|
العدد
28
| أيار - حزيران 2005
لا تخطئوا في فهم الانسحاب أحادي الجانب |
|
" |
||||||||
|
يوسي كلاين-هليفي: "نحن أيضا حاولنا محو وجودكم الوطني، وأصررنا على الادعاء بأنكم لستم شعبا حقيقيا، بل إضافة إلى العالم العربي" |
||||||||
|
|
||||||||
|
منذ بداية النزاع، لم يرسخ في أذهانكم أننا لسنا نسخة معاصرة عن الصليبيين،
بل شعب له جذوره، عاد إلى بيته. ولقد تسبب عجزكم عن فهم من نكون في كارثة
لم تحل بنا فحسب بل حلت بكم أيضا، لأنها أوقعتكم بالخطأ مرارا وتكرارا في
تقييم كينونتنا وقوة صمودنا.
فيما مضى وقبل الحرب على الإرهاب، وفي فترة تبدو اليوم – ليس من الناحية التقنية فحسب، بل من الناحية الجوهرية أيضا – وكانها الفية اخرى, زرت المساجد والكنائس في الأراضي المقدسة، لأني أردت أن أتعرف عليكم في لحظاتكم الروحانية الذاتية. وقد جئت كيهودي مؤمن، وصليت برفقتكم وتأملت معكم ما هو سام في كل مكان سمحتم لي بالمشاركة فيه بحياتكم الإيمانية. أردت أن أترفّع، ولو لفترة قصيرة، عن الهوة السياسية القائمة بيننا، بأن أشعر برفقتكم بجزء يسير من الوجود الإلهي. وأردت أيضا أن أتعلم كيف أشعر بالراحة مع ثقافات الشرق الأوسط الدينية، من منطلق الإيمان بأن عودة اليهود إلى وطنهم لن تكتمل الا اذا كفّت الدولة اليهودية عن أن تكون لاجئة في منطقتها. خلال رحلتي التي نقلتني من الجليل إلى غزة، تشرفت بالانضمام إلى صف الصلاة الإسلامية بحيث تعلمت كيف أحترم رقصة الخشوع هذه التي يتحول فيها الإنسان إلى جزيء من موجة كبيرة من التفاني، موجة سبقت ظهورنا على وجه الأرض وستستمر إلى ما بعد رحيلنا بوقت طويل. وتعلمت كيف أقدّر قلب الإسلام الذي لا يخاف والذي يعرف كيف يغرس في مؤمنيه القبول الحقيقي بزوال الحياة، الأمر الذي تسرف الثقافة الغربية في إخفائه بصرف الانتباه، عن طريق الدعابة السوداء. ويكمن الوجه المظلم لتقبّل الإسلام للموت، بطبيعة الحال، في المخربين الانتحاريين، ولكني تعلمت كيف أن تقبل زوال الحياة يمكن أن يشكل ركيزة لخلق لغة للمصالحة بين الأديان. فقد قال لي الفلسطينيون مرارا وتكرارا: "ما الفائدة من الجدل الدائر بيننا حول من تعود اليه هذه الأرض، إذا كنا أنا وأنت، في نهاية الأمر، سنعود إليها؟". لقد كانت الحكمة الكامنة في النظر إلى مطالباتنا ونضالنا الدنيوي في سياق زوال الحياة، وهو وضع يجمع بيننا، هي التي منحتني الأمل في امكان حلول السلام بيننا في يوم من الأيام. نصر يوسف كمثل إلا أنني اكتشفت أيضا، خلال عدد لا يعدّ ولا يحصى من المحادثات الصريحة مع فلسطينيين من كافة شرائح المجتمع، أن قلة قليلة من أبناء شعبكم مستعدون، حقا، للاعتراف بشرعية حقي على جزء ما من هذه الأرض. وسأذكر مثالا معبرا واحدا فقط. انني وخلال رحلتي إلى الإسلام في غزة، التقيت الجنرال نصر يوسف الذي ترأس في حينه الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهو يتقلّد اليوم منصب وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية. وفي سياق حديثنا طلبت من الجنرال أن يصف لي وجهة نظره فيما يتعلق بالعلاقات بين الدولة اليهودية والدولة الفلسطينية بعد التوقيع على معاهدة سلام بيننا. فقلت له لنفترض أن إسرائيل ستنسحب إلى حدود 67، لتفكك المستوطنات وتقسّم القدس من جديد: ماذا سيحدث آنذاك؟ وأجابني بأنه مع عودة اللاجئين إلى منطقتنا، سيختار كثيرون منهم السكن في المناطق داخل إسرائيل والتي عاشوا فيها ذات مرة مع عائلاتهم، لدرجة اننا سنفهم في نهاية الأمر أنه لا حاجة لحدود مصطنعة بين إسرائيل وفلسطين. وواصل الجنرال حديثه قائلا، أن الخطوة التالية ستكون دمج الدولتين. "وعندها سندعو الأردن للانضمام إلى الفدرالية التي أقمناها ومن ثم العراق وسوريا. ولم لا؟ سنُري العالم كله أي بلاد رائعة يمكن لليهود والعرب أن يقيموها معا". ولكن، سألت الجنرال، ألسنا نتحاور الآن بهدف الوصول إلى دولتين لشعبين؟ فأجابني "نعم، كحل مرحلي"، وعندها أضاف: "أنتم جزء منا، وكما أن هناك عربا مسلمين وعربا مسيحيين، فأنتم عرب يهود."
هذه الحكاية هي وثيقة الصلة بالموضوع ، خاصة وان الجنرال يوسف معروف بأنه معتدل يعارض الإرهاب معارضة شديدة بدعوى أنه يلحق الضرر بالأهداف الفلسطينية. هكذا تعلمت خلال رحلتي داخل مجتمعكم أن للاعتدال معنى واحدا لدى الطرف الإسرائيلي وآخر لدى الطرف الفلسطيني.. فبينما ينظر الإسرائيلي المعتدل من ناحيته إلى النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني على أنه نزاع بين روايتين وطنيتين شرعيتين, يميل الفلسطيني المعتدل إلى معارضة المتطرفين في كل ما يتعلق بالأساليب، ولكن ليس فيما يتعلق بالأهداف, اذ إنه يعارض القضاء على دولة إسرائيل بالإرهاب وبالحرب، ربما لأن هذه الإمكانية غير واقعية; غير أنه يؤيد اختفاء إسرائيل من على الخارطة بوسائل أكثر تدريجية، مثل التخريب الديموغرافي. إنه يرى، مثله مثل الجنرال يوسف، حل الدولتين اتفاقية مرحلية على الطريق إلى "فلسطين الكبرى". وعليه فحين يتحدث المعتدلون فيكم عن السلام وعن العدل انما يقصدون عادة حل الدولة الواحدة. قبل رحلتي إلى الإسلام والمسيحية الفلسطينيين كنت على قناعة بأنكم، أنتم القابعين تحت الاحتلال، تعرفون عن الإسرائيليين أكثر بكثير مما نعرفه نحن عنكم. ففي نهاية الأمر، وبسبب الظروف، يميل المحتلة أرضه إلى إيلاء اهتمام أكبر إلى نمط حياة المحتل الذي يغمض أعينه بكبريائه الأعمى عمّن حوله من أبناء الشعب المحتلة ارضه. الا انني لم أعد أؤمن بذلك. لقد كانت رحلتي الشخصية إلى أديان جيراني جزء من محاولة إسرائيلية أوسع نطاقا، محاولة بدأت خلال الانتفاضة الأولى لفهم روايتكم، والنظر إلى النزاع بمنظاركم. إرهاب فكري
أما بالنسبة لمجتمعكم، فيكاد لم يقم بأية محاولة لفهم روايتنا، بل عوضا عن ذلك طوّرتم ما يمكن تسميته ب"ثقافة الإنكار" التي تنكر أكثر الحقائق أساسية في الرواية اليهودية. وبمقتضى ثقافة الإنكار هذه، السائدة ليس في أوساط شعبك فحسب، بل في كافة أرجاء العالم العربي، فإن أي وجود يهودي لم يكن قائما قط في هذه البلاد في العصور السالفة، ولم يتواجد هيكل في القدس ولم تحدث المحرقة اليهودية - الهولوكست. الهجمة الحقيقية، إذن، ليست هي الإرهاب، بل هي الهجمة الشرسة على تاريخي وهويتي؛ إن رفضكم السماج لي بتقرير مصيري هو نوع من الإرهاب الفكري. ولا يوجد أي مكان في العالم اليوم تحظى به "بروتوكولات حكماء صهيون" بالشعبية التي تحظى بها في العالم العربي الذي تحول إلى مركز عالمي لإنكار الهولوكست.
وفي إطار تبني ثقافة الإنكار هذه في وسائل الإعلام وفي المدارس وفي المساجد, حاولتم اختراعنا وتعريفنا من جديد ومحو وجودنا القومي. لقد حاولنا نحن أيضا ذات مرة محو وجودكم القومي، وأصررنا على الادعاء بأنكم لستم شعبا قائما بحد ذاته، بل ملحقا بالعالم العربي. لكن وحده اليمين الأيديولوجي ما زال متشبثا بما ذهبت اليه غولدا مئير في حينه من انه لا يوجد شعب فلسطيني. أما انتم، فإن زعامتكم السياسية والروحية تواصل تاكيدها المتكرر على عدم وجد شعب يهودي، زاعمة وجود دين يهودي فقط، أو هوية مزعومة مثل "اليهود العرب" على حد قول الجنرال يوسف، أو شعب مزعوم أصله من "الخزر" (الذين ترجع أصولهم إلى قبائل تترية). وإنكم بذلك تتجاهلون تعريف اليهود لأنفسهم دوما بشعب له دين. لماذا نترك غزة؟
صحيح أنه من الأسهل على القوي منه على الضعيف أن يطور توجهات أكثر تعقيدا فيما يتعلق بالنزاع. فمن لديه جيش واقتصاد مزدهر يمكنه أن يسمح لنفسه باعادة التفكير في تاريخه، بل وافساح المجال امام رواية منافسة. إلا أنكم منذ بداية النزاع لم يرسخ في أذهانكم حقيقة أننا لسنا نسخة معاصرة من الصليبيين بل شعب له جذور عاد إلى بيته. وإن عجزكم عن فهم من نكون نحن، أدى إلى حلول كارثة ليس بنا فحسب، بل بكم أيضا، لأنه أوقعكم بالخطأ مرارا وتكرارا فيما يتعلق بتقييم كينونتنا وقوة صمودنا. ويبدو الآن أنكم مقدمون مرة أخرى على ارتكاب خطأ كارثي فيما يتعلق بفهم الجمهور الإسرائيلي. يستشف من استطلاعات الرأي أن أغلبية الفلسطينيين يعتقدون بأن الإرهاب هو الذي أدى إلى اتخاذ قرار الانسحاب من غزة. إن هذا الاستنتاج من شأنه أن يؤدي بكم إلى حلقة أخرى من الإرهاب, إذ في الحقيقة نحن ننسحب من غزة لأن أغلبية الإسرائيليين قد توصلوا منذ الانتفاضة الأولى الى أن مصلحتنا الوجودية تلزمنا بتقليص التهديد الديموغرافي للأغلبية اليهودية قدر الإمكان، وكذلك التهديد الأخلاقي الذي يشكله استمرار الاحتلال على نفوسنا، وفي الوقت ذاته نعزز سيطرتنا على المناطق التي نعتقد بأنها حيوية لضمان حياتنا الآمنة وهي الكتل الاستيطانية والقدس الكبرى. هذه هي إذن سخرية ما تسمونه أنتم انتفاضة الأقصى: لقد اخترتم الإرهاب، ففوتّم فرصتكم في الحصول على القدس كعاصمة كان بإمكانكم الحصول عليها لو كنتم قد اخترتم طريق التفاوض. يكمن مفتاح فهم معنى الانسحاب أحادي الجانب – وهو أمر لا يفوت أبناء شعبكم فحسب، بل اليمين الإسرائيلي أيضا – في أن "أحادية الجانب" لا تقل اهمية عن "الانسحاب". ان معظم الإسرائيليين توصلوا إلى استنتاج بأن اليسار لدينا كان على حق عندما حذر من المخاطر الأخلاقية والديموغرافية للاحتلال، وكان اليمين لدينا على حق عندما حذر من أن الحركات الوطنية الفلسطينية ليست لديها أية نيّة في العيش بسلام إلى جانب دولة يهودية، ولتكن حدودها ما تكون. إذن، إذا لم يكن بمقدورنا احتلالكم، ولم يكن بمقدورنا التوصل إلى سلام معكم، فالخيار الوحيد الذي بقي أمامنا هو الانسحاب من جانب واحد والجدار – أي رسم حدودنا بأنفسنا دون تسوية سلمية. والإصرار الإسرائيلي الجديد على عدم انتظار شريك فلسطيني غير موجود والإمساك بناصية مصيرنا هو نصر إسرائيلي وليس فلسطينيا. لقد منحت حرب الإرهاب المجتمع الإسرائيلي نصرا هاما آخر هو الإيمان المجدد بعدالة طريقنا. ففيما عدا يسار صاخب ولكنه هامشي، يعلم أغلبية الإسرائيليين بأنه عند كل مفترق تاريخي في السنوات السبعين الأخيرة، حين طرح على الطاولة اقتراح لإنهاء النزاع، كان طرفنا يقول نعم أما طرفكم فيقول لا. هذا ما منحنا قوة الصمود أمام الهجمة الجهادية الحالية. كنتم دائما تجدون الكثير من التبريرات لرفض أي تسوية, فالعدل المطلق من وجهة نظركم هو دائما في طرفكم. ولكن مع كل تأجيل عنيف لأي محاولة دولية لإنهاء النزاع تضاءلت خارطة الدولة الفلسطينية الممكن إقامتها. ففي عام 1937 عرضت عليكم 80 بالمائة من الأراضي، وفي عام 1947 - 45 بالمائة، وفي عام 2000 - 22 بالمائة. وتجسد هذا النمط الهدام في حرب الإرهاب الأخيرة مرة أخرى: لقد قلص الانسحاب أحادي الجانب والجدار الفاصل مرة اخرى مساحة الدولة الفلسطينية الممكن إقامتها. لا أشك لدي في أن معظم الإسرائيليين مستعدون من الناحية المبدئية لتقديم تنازلات بعيدة المدى بهدف وضع حد للنزاع. لكن هذه الأغلبية على قناعة تامة أنه بغض النظر عن حجم التنازلات التي سنعرضها، فإننا لن نحصل بالمقابل على السلام والشرعية. لذلك، أعتقد بأن مسؤولية إنهاء النزاع تقع اليوم على كاهلكم. لقد أنجز إسرائيليون كثيرون الانطلاقة الإدراكية الضرورية لإحلال السلام بيننا؛ ولكننا سنبقى متحصّنين خلف جدارنا إلى أن نشعر بوجود تغيير في توجهاتكم. يمثل الجدار نقيضا لأملي في اندماج إسرائيل في الشرق الأوسط، وهو الأمل الذي حذا بي إلى الذهاب إلى المساجد بحثا عن حياتكم الدينية. ورغم ذلك، فأنا كمعظم الإسرائيليين، أؤيد الجدار. فلقد توصلت مسيّرا لا مخيرا إلى أنه بدل العمل على إنهاء النزاع فإن عليّ الاعتراف بالواقع والدفاع عن نفسي أمام رفضكم الاعتراف بشرعيتي. إن دفع الإسرائيليين أمثالي إلى احضان اليأس لا يبدو من وجهة نظري انتصارا فلسطينيا يحتفى به.
خلال عملية أوسلو وعد زعماء معسكر السلام الإسرائيلي الجمهور الإسرائيلي الذي تزايد تخوفه حيال التحريض الفلسطيني ضد مجرد وجودنا، بأن الشرعية ستأتي في أعقاب المصالحة – أي أنه عند انتهاء الاحتلال وسريان مفعول آليات السلام الرسمية سيعترف الفلسطينيون تدريجيا بحق إسرائيل في الوجود. ولكننا ندرك الآن أن الواقع مختلف بحيث تكون الشرعية هي شرط السلام المسبق. منطقيات تاريخية مختلفة تكمن مأساة نزاعنا في أن التاريخ لم يترك خيارا آخر لا لنا ولا لكم. لقد طالب منطق التاريخ اليهودي بأن نعود إلى هنا ليس لأننا كنا نُضطهد في الشتات فحسب، بل لأن اليهود اعتبروا الجلاء عن هذه البلاد وضعا غير طبيعي ومسا روحانيا بالهوية الذاتية الأعمق لليهودية. ولكن كما أن منطقنا التاريخي قد ألزمنا بالعودة، فقد ألزمكم منطقكم التاريخي بالتصدي لهذه العودة. ان النزاع القائم بيننا هو نزاع على ممتلكات غير محسوسة ووجهات نظر متبادلة، وليس على نقطة محددة على الخارطة. وعندما ينظر واحدنا إلى الآخر، فنحن نرى تجسد الصدمات التاريخية الأكثر حدة لدينا. وعندما تنظرون إلينا فإنكم ترون قوة عظمى ذات ميول توسعية تذكّركم بالهزائم والإذلال الذي منيتم به في القرون السابقة وهي وجهة نظر عززتها انتصاراتنا العسكرية على العالم العربي والتي أدت إلى توسيع حدودنا. وحين ننظر نحن إليكم، فإننا نرى آخر حلقة في سلسلة طويلة من الأعداء الغاشمين الذين هبّوا للقضاء علينا وهي نظرة عززتها الأعمال الانتحارية التي تجسد صورة مصغّرة عن دافع لإبادة شعب. فتماما كما ترون فينا استعماريين وصليبيين، نميل أكثر فأكثر إلى اعتباركم نازيين. ولكوني قد حظيت بقضاء وقت ما بمعيّتكم، أعلم أن معظمكم ليسوا نازيين تماما كما أعلم أن معظمنا ليسوا استعماريين. نحن شعبان يعانيان من صدمة يسقط بعضهما على بعض وبشكل مأساوي تصوراته الاكثر شيطانية. محاولة واحدة استثنائية تثير الدهشة
يمثل انسحابنا من غزة بداية تقلصنا الإقليمي. هل يمكن لطرفكم أن يكف عن الحلم بالقضاء علينا، وهي أحلام مرفقة بعمليات حقيقية من خلال الإرهاب والديموغرافية والقنبلة الإسلامية؟ هل يمكنكم الاعتراف بالشرعية الأخلاقية – لا الاعتراف بالضروريات السياسية المؤقتة – لحلّ الدولتين؟ كتبت آنفا أن شعبكم "يكاد يكون لم يقمِ "بأية محاولة" لفهمنا، نحن اليهود. ولكن كان ثمة استثناء يتيم مثير للدهشة تمثل في زيارة لمعسكر الابادة "أوشفيتس" قام بها فلسطينيون من مواطني إسرائيل قبل سنتين. وكان مد اليد لليهود من قبل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والانتفاضة في اوجها، أعمق تعبير عن كرم الثقافة العربية. وقد تسنى لي أن أكون من بين اليهود الذين شاركوا بهذه المبادرة العربية حيث وقفنا هناك، في محارق المعسكر، عربا ويهودا شبكوا أيديهم بصمت، يقفون معا أمام الجحيم. وفي تلك اللحظة بدا كل شيء بيننا ممكنا. في الآونة الأخيرة، ربما بفضل توقف الإرهاب، بدأت أفكر ثانية بهذه الرحلة والرحلة التي قمت بها إلى داخل حياتكم الإيمانية. حتى أنني سمحت لنفسي أن أستغرق في الحنين للدفء والسعادة التي شعرت بهما في مساجدكم، والحنين إلى الحديث عن المعتقدات ومعنى الحياة والمصير ترافقه كميات لا تحصى من فناجين القهوة والشاي، الحنين إلى الإحساس بالزمن الذي يمرّ ببطء وينتشر حتى يتحوّل إلى زمن الله. لقد خاطبتكم آنذاك كالند للند، دون أن أعتذر عن وجودي هنا ودون أن أنكر وجودكم. نعم، أنني أحلم أن أكون بمعيتكم مرة أخرى كأبناء هذه الأرض منذ ولادتهم، والتي نحن عائدون إليها جميعا في يوم من الأيام.
يوسي كلاين-هليفي هو من كبار أعضاء "مركز السلام" وكتابه "على أبواب
الجنة: يهودي يبحث عن الله مع مسيحيين ومسلمين في الأراضي المقدسة" هو قيد
الإصدار باللغة العبرية. |
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |