاتب نفسه.
إذن، لم أولد في كيبوتس ولم أتثقف في مؤسسة تربوية، لم أكن في قلب المركز (هغرعين)،
لم أتعلم في مدرسة غوردون، لم أحرث ولم أحصد، لم يجر تأهيلي؛ كانت التربية
في البيت الذي ترعرعت فيه تربية تقليديّة إلى حد يثير العجب، وتكاد تقترب
من التزمت المقصيّ. في إطار تأهيلي الأكاديمي حصلتُ على لقب مؤهّل فقط ولم
يكن باستطاعتي التفاخر بلقب "بروفيسور"، تلك الهالة الجميلة التي سهّلت
الأمور خلال سنوات المعاناة والكتمان، تعريف اليساري العادي. لم أرفض
الخدمة في صفوف جيش الدفاع الإسرائيلي بل على العكس قمتُ بتمديد مدّة خدمتي
طويلاً.
يوجّهني مفهوم لبراليّ عام حيث تنبع نظرتي إلى الاحتلال من خلاله. مع ذلك
فأنا أومن أن هدم الإحساس بالمسئولية فيما يتعلق بما يجري في الدولة لدى
أوساط كبيرة في صفوف الجماهير هو بمثابة كارثة. ناهيك عن أنه في الوقت ذاته
يتم القضاء على آليات حماية المستخدمين وذلك بسبب الخصخصة على أنواعها
(كذلك نتيجة تأسيس آلاف الجمعيات التي تقدم المساعدة عوضاً عن الوزارات
الحكومية). لقد حذت بي هذه المواقف الاجتماعية إلى إدارة "الصندوق الجديد
لإسرائيل"، وهي معقل معروف جدا لليسار الذي يساند حقوق المواطن وحقوق
الإنسان (ولذلك يعتبر من محبي العرب). أضف إلى ذلك ما يزيد على العشرين
عاماً من العمل في تلفزيون اليساريين، إضافة إلى الشكنازية المثبتة وتشجيع
هبوعل-القدس، وها أنتم تحصلون على الدّمج الصحيح: يطلق النار ويبكي، اليسار
الكلاسيكي.
استنفاذ الأيديولوجية
أصبح الآن ممكناً المضيّ في طريق حساب النفس، وأن نلطم صدورنا بسبب الخطأ
الذي ارتكبه اليسار في تكبّره وتفاخره العقيم. إذا كان الكيبوتس نهجاً
جيداً إلى هذا الحد، فلماذا لم يحوّلوا بيت شان إلى كيبوتس بل تركوها
مستودعا للأيدي العاملة؟ ألم يكن الكيبوتس نهجاً جيدا إلى هذا الحد؟ كنتُ
أظنّ أنهم أرادوا تصديره إلى أفريقيا وأمريكا وقد تم تأهيل جحافل من
المتطوعين هنا بهدف نقل هذا النهج إلى أورغون ولفيومينغ، ولكن ليس إلى بيت
شان وإلى كريات ملاخي، لا قدر الله. لماذا؟ لأن بيت شان يسكنها عرب-يهود،
وما الذي يفهمه سكان مدن التطوير فيما يتعلق بالكيبوتس؟ إنهم يصرّون على أن
يكونوا يهود جلاء، وأما الكيبوتس فقد أصبح محجوزاً.
كذلك فيما يتعلق بالذّنب الّذي اقترفه اليسار في عدم نفض غبار الإرهاب
البلشيفيكي في الاتحاد السوفييتي. يعيش في الاتحاد السوفييتي مليونا يهودي،
ولم يكن الشعب اليهودي قد نجح في أن يلؤم جراحه من الكارثة بعد، واليسار ما
زال يضم ستالين إلى صدره. بعد ذلك حاربنا لعدة عقود أمام السلاح الروسي،
أرسله عمّال العالم أجمع إلى مصر وسوريا.
وكذلك فيما يتعلق بالذّنب الّذي اقترفه اليسار ضد جمهور بأكمله في دولة
إسرائيل وهو الجمهور العربي من أبناء الشعب الفلسطيني، الذي يعيش أفراده
بيننا وكأنهم متساوون في كل الأمور. لقد عوّد اليسار-المركز اليهودي نفسه
منذ البداية على التمييز المرسّخ في القانون الذي لحق بجمهور بأكمله، وذلك
بخلاف روح وثيقة استقلال الدولة التي أقيمت لتوّها بعد ألفي سنة. لقد تم
بذلك، إن صح التعبير، وضع أسس معاملة الفلسطينيين الذين أصبحنا منذ العاشر
من حزيران عام 1967 أسيادهم. هل هذا هو التفسير اللائق "لنبوءة أنبياء
إسرائيل"؟ أدّت المداهنة والتظاهر وغسل اللغة في نهاية الأمر إلى استنفاذ
كافة الأيديولوجيات.
وكذلك فيما يتعلق بالذّنب الّذي اقترفه اليسار حين تخلى عن نعمة المساعدة
المتبادلة والثقافة. يصعب علينا أن نبالغ في حجم المشروع الذي أقيم هنا
ابتداء من أوائل عشرينيات القرن الماضي وحتى قيام الدولة، وكل ذلك في مجال
الضمان الاجتماعي، حقوق النساء والعاملات، الدفاع عن المسن، تطوير الأدب
والمسرح العبريين والتشغيل المنظم والمحمي. ما الذي حصلنا عليه مقابل ذلك
التخلي؟ كيف سمحنا بهدم كل هذا؟ هل فعلنا ذلك من نابع إحساسنا بضماننا
مؤيّدينا، وأن من سيتضرر بطبيعة الحال هم مصوّتو الليكود، إذن فليتحملوا؟
في هذه الأثناء تراخى النسيج الذي يربط دولة إسرائيل بالتراث اليهودي على
مر الأجيال: الارتباط بالمجتمع المحلي، تقاسم الأعباء، المصير المشترك.
ولكن عندما تضعف الصلة يتلاشى أيضا الإحساس الأساسيّ للمجتمعات المحلية،
الموجودة في كل كنيس صغير. لربما شعر الجمهور غير المتديّن بذلك على مستوى
الفرقة الواحدة في الجيش ولكن ليس بأبعد من ذلك. أسألك يا رب نفسي.
|
|
| |
يصعب علينا أن نبالغ في حجم المشروع الذي أقيم هنا ابتداء من أوائل
عشرينيات القرن الماضي وحتى قيام الدولة، وكل ذلك في مجال الضمان
الاجتماعي، حقوق النساء والعاملات، الدفاع عن المسن، تطوير الأدب والمسرح
العبريين والتشغيل المنظم والمحمي. ما الذي حصلنا عليه | |
|
على
النّطاق الأوسع أقول أن حساب النفس الذي يجدر باليسار أن يجريه يشابه حساب
النفس الذي يجدر باليمين المتدين-الوطني أن يجريه، والذي يتلخص في العجز عن
حلّ الأزمة بين الصلة والحق.
التخلي عن
الحق
لكل صهيوني، نشأ في المهجر، كانت صلة تامة بكافة أجزاء أرض إسرائيل: بنحلات
يهودا ونحلات رئوفين، معرات همخبلاه (الحرم الإبراهيمي الشريف) وشيلوه،
وكذلك طبريا والقدس وصفد. لقد تخلت الصهيونية في أرض إسرائيل، عندما خطت
خطواتها الأولى في الرحلة إلى الماضي، عن الحق في كافة أجزاء أرض إسرائيل،
ولكنها لم تتخل عن الصلة بها: ليست الصلة الجغرافية بغفعون وبطرق إفراتا
فحسب، بل كذلك الصلة الأساسية بالقيم اليهودية.
أحد المشاريع العظيمة لحركة الكيبوتسات، عدا عن ‘مار البلاد وتأسيس البنى
التحتية الاقتصادية للدولة الناشئة، هو مشروع روايات الكيبوتسات. في كل
كيبوتس، حتى في الأيام التي لم يتوفر فيها القوت، ألفوا وطبعوا رواية حكوا
فيها قصة خلاص الشعب، قصة الكيبوتس وإنجازاته، وبكوا الكارثة وبكوا مصير
الشعب اليهودي أينما كان. رغم أن الخبز قد توفّر على الطاولة وليس "المتسوت"
(خبز الفصح) فقط، إلا أنه كانت هناك أيضا تفجّر الإبداع اليهودي والبحث عن
طريق يهودية، أخذت تكتب وتنص نفسها من جديد في أيام كان فيها الكيان
اليهودي كله مدمّر. لقد
جددوا أعياد إسرائيل وفي
الوقت ذاته جدّدوا اللغة، الثقافة، التواصل مع الجاليات الإسرائيلية في
المهجر أيضا، كل ذلك من خلال الصلة اليهودية المتينة والطبيعية. لقد كانت
الصهيونية المتديّنة-الوطنية شريكة في هذا العهد الذي تميّز بصلة لم تترجم
ذاتها إلى الحق الكامل على الأرض، حيث تخلت هذه الحركة عن التناسق بين
الصلة والحق. لم يكن كذلك الجزء العلماني-ت
الإسرائيلية في المجدية التعديلي، فهو لم يتخل عن التطابق بين الصلة
والحق، إلا أنه قد هُزم في الحوار السياسي حتى منتصف ثلاثينيات القرن
المنصرم.
كل
ذنوب اليسار التي ذكرناها هنا ملوّثة بهذا التصدّع بين الصلة والحق، وهو
التصدّع نشأت بعد الانتصار في حرب الأيام الستة. فقد وفرت حرب الأيام الستة
واحتلال المناطق الفرصة من جديد لتحويل الصلة إلى حق. أول من ظهر على
الحلبة الجماهيرية كانوا مؤيدي أرض إسرائيل التامّة ومعظمهم من العلمانيين،
التعديليين، أفراد ‘أحدوت هعفوداه‘، نتان ألترمان وموشيه شمير. بعد ذلك
واستنادا إلى المعتقدات المتدينة-الداعية بقدوم المسيح المنتظر، نشأت حركة
‘غوش إمونيم‘. لم تكن هذه النظرة نظرة أمنية بل نظرة متدينة-عقائدية مجرّدة
ومباشرة. الأمر الذي منع، في ذلك الحين، ضم المناطق لتصبح جزءا من دولة
إسرائيل هو الإدراك، السائد حتى اليوم، أنه لن يكون بمستطاع إسرائيل
الاستمرار في التواجد كدولة يهودية وديمقراطية دون وجود أغلبية يهودية
متينة، إلا إذا كانت تخطط لتطهير عرقي واسع النطاق يمكّنها من السيطرة على
كافة المناطق. لم تتبن أي حكومة إسرائيلية حتى اليوم هذه النظرة. رغم ذلك،
وكنتيجة للمواقف المتلعثمة للكتلة المركزية في اليسار السياسي، الذي أذعن
لكل طلبات المستوطنين، نشأ وضع، خلال أربعين سنة من الاحتلال، أصبح فيه
انفصال دولة إسرائيل عن المناطق المحتلة أمرا مستحيلا. لقد أدت هذه
العمليات أيضا إلى اختفاء اليسار، وأما ما تبقى منه حياً في دولة تل-أبيب
فقد كان منعزلا عن سائر البلاد، ويملي عليها قواعد اجتماعية ترتكز على
اقتصاد شمولي وانعدام تام للمسئولية المتبادلة.
لم يكن التنازل لصالح المستوطنين تنازلا "تقنيا" فقط، نتيجة لثني الأيادي
السياسي: منذ أن سيطرت على الدولة النظرة السياسية-الثقافية القاضية بأن
هناك بالفعل تناسق بين الصلة وبين الحق ، على الدولة، كان رد فعل ذلك الجزء
من اليسار، الذي لم يوافق مؤيدي استمرار الاحتلال، هو التخلي الكامل عن
صلته بأرض إسرائيل والتراث اليهودي.
بهذه الطريقة تخلى اليسار،
وعقبه في ذلك رئيس الحكومة ميناحيم بيغن وأغلبية الليكود العلماني، عن
مواقف أساسية في الجماهيرية الإسرائيلية ووضعوا مسئولية الدين والتراث
اليهودي، وكذلك حقيبة التربية والتعليم بين يدي الصهيونية المتدينة
المتأثرة بمواقف ‘غوش إمونيم‘. يتّضح أنه فيما عدا تفكيك الأطر التربوية في
فترة تولي زفولون هامر لمنصبه، وبعد مرور جيل على جهاز تربية وتعليم يفتقر
إلى اتجاه يهودي واضح، لم ينخفض تحصيل الطلاب فحسب، بل أصبحت صلتهم
اليهودية والوطنية مشوّشة وخالية من المضمون وافتقرت إلى وجود أية ركيزة
مدنية عامة. نتيجة التخلي عن الصلة اليهودية نشأ هنا جيل (وهو أقلية
هامشية) ملتزم، في أحسن الأحوال، بقيم إنسانية شمولية اكتسبها من البيت،
ولكنه في معظم الأحوال كان ملتزما بالعادات، ضيق الآفاق ويفتقر إلى أية
ركيزة من المعرفة أو الدراية، تمكّنه من وضع تفسير خاص به لهويته اليهودية.
سرعان ما
تحوّل الموضوع المشحون
والمراوغ والمحرج بشأن الصلة بالأرض والتراث إلى انفصال عام عن الصلة
بالطيف الثقافي-الوطني المحلي. بعد الانفصال عن الذاكرة التاريخية الوطنية،
حدث انتقال كامل في طابو التوراة. صحيح أن مئير شليف قد ألف "التوراة
الآن"، إلا أنه كان يتبع للجيل القديم، وأصبحت تبدو محبته للتوراة اليوم
كجنون ذاتي لأبله قدسي أو مزارع من السهل. كما واحتكر اليسار الرموز
الوطنية. العلَم، اللغة العبرية، كلمة "وطني"، عاصمة إسرائيل، ‘متسعاد
هحاييم‘ (مسيرة الحياة)، القدوم إلى البلاد، الاستيطان، حركات الشبيبة – كل
هذه الأمور أصبحت عقارات لأشخاص آخرين.
المعقل الأخير
منذ بداية الثمانينات بدأت حركة ‘غوش إمونيم‘ تأهيل أشخاص لكافة جسور
القيادة في الدولة، وأساساً في الجيش، في وسائل الإعلام وفي الإدارة
الحكومية، استعدادا للحظة إمساكهم بزمام الأمور كلها. تجسّد رد اليسار في
التخلي التام عن الخدمة الجماهيرية بمختلف أنواعها والتخلي عن جسور
القيادة. وسرعان ما تحوّل استنفاذ الصلة إلى تخلّ عن تحمّل المسئولية وعن
الاستعداد للنضال من أجلها.
في مثل هذا الوضع، أصبحت المحكمة حليفة للمواقف اليسارية وآخر معقل لها.
لقد توجّه اليساريون إليها بهدف الدفاع، بقوة القانون، عن حقوق الإنسان
والفرد، التي حاول الاستبداد السلطوي النيل منها وتقليصها. لقد شكّلت
المحكمة الملاذ الأخير في أماكن لم يكن لأوساط اليسار تأثير سياسي فيها
وكانت تخلو من عامود فقري عقائدي في السلطة التنفيذية، وفي حال وجود تحذير
حقيقي لم يكن ذلك كافياً.
|
|
| |
حتى المعتدلين من بين الفلسطينيين، هؤلاء الذين عبّروا عن استعدادهم
للتخلي عن الحق السياسي، لم يكونوا مستعدين حتى للتحدث عن قطع الصلة.
ألا تكون للإنسان صلة سياسية بيافا أو بالرملة، فهذا لا يعني أنه ليست
له صلة بهذه الأماكن، التي ليست جزءا من ثقافته ومن حواره الوطني، من
مسألة حنينه. يكمن ضعف المشاركين في المحادثات من اليسار – وقد أذهل
هذا الأمر الفلسطينيين أيضا – في عدم وجود خطاب صريح وثاقب فيما يتعلق
بالصلة. علينا أن نتذكر أن وجه الأمور مشابه لدينا أيضا: الانسحاب من
الخليل لن يمنعنا من الاشتياق إليها | |
|
وكما هي الحال
في كل جيل، يميلون اليوم أيضا، في كافة الأمور، إلى اتهام الشباب: ممن
عاصروا حرب لبنان والانتفاضات، خوارج الجهاز التربوي الذي نشئوا فيه،
مؤسّسي القناة الثانية، "كوحاف نولاد" و"إكزيت". إلا أن المذنبين هم أبناء
جيلي بالذات، وعمرهم من عمر الدولة، والذين كانوا يتمتعون بالقدرة على
النهوض غداة حرب أكتوبر وإقصاء الحكومة التي لم تفشل في أداء وظيفتها
السياسية-الأمنية فحسب، بل بدأت أيضا بتحقيق العلاقة المباشرة بين الصلة
والحق من الناحية العملية. لقد تفككت هذه المجموعة الهائلة، التي أوجدت
الدافع السياسي للتغيير وطردت غولدا وغليلي، تفككت بعد فترة وجيزة من ذلك،
وقد أقام الجزء الأكثر يسارية فيها "السلام الآن" وحاول، بجسده، وقف
العملية. إلاّ أنه مع انعدام دعم سياسي داخل النظام، هُزم بشكل متواصل.
أضيفوا إلى ذلك تقدّم الشيخوخة الطبيعيّ، الرغبة في العمل من أجل بيتك، أي
البدء بجمع المال والعيش كإنسان، وكذلك العلمنة السافرة لظاهرة "السلام
الآن"، وستكتشفون أن لا احتمال بأن تأخذ هذه المجموعة على عاتقها مهمة
بلورة مستقبل الجمهور اليهودي في إسرائيل.
المزيد عن مسألة
الصلة:
النظرة
إلى إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وبما في ذلك صعوبة تعريف هذا الرباط،
تلزم بإجراء حوار دائم حول حدود الديمقراطية وجوهرها وحول ماهيتها
اليهودية. غير أنه في هذه الأثناء لم يبق الآن تقريبا من يمكن التحدث إليه
في المعسكر العلماني في اليسار، من الذين يتمتعون بحق ما في مجال الهوية
الدينية، أو على الأقل ممن هم قادرون على التفوه بمقولة مقنعة بهذا الشأن.
لم يواجه بن غوريون وبرل كتسنلسون هذه الصعوبة: لقد كانا يهوديين على
طريقتهم الخاصة، ولم يتخوّفا من الشجار مع الحاخام كوك، مع ‘حزون إيش‘ أو
مع الحاخام سولوبايتشيك. غير أن جيل الجنرالات الأول الذي حلّ مكانهما في
السلطة، كان يفتقر إلى الوسائل، ويبدو لي أنه فيما عدا شلوميت ألوني كان
يسود هنا قفر تام. شلوميت ألوني فقط عرفت كيف ترد باقتباس على أي اقتباس
وأن ترد بجملة من "بركي أفوت" على أي تعليل متديّن-للوهلة الأولى، كان يبرر
اقتلاع كروم الزيتون أو التنكيل بالضعيف. لقد خلت الحلبة اليوم من متحدثين
أو خصوم يمكنهم سكب تفسير يهودي داخل مواقفهم الاجتماعية، الاقتصادية أو
السياسية.
لم تنجح الحركات "المستوردة" لليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة في سد
الفراغ الروحاني-الديني. صحيح أن هذه الحركات، وأصلها من يهود الولايات
المتحدة،
تواجه، بشكل
مختلف، التعامل مع الضعيف، الاحتلال، العدل الاجتماعي ومكانة المرأة. رغم
أنها نجحت بضرب جذور لها هنا، وحتى أن تضم إلى صفوفها عددا آخذا بالتزايد
من الإسرائيليين، فإن تأثيرها على الجهاز التربوي وعلى الخطاب الديني يكاد
يكون معدوما. ولم تنشأ هنا أية حركة محلية للتجديد اليهودي غير الأرثوذكسي
ذات تأثير كبير.
لهذه الأسباب
وفي هذه الأيام، في خضم إخلاء المستوطنات التي أقامها يسرائيل غليلي في
غزة، حين ينشب فجأة "الحوار اليهودي"، لا يتوفر لدى اليسار أي رد ذي قيمة،
بل يكون رده – وكم يبدو الأمر ساخرا - ردا على الصعيد الاقتصادي: لقد طلبوا
تجزئة البلاد بجدار عال حتى السماء، وذلك ليس لمنع العرب من التسلل إلى
بيوتهم فحسب بل لكي لا يرونهم ولا يشموا رائحتهم أيضا، وقد حصلوا على
الجدار كهدية خلال أقل من سنة، دون إجراء حوار جماهيري ودون مراقبة حقيقية.
لقد طالبوا بوقف الانتفاضة والانسحاب من المستوطنات وحصلوا، حتى موعد كتابة
هذه الأسطر على الأقل، على مطالبهم المؤقتة. إلا أن آلية التعليلات لكل هذه
الأمور لم تشتمل على أي اقتباس من مقالات غدعون ليفي: لقد كانت هناك
اعتبارات منصوصة بشكل جيد فيما يتعلق بالإنتاج والتصدير، الهاي-تك
والعقارات. لقد أغلقت الدائرة بين رجل "اليسار" الساكن في رمات هشارون
وجاره "اليميني" وقد أصبحوا واحدا: قوتهما تنبع من مالهما، عزلتهما، انعدام
وجود جدول أعمال عام، بل ما تبقى هو: أنا أريد وأريد وأنا. لقد غنى يهودا
بوليكر ذلك من قبل، قبلي، والصوت الذي أقسم بأنه سيغير العالم قد اختفى في
الصمت الكبير السائد من حوله.
في الختام
ملاحظة أخيرة: في إطار المحادثات في كامب ديفيد في عهد براك وفي منتديات
عديدة أخرى، طُرحت على جدول الأعمال مسألة حق عودة الفلسطينيين إلى داخل
حدود إسرائيل ما قبل عام 1967. أولئك الّذين قلّلوا، دون سابق قصد، من شأن
صلتهم بأرض إسرائيل ومنحوها مكانة هامشية جدا، هم الذين طالبوا بمناقشة
الموضوع. حتى المعتدلين من بين الفلسطينيين، هؤلاء الذين عبّروا عن
استعدادهم للتخلي عن الحق السياسي، لم يكونوا مستعدين حتى للتحدث عن قطع
الصلة. ألا تكون للإنسان صلة سياسية بيافا أو بالرملة، فهذا لا يعني أنه
ليست له صلة بهذه الأماكن، أنها ليست جزءا من ثقافته ومن حواره الوطني، من
مسألة حنينه. يكمن ضعف المشاركين في المحادثات من اليسار – وقد أذهل هذا
الأمر الفلسطينيين أيضا – في عدم وجود خطاب صريح وحاسم فيما يتعلق بالصلة.
علينا أن نتذكر أن وجه الأمور مشابه لدينا أيضا: الانسحاب من الخليل لن
يمنعنا من الاشتياق
إليها. الفصل بين الصلة والحق والحفاظ على الصلة،
هو قاعدة للمحادثات ولتحسين العلاقات ليس داخل المجتمع اليهودي فحسب بل
وبالأساس مع الفلسطينيين.
هذه الأمور صحيحة أيضا بالنسبة للمستوطنين:
من لا يقدر على
الفصل بين الصلة والحق، يطالب الطرف الآخر بالتخلي ليس عن حقوقه السياسية
فحسب، بل عن صلته أيضا. إنه غير قادر على ملاحظة إمكانية الفصل ولذلك فهو
غير قادر على إنهاء النزاع إلا عن طريق تحقيق حق كامل على كل الأماكن التي
له صلة بها. لدى الطرف الآخر، طرف حماس، الحوار مماثل تماما، ولذلك علينا
أن نعرف أن لدى أصحاب الصلة الكاملة فقط الذين يساومون على الحق هناك
احتمال للسلام.
إليعيزر يعاري
هو مدير عام الصندوق الجديد لإسرائيل
|