العدد 28  | آذار - نيسان 2003

مأساتهم ومأساتنا
بيني موزس

"

 

 

نشر المؤرخ بيني موريس في العام 1968 بينما كان جنديا في الخدمة النظامية في جيش الدفاع الإسرائيلي "رسالة لفلسطيني"، في صحيفة  جروزاليم بوست اليومية الصادرة بالإنغليزية. . نزولا عند رغبة "إيرتس أحيرت" فقد قام بتحديث تلك الرسالة.

   

منذ رفض الفلسطينيون لمقترحات السلام التي عرضها عليهم إيهود براك في كامب ديفيد في تموز 2000 ومقترحات السلام التي عرضها بيل كلينتون في كانون الأول 2000 وشرعوا في الحملة الإرهابية الفوضوية المسماة الانتفاضة الثانية فقد فقدت رغبتي في الكتابة إلى "فلسطيني"، ربما باستثناء سري نسيبة لا يوجد أي فلسطيني أعرفه من قريب أو بعيد كنت أرغب في الكتابة إليه.

 

تشرين الثاني 1968

حين ولدت في العام 1948 هرع بأمي من الكيبوتس إلى اقرب مستشفى  بآلية مدرعة كانت أضواؤها مطفأة بسبب نظام التعتيم المعمول به خلال الحرب. وكان أبي في تلك الأثناء جالسا في ملجأ يتأمل بترقب ظلمة الليل. وكنا نحن الضحايا المقصودين: وكان من المفروض ألا أعيش، إلا أن والديّ وأصدقاءهما آمنوا بالبقاء وبالرسالة الملقاة على عاتقهم وقد انتصروا، ولكنهم في الحقيقة لم ينتصروا، لان الحروب لا ينتصر فيها أحد. إلا أنهم تشبثوا ببقعة الأرض الضيقة التي آمنوا بأنها لهم.

أما أنتم، نعم أنتم الفلسطينيين، فقد اصبحتم الضحايا. لماذا الضحايا؟ بالأساس لأنكم صدقتم المصريين والسوريين والأردنيين عندما أوعزوا لكم بالفرار من بيوتكم للحيلولة دون إعاقة تقدم الجيوش الإسلامية. وقالوا لكم إنكم في وقت لاحق وعندما يُرمى باليهود إلى البحر ستعودون إلى بيوتكم والتي ستكون بيوتا اكبر، والى أراض أرحب وأوسع تضم تلك المساحات التي كانت تابعة لليهود. وقد هرب بعضكم من أصوات المدافع وأزيز الرشاشات. وخاف البعض الاخر منا لأنهم سمعوا عن الويلات، الحقيقية منها والمفبركة، التي حصلت فولّوا الأدبار.

 لماذا نحن هنا

يا للعار والشنار فقد حدثت فعلا بعض الفظائع. لكن أرجو أن تنتبه إلى أن الفظائع نوعان: فمنها ما يخطط له ويدبر وينفذ من قبل الأكثرية، ومنها ما يُقترف من أفراد أو مجموعات صغيرة، بينما تعارضه عامة الناس (وربما كانت هذه الفرصة مواتية لتذكيرك بمجزرة هار هتسوفيم (جبل سكوبس) التي راح ضحيتها 72 طبيبا وممرضة وبتدمير غوش عتسيون وذبح يهود الخليل). وفي عام 1948، وعندما أنقذ جيل والديّ أمتنا من براثن الإبادة الجماعية، كنت أنت يا صديقي الضحية غير المقصودة. وكان هناك من قال انه قدر للإنسان أن يكون إما الضحية وإما الجلاد. أما أنا فلا اقبل هذا الكلام آملا أن نكون نحن اليهود قد سلكنا غير هذا المسلك.

لكنني حدت عن الموضوع، فلقد كان سؤالك الأول عن سبب وصولنا إلى هنا أصلا؟ إجيبك بأننا لم نعد متواجدين في أوروبا لأنهم بين عامي 1933 و-1945 حشرونا في عربات نقل الماشية وأبادونا. لقد أبادوا ستة ملايين منا. ونحن غير متواجدين في ذلك الصرح الكبير للثقافة الغربية لأننا منذ القرن ال- 16 وحتى الآن تعرضنا للضرب والذبح في روسيا وشرق أوروبا المرة تلو الأخرى. وما زال وحش اللاسامية يعربد إلى يومنا هذا.

...لكن، لا أريد أن أثير الملل والضجر لديك بالقصص حول الملاحقات والمعاناة التي لا تعرفها أو لا يمكنك أن تشعر بها، وإنما أريد مجرد القول إن اليهودي لا يمكنه الشعور بالأمان في أي دولة في أوروبا أو غيرها لأنه سيكون دائما معتمدا على الآخرين ولن ينال الاستقلال أبدا.

 أنت وأنا فقط

إنك تؤمن يا صديقي المسلم بأن إبراهيم الخليل وطأ أرض موريا مع إسحاق، وأعطيت له هذه الأرض في وقت لاحق إلى ابد الآبدين. إنه أبوك، وهو أبونا أيضا. أنت تعترف بداود وبملوك وأنبياء يهودا وإسرائيل، من صموئيل مرورا بإرميا وانتهاء بحزقيال. لقد كانوا يهودا مثلنا تماما وعاشوا هنا قبلنا ب-2500 و3000 سنة على نفس التلال الوعرة. وأنت أيضا لك تاريخك، فقبل حوالي 1300 سنة وصل النبي محمد من شبه الجزيرة العربية ووحّد عبَدة الأوثان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت راية اله يسعى للعدل ويتصف بالقسوة والرحمة في آن. وبعد وفاته أسري به إلى السماء من جبل موريا.

لكن، يجب أن تفهم أن تاريخنا تحكمه فكرة السيادة المزدوجة. فمن جهة، يكون الملك بمثابة الرب والأنبياء يعظون والشعب يركع أمامه. إلا أن هناك سيادة ثانية هي السيادة على الأرض والاستقلال القومي في يهودا. لذلك، أعلن المكابيون التمرد ضد الإمبراطورية السلوقية سنة 168 قبل الميلاد، وبعد نضال مطوّل دامٍ حرروا الأرض من الطغاة الذين احكموا سيطرتهم عليها، فاستعاد اليهود هيمنتهم على يهودا. ولم يكن هذا في الأساس نضالاً من أجل نيل الحرية الكامنة في عبادة إله – أيا كان ذاك الاله – وإنما تمرد قومي سياسي يرمي إلى تحرير الأرض من المحتل. ولا شكّ أنك تفهم هذا الأمر فهم اليقين يا صديقي. لقد كان نضالا من النضالات التي تخوضها الشعوب الإفريقية والآسيوية ضد القمع الاستعماري ونضالا من النوع الذي يخوضه الفيتكونغ اليوم.

   

منذ رفض الفلسطينيون مقترحات السلام التي قدمها إليهم إيهود براك في كامب ديفيد في يوليو تموز 2000 ومقترحات السلام التي قدمها بيل كلينتون في كانون الأول ديسمبر 2000 وشرعوا في الحملة الإرهابية الفوضوية المسماة بالانتفاضة الثانية، فقدت رغبتي في الكتابة إلى "فلسطيني"، وربما باستثناء سري نسيبة فلا يوجد أي فلسطيني اعرفه من قريب أو بعيد كنت ارغب في الكتابة له.

 

وقد انتفضنا نحن اليهود مرة أخرى، وهذه المرة ضد جبروت روما، مرة في عام 66 وأخرى في العام 132 للميلاد. وقد أبادونا لقلة عددنا. وقاموا بتهجيرنا إذ كان الرومان يدركون جيدا قيمة اليهودي مقاتلا على أرضه- فعشنا بين الشعوب غير اليهودية في أوروبا وآسيا وأفريقيا خلال ما يقارب الألفي عام ونحن نتوق ونتضرع ونصلي للعودة إلى مسقط رأسنا. عندما تصلي يا صديقي فانك تناجي مكة بأشواقك الدينية. أما نحن فكنا نناجي القدس عندما كنا في المنفى وكان ذلك في الاساس عملا سياسيا قوميا وليست دينيا.

ووصلنا إلى القرن الحالي، وها نحن هنا: أنت الفلسطيني وأنا اليهودي، وبعض الدول العربية، وبعض الدول العظمى. لكن الموجود هنا في الاساس هو أنت وأنا اللذان تعتبر هذه الأرض عزيزة عليهما. وهنا يكمن سبب توجيه هذه الرسالة إليك. وارغب في إضافة فكرة أخرى بخصوص الدول العظمى قبل عودتي لسبب كتابتي إليك. حيث تنظر تلك الدول إلى النزاع القائم بيننا على انه بعد من أبعاد صراع القوى العالمي الدائر بين الولايات المتحدة وروسيا. أما نحن بحد ذاتنا فلا نحظى بالكثير من اهتمام أي منهما بنا او بمصيرنا لا انتم الفلسطينيين ولا نحن اليهود. إن الدول العظمى لا تهتم إلا بالأرباح التي يمكن لها أن تجنيها من النزاع بيننا، وليس العدل هو الدافع في الدعم الروسي للدول العربية اليوم، ولا هو الذي حدا بالكرملين للاعتراف بإسرائيل عام 1948.

 دعواكم، دعوانا

والأمريكيون أيضا يعملون من منطلق المصالح ولا يعيرون الاعتبارات الأخلاقية اهتماما إلا في بعض الأحيان. فنحن نحصل على الأسلحة والدعم الأمريكي لنستطيع البقاء. أما أنتم فتحصلون على الدعم الروسي لكن احذروا، فالدبة الروسية تلتهم صغارها.

نعود الآن إلى لب الخلاف في وجهات النظر بيننا. إنني أستطيع القول :"لقد سبقناكم الى هذا المكان"، وتستطيع أنت الإجابة، "لكن هذا غير هام لان الاحتلال والاستيطان هما ما يبلور ملامح التاريخ، وخلال ال- 14 قرنا الماضية كنا نحن هاهنا وانتم لم تكونوا". لكنني أستطيع عندها الإجابة ، "إذا كان هذا هو ما تذهب إليه فنحن الذين استولينا واحتللنا الآن، وإذا كنا نتمكن من الاستمرار في التمسك بالأرض فهي لنا بدون شروط". لا مخرج إذاً من هذه الحلقة المفرغة. كلانا ندعي بان هذه الأرض لنا. إني اقر بهذا، وإذا كنت أنت لا تقر به فسوف يتكوم الموتى وستنبعث من التلال الرمادية المكفرة روائح الجثث المتعفنة، وفي نهاية المطاف سوف يتدمر كل شيء، ولن تعود أقدامي وأقدامك تطأ هذه الأرض الى الأبد.

نحن في عام 1968 والوقت خريف. وقد مرت عشرون سنة منذ 1948 و12 سنة منذ حرب سيناء و16 شهراً منذ حزيران 1967 ولسنا اقرب الى السلام من ذي قبل ولسنا اقرب إلى الحياة. هل أستطيع التصديق بأنك تشعر بمعاناة اليهودي الملاحَق المضطر للامساك بالسلاح من جديد ليتصدى لخطر الإبادة؟ هل تستطيع التصديق أنني أفهمك وافهم أنك لاجئ منذ عشرين عاما، وانك بدون دولة منذ عشرين عاما، وانك رهن المعاناة منذ عشرين عاما؟ لكن إذا أشرت إلى ذلك ستظنني منافقا، أو في أفضل الحالات ستظن تعاطفي معك غير ذي معنى. فانا الذي يمسك البندقية، وأنت الذي تقف قبالة فوهتها. أنا المحتل والقامع ولكنني لا أريد أن أكون على هذا النحو.

في العام 1948 لم نكن نريد الحرب. كنا قد وافقنا على قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة بخصوص أراضي فلسطين - ارض إسرائيل ورفضت الدول العربية القرار فاندلعت الحرب. ثم أتى الإرهاب الذي توقف لفترة من الزمن خلال العام 1956. ثم حان شهر أيار مايو من العام 1967. وأنت تعرف كل ذلك وتدرك التوقعات العربية الكبرى والهزيمة النكراء. والآن هناك إرهاب، والمزيد من الإرهاب والعمليات التأديبية ثم المزيد منها وهلم جرا. وأنت يا صديقي  الضحية العالقة كالمعتاد بين المطرقة والسندان.

إن حركة فتح لا تستطيع حل المشاكل لأنها عاجزة لا حول لها فتزرع الموت لا العدل، فتحصد القمع لا النصر. ذلك أنها غير قادرة على تحقيق النصر، والأعمال الضارية التي تقوم بها وتحقق النجاح بين الحين والاخر تفضي إلى اضطهاد العرب وهدم بيوت الفلسطينيين ومنع التجول والاعتقالات. ولم يعد العرب يعيشون على الضفة الشرقية لنهر الأردن، لان حركة فتح كانت قد هيمنت عليها ذات مرة، والمخربون يعرضون أهدافهم وأهدافكم للخطر ويزرعون الآمال الكاذبة في النفوس ويؤججون كراهية الإسرائيليين للعرب. ان الحل ليس كامنا في الإرهاب، فإنه يولّد إرهابا معاكسا وأجواء من الكراهية التي قد تصل الى نقطة اللاعودة. فما الحل عندها؟

الحرب. الحروب اللانهائية والمتكررة هي احد الحلول، لكن لا نور في نهاية هذا النفق المعتم بل جبال من الجثث المكدسة وانهار من الدم.

إن الاستقلال القومي في دولة ذات سيادة هو الواقع العادل والوحيد الذي يقبله العقل. أنتم لا تريدون العيش في الضفة الغربية تحت احتلالنا، ولا تريدون العيش فيها تحت الاحتلال الأردني كلاجئين، أو بأفضل الاحوال كمواطنين من الدرجة الثانية يعتمدون على مِنَن يسديها لكم الحكام البدو. لنتأمل التركيبة العرقية في الأردن، وفي الضفتين الغربية والشرقية على حد سواء. إن الأكثرية المؤلفة من حوالي الثلثين هم فلسطينيون، والبقية من البدو. غير أن الأقلية هي التي حكمت الأردن دوماً.

لا حل لمشكلة اللاجئين إلا في نطاق دولة مستقلة. والأرجح أن يكون الأردن في شرق النهر وغربه هو هذه الدولة. فهناك، ضمن دولة مستقلة من الناحية السياسية يمكنكم أن تنالوا الحرية، إذ في سوريا ومصر والمملكة الهاشمية ستكونون متعلقين بحسن نوايا الآخرين، أما هناك فسيصبح اللاجئ مواطنا.

وستكون المقدسات الإسلامية في متناول الجميع، وربما توضع تحت وصاية إسلامية. لا شك بان إسرائيل تستطيع المساهمة في موضوع إعادة اللاجئين، وستفتح كل من الدولتين حدودها أمام الزوار القادمين من الدولة المجاورة وربما أمكن إنشاء علاقات اقتصادية بينهما، لان هذا ما تطالبنا به الجغرافيا وهذه هي الوصفة الوحيدة - والعادلة - للسلام، هذا ما آمله على الأقل.

إني اختم هذه الرسالة بشيء من عدم الارتياح لكونها قصيرة، بينما نجد في المقابل أكواما مكدسة من الكتب والنشرات والخطابات المترعة بالكراهية. إن غيوم الحرب القادمة قد اصبحت معلقة فوق الأرض الصاخبة وإنها قريبة وثقيلة.

   

لقد نشأت مشكلة اللاجئين خلال أيام الحرب وبسببها، ولو أن الفلسطينيون لم يشنّوا الحرب لما نشأت المشكلة. نتيجة للحرب، حوالي 700000 يهودي حشروا في دولة إسرائيل قادمين من الدول العربية – بحيث سجل التاريخ في كتبه عملية من التبادل السكاني.

 

 آب 2005

كنت قد كتبت المقال وأنا جندي في سن الـ 19، منتسب الى الكتيبة ال-50 التابعة لوحدات "الناحل". وكدت لم أتطرق في رسالتي لمشكلة السيادة المستقبلية على الحرم القدسي الشريف مما يدل على سذاجة الجندي اليافع وعدم فهمه لعمق الأبعاد الدينية للنزاع، لا سيّما في الجانب الفلسطيني.

إنني اعتذر للقارئ على السمة الدعائية والانفعالية شيئا ما والتي حملتها تلك الرسالة. فقد كان كاتبها شابا وربما تحسنتُ منذ ذلك الحين. اما الآن، وحين انظر للخلف بعد اكتساب المعرفة ومرور الوقت فإني ارى من الصواب أن أصحح بعض الأخطاء، وأن أسوي ما كنت قد حرفته واشرح كيف تغيرت آرائي.

منذ رفض الفلسطينيون مقترحات السلام التي قدمها إليهم إيهود براك في كامب ديفيد في يوليو تموز 2000 ومقترحات السلام التي قدمها بيل كلينتون في كانون الأول ديسمبر 2000 وشرعوا في الحملة الإرهابية الفوضوية المسماة بالانتفاضة الثانية، فقدت رغبتي في الكتابة إلى "فلسطيني"، وربما باستثناء سري نسيبة لا يوجد أي فلسطيني اعرفه من قريب أو بعيد كنت ارغب في الكتابة له، إذ لا جدوى من ذلك وإن السلام إذا ساد ذات مرّة فسيقرره ميزان القوى والفرض بالإكراه من الدول الكبرى أو الإرهاق، ولن يكون حسن النوايا هو ما يحقق السلام.

 تصحيح بعض الوقائع التاريخية

تتجلى في بداية الرسالة التي كتبتها في حينه الدعاية الإسرائيلية فيما يتعلق بأسباب نشوء مشكلة اللاجئين. نعم، لقد هويت في مصيدة الخطاب العام. ومنذ الثمانينات تناولتُ هذا الموضوع قليلا لأقول ما يلي: صحيح أن الفلسطينيين هم ضحايا النزاع – إلى جانب اليهود – لكن في كل ما يتعلق بتحولهم إلى لاجئين ليس صحيحا أنهم كانوا ضحية ألاعيب الدول العربية، التي "أوعزت" للفلسطينيين بالفرار من بيوتهم خلال الحرب، فمن حيث المبدأ لم توعز الدول العربية ولم تنصح أيا من الفلسطينيين بأن يهجر مسكنه، علما بانه في أثناء الحرب الأهلية بين المجتمعين اليهودي والعربي في ارض إسرائيل (من تشرين الثاني نوفمبر 1947 حتى منتصف شهر مايو أيار 1948) حاولت حكومات لبنان والأردن وسوريا الحيلولة دون هروب الفلسطينيين إلى داخل أراضيها بواسطة إغلاق الحدود وعدم منحهم تأشيرات الدخول، بل وفي شهري مايو أيار ويونيو حزيران 1948 ناشدت هذه الدول الفلسطينيين عبر إذاعاتها وأوعزت لهم بالبقاء في أماكنهم، أو بالعودة إليها إذا كانوا قد هربوا منها،  تحت طائلة العقاب. وابتداء من صيف 1948 حاولت الدول العربية بصورة مباشرة وعبر الأمم المتحدة والدول العظمى الغربية حث اللاجئين على العودة إلى بيوتهم.

ومع ذلك فخلال الغزو، وفي بعض الحالات في الأشهر التالية له، أوعزت الجيوش العربية لسكان بعض القرى بإخلاء بيوتهم لأغراض عسكرية، بل وخلال الانسحاب المصري في الجنوب من تشرين الاول أكتوبر إلى بداية تشرين الثاني نوفمبر 1948 أوعز ضباط مصريون إلى السكان حتى في أسدود (اشدود) ومجدل (أشكلون) والجوار بالانسحاب معها باتجاه الجنوب الى قطاع غزة.

ما الذي حدث حقا في العام 1948

إلى جانب كل ما تقدم علينا أن نتذكر انه حتى قبل اندلاع الحرب في نوفمبر تشرين الثاني 1947 قررت الجامعة العربية السماح للنساء والمسنين والأطفال الفلسطينيين بالانتقال إلى أراضي الدول الأعضاء فيها في حال اندلاع الحرب في ارض إسرائيل. وخلال الحرب الأهلية أوعزت اللجنة العربية العليا التي كانت تعتبر حكومة عرب ارض إسرائيل ومعها بعض القادة والمسؤولين العرب المحليين أو نصحوا سكان عشرات القرى العربية بالنزوح عن بيوتهم أو إجلاء النساء والأولاد والمسنين باتجاه مناطق البلاد الداخلية أو حتى باتجاه البلاد العربية لأسباب أمنية وللحيلولة دون قبول السلطة اليهودية. وفعلا اعتقد الكثير من عرب فلسطين الذين صاروا لاجئين أن هذا النزوح لن يكون إلا مؤقتاً وأنهم سيعودون إلى بيوتهم تحت كنف الجيوش العربية الغازية المظفرة، أو على اثر تدخل الأمم المتحدة أو الدول الكبرى. وكان القسم الاكبر من اللاجئين قد هرب بالفعل خشية من "دوي المدافع"، إلا أن البعض طردوا من قبل القوّات اليهودية وقطعت طريق العودة على الجميع - أي 700,000 نسمة - إلى بيوتهم بسبب قرار حكومة إسرائيل في صيف 1948 والصرامة التي أبداها جيش الدفاع الاسرائيلي على الحدود (رغم أن هناك عشرات الآلاف ولا سيّما في الشمال قد تسللوا وعادوا إلى البلاد وأقاموا من جديد في قراهم أو في أماكن أخرى  وصارت إقامتهم دائمة).

   

لقد نشأت مشكلة اللاجئين خلال أيام الحرب وبسببها، ولو أن الفلسطينيين لم يشنّوا الحرب لما نشأت المشكلة. نتيجة للحرب، حشر حوالي 700,000 يهودي في دولة إسرائيل من الدول العربية بحيث سجل التاريخ في نهاية المطاف عملية من التبادل السكاني.

 

ويجب اضافة حقيقتين الى ما تقدم: أ. لقد نشأت مشكلة اللاجئين خلال الحرب وبسببها، ولو أنّ الفلسطينيين لم يشنّوا الحرب لما نشأت مشكلة اللاجئين؛ 2. نتيجة للحرب، حشر حوالي 700,000 يهودي في دولة إسرائيل من الدول العربية بحيث سجل التاريخ في نهاية المطاف عملية من التبادل السكاني. وتوفرت في كلتا الحالتين عناصر من الطرد والضرورة، وكان في كلتيهما فقدان كبير للممتلكات المدنية. وربما أنّ زائرا وافدا من الفضاء الخارجي كان ليقول: لقد نشأ هنا توازن أخلاقي أو معادلة من الإنصاف، رغم المعاناة الشديدة التي لحقت بكل من الطرفين.

والآن أستطيع أيضا الإسهاب في وصف الفظائع التي ارتكبت خلال حرب 1948. لقد اقترف كلا الجانبين أعمالا فظيعة خلال الحرب؛ إلا أن الجانب الأقوى المنتصر والذي احتل حوالي 400 قرية ومدينة عربية مسئول عن عدد اكبر من هذه الأعمال الفظيعة، إذ قتلت القوّات اليهودية من (هغناه) و(إيتسل) و(ليحي) وجيش بحسب تقديراتي خلال الحرب (التي دامت حوالي سنة)، زيادة على ما قتلته خلال المعارك نفسها، ما يتراوح بين 900-800 مواطن وأسير عربي في بضع عشرات من المجازر. وعلى سبيل المقارنة ففي حرب أهلية لاحقة دارت عام 1995، قتلت القوّات الصربية التي لم تقاتل وظهرها الى الحائط، في مدينة سربرنيتسا البوسنية  الواقعة في اوربا، حوالي 8,000 مسلم خلال أيام معدودة. وفي معظم الحالات كان المبادر الى ارتكاب تلك الفظائع قادة ميدانيون بدافع من روح الانتقام أو لهفة القتال، علما بان العدد الكبير من المجازر المرتكبة خلال عملية "حيرام" وفي الأسبوع الذي تلاها (نهاية أكتوبر تشرين الاول إلى بداية نوفمبر تشرين الثاني 1948) في الشمال والذي نفذه جنود من عدة وحدات (غولاني في عيلبون؛ اللواء 7 في الصفصاف والصالحة والجش؛ لواء كرميلي بالحولة في لبنان؛ الكتيبة 103 في عرب المواسي) يشير إلى أجواء عامة إن لم يكن إلى يد موجهة تصدر التعليمات.

لقد حاول الفلسطينيون لكنهم لم ينجحوا، شأنهم في ذلك شأن جيش الإنقاذ التابع لجامعة الدول العربية الذي هرع لنجدتهم،  في احتلال أي قرية او مدينة يهودية خلال الحرب، فلم تسنح لهم فرصة ارتكاب المجازر ضد العديد من السكان المدنيين. أضف إلى ذلك أنهم لم يحققوا انتصارات كبيرة أوقعت في أيديهم أعدادا كبيرة من الأسرى. ولكن ارتكب الفلسطينيون مجازر في شهر كانون الأول أكتوبر في معامل التكرير في حيفا بعد مقتل عمال عرب عند مدخل المصنع من قبل خلية تابعة للإيتسل؛ وفي كفار عتسيون، عند سقوطه على اثر هجوم نفذه الجيش الاردني الذي استعان بقرويين فلسطينيين. ومع انه قد قتل اطباء وممرضات من اليهود في كمين نصب لقافلة كانت متوجهة إلى جبل سكوبس في شهر ابريل نيسان 1948، الا انه كان كمينا منصوبا لقافلة مدرعة ومؤمنة وبمثابة عمل انتقامي تم تنفيذه ردا على قتل المدنيين العرب من قبل اليهود قبل ذلك بأربعة أيام في قرية دير ياسين على مشارف القدس (يلاحظ انه كان من بين قتلى القافلة بعض جرحى معركة دير ياسين من رجال المنظمات اليهودية المتشددة المنشقة عن الهغناه).

ذكرى الخليل

لا شك أن القوّات العسكرية اليهودية تصرفت خلال العام 1948 تحت الانطباع الشديد الذي خلفته المذبحة في الخليل عام 1929 وبتأثير المحرقة التي كانت وقائعها قد حصلت للتوّ في أوروبا، وبدافع الخوف من تكرر نفس الأحداث في ارض إسرائيل في حال الهزيمة بالمعركة. وتشير بعض المصادر إلى مشاركة بعض الناجين من المحرقة (وبعض المهاجرين من الدول الإسلامية ممن ذاقوا العذاب من العرب في الماضي) في أعمال قتل العرب خلال لعام 1948 وإلى ذكرى ما جرى في الخليل كسبب لأعمال الانتقام والفظائع (مثلا بقرية دويمة – موشاف اماتسيا اليوم – في منحدرات جبل الخليل في أكتوبر 1948).

   

بإصرارهم على "حق العودة"، لا يقولون بان الأرض لهم حصرا فحسب؛ بل إنهم يقولون ضمنيا بأن دولة إسرائيل لا حق لها في الوجود لأنها دولة قائمة على النهب والإجحاف. إنّ عدم التماثل بين الاستعداد اليهودي للحل الوسط الإقليمي وبين عدم الاستعداد الفلسطيني لتقسيم البلاد يمثل العقبة الرئيسية أمام التسوية

 

وكثيرا ما شكا المتحدثون باسم العرب من ان الفلسطينيين دفعوا ثمن الفظائع التي ارتكبها الأوروبيون ضد اليهود في فترات سابقة بما فيها فترة المحرقة. وكان هذا الادعاء ينطوي على بعض العدل لكنه جزء من كل ليس إلا، اذ يجب أن نتذكر أن الفلسطينيين لهم ضلع، وإن كان غير مباشر، في المحرقة، وذلك من ناحيتين اولاهما كون عرب فلسطين حثوا البريطانيين خلال الثلاثينات، وبدافع الغضب والضراوة، على إغلاق ارض إسرائيل أمام هجرة اليهود، أي، أمام اللاجئين اليهود الفعليين والمحتملين، مما تعذر معه إنقاذ الكثيرين من الملايين الستة، وثانيتهما كون الحاج أمين الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا وبعض المقربين منه قضوا أيام الحرب العالمية الثانية بمعيّة الألمان في برلين، بل أن الحاج أمين كان يعمل في خدمة دعاية الرايخ الثالث ضد الحلفاء وفي تجنيد المسلمين من سكان البوسنة للقوّات المسلحة الألمانية. ولا شك انه كان يعلم خلال الحرب بأن ألمانيا تعمل على إبادة اليهود، لكن لا توجد أدلة قاطعة تثبت مساعدته لهم في هذه المهمة. وكان الكثير من العرب يأملون خلال الحرب أن يتكلل القتال بنصر دول المحور على دول الحلفاء (انظروا على سبيل المثال يوميات خليل السكاكيني، المربي المقدسي من سكان حي القطمون).

من الجدير التنويه بان الفلسطينيين عموما كانوا وما زالوا غير مكترثين بمعاناة اليهود في أوروبا (وفي الدول الإسلامية حيث تعرضوا في بعض الأحيان للقتل والملاحقة وجرى التعامل  معهم بالفوقية من قبل مضيفيهم خلال قرون من الزمن)، وبالتالي لم يفهموا احد جذور الاقتدار اليهودي خلال القرن العشرين. وعلى الرغم من أن اليهود في البلاد قبل قيام الدولة لم يبدوا في الغالب تعاطفاً مع المصير الفلسطيني، الا انه يجب الإشارة إلى ان العديدين من ابناء الجيل الحالي من اليهود في إسرائيل يقرون بالمعاناة الفلسطينية وبدورهم في التسبب بها وهم على استعداد لحل وسط إقليمي

الدوافع الأمريكية

فيما يتعلق بالدوافع التي تحرك الدول الكبرى  أكرر قولي بأنه على امتداد التاريخ كانت المصالح الأنانية هي ما أملى سياسة روسيا السوفييتية وغير السوفييتية، غير أنني لا اقول نفس الكلام بالنسبة للولايات المتحدة ولاسيما بالنسبة لسياستها تجاه إسرائيل والنزاع الصهيوني العربي، إذ إن دوافع أيديولوجية وأخرى تتعلق بالمثالية، بما في ذلك صيانة ونشر القيم الغربية الديمقراطية، هي التي تقف اليوم وراء محاربة الولايات المتحدة للمتطرفين الإسلاميين، ثم إن الأيديولوجيا والمثالية هما اللتان دفعتا الولايات المتحدة الى التدخل في فيتنام خلال الستينات (حماية العالم الحرّ والقيم الغربية). ولا شك أن دوافع من هذا القبيل هي التي وجهت الولايات المتحدة لاتخاذ مواقفها الحالية حيال إسرائيل. وكانت ذكرى المحرقة وموروثها، بما في ذلك الشعور بالذنب، من بين العوامل الرئيسية التي حدت بالرئيس ترومان إلى تأييد مشروع التقسيم والاعتراف بدولة إسرائيل في عامي 1948-1947 حيث استمرت الاخوة بين دولتين ديمقراطيتين تجمعهما الثقافة الغربية وشراكة مجتمعات المهاجرين ذات الرسالة الطلائعية في تشكيل أساس للدعم الذي أبدته الولايات المتحدة نحو إسرائيل خلال السنوات اللاحقة. أما من عارض بصورة دائمة وطيلة السنين دعم الولايات المتحدة للصهيونية وإسرائيل فهما وزارتا الدفاع والخارجية في واشنطن واللتان كانت توجّههما اعتبارات الربح والخسارة للأمريكيين أي "المصالح" الباردة. ومع ذلك فلا مجال لنفي ان التبرعات المقدمة لأحزاب وشخصيات سياسية وحشود الناخبين اليهود في الولايات الأمريكية الهامة عززت رغبة رجالات السياسة الأمريكيين على مر الأجيال في إبداء الدعم تجاه إسرائيل. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت ايضا في أساس السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة تجاه إسرائيل اعتبارات أخلاقية بل وقد احتلت هذه الاعتبارات مكان الصدارة في بعض الاحيان.

الإصرار على "حق العودة"

أتصور أنني عندما كتبت في حينه أننا إذا لم نخرج من الحلقة المفرغة للحروب، "فستنبعث من التلال الرمادية رائحة الجثث المتعفنة وفي نهاية المطاف سوف يتدمر كل شيء"، كنت ألمح إلى إمكانية أن يتحول النزاع بالضرورة إلى قتال غير تقليدي وستحوّل الحرب النووية هذه البلاد إلى مكان لا يستطيع أي من الجانبين الاستقرار فيه.

   

عندما كتبت في حينه أننا إذا لم نخرج من الحلقة المفرغة للحروب، "فستنبعث من التلال السكنية رائحة الجثث المتعفنة وفي نهاية المطاف سوف يتدمر كل شيء"، كنت ألمح إلى إمكانية أن يتحول النزاع بالضرورة إلى قتال غير تقليدي وستحول الحرب النووية هذه البلاد إلى مكان لا يستطيع أي من الجانبين الاستقرار فيه

 

كذلك تناولت في تلك الفقرة الحاجة للاعتراف المتبادل بشرعية مطالب كلا الجانبين وتطلعاتهما وحقوقهما. وللأسف فإننا نجد هنا أيضا فجوة كبيرة من عدم التماثل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وربما لم أكن واعيا بها أو بأزليتها قبل أربعين سنة. فمن البداية طالب كلا الجانبين بكل البلاد كمطلب سياسي أساسي. لكن في الثلاثينات والأربعينات، وعلى خلفية المعارضة العربية من جهة والمحرقة التي حلت باليهود من جهة ثانية، تعقل الجانب اليهودي بقيادة بن غوريون واصبح يقبل بضرورة تقسيم البلاد بل قد يكون اعترف بما ينطوي عليه هذا العمل من انصاف. وهكذا قبلت الحركة الصهيونية في العام 1937 مبدأ التقسيم (وان لم يكن هذا نفس التقسيم العددي الذي أوصت به لجنة بيل)، وبالتالي فقد قبلت في العام 1947 من حيث المبدأ والارقام على السواء مشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة. إلا أن الحركة الوطنية الفلسطينية رفضت في العام 1937 ثم في العام 1947 ثم في العام 1978 (عندما اتفق أنور السادات ومناحيم بيغن على اقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما كان سيؤدي دون أدنى شك إلى إقامة دولة فلسطينية) مبدأ مشاريع التقسيم. وكان موقف تلك الحركة هو الانفراد بالأرض وظلت تردد هذا الموقف حتى في العام 2000 عندما عرض باراك وكلينتون التقسيم من جديد. ولشدة الأسف، وهنا يكمن تشاؤمي اليوم بعكس التفاؤل الحذر الذي ربما أبديته في مقالي لعام 1968، فان الحركة الوطنية الفلسطينية تواصل الاصرار في الخفاء بل وفي العلن في بعض الحالات على انفرادها بالارض. وبصورة أساسية ومستفيضة فان حركتي حماس والجهاد الإسلامي محقتان من ناحية كونهما تعبران بشكل حقيقي عن الجوهر الأساسي للحركة الوطنية الفلسطينية. أما ابو مازن فرغم صدق ابتسامته، الا انه لا يمثل الفلسطينيين (تماما كما لم يكن ألكسندر دوبتشك يمثل في الواقع الشيوعية في أوروبا الشرقية في العام 1968). وبالتالي فان أي حل وسط يتبناه أبو مازن لن يعبر عن ألاماني العميقة والحقيقية للشعب الفلسطيني، وبالتالي فحتى لو كان هناك حل وسط مقبول من إسرائيل، فسيكون من المتعذر أن يتحقق أو يعمر طويلا. ومن الجدير التنويه إلى أن أبو مازن لم ولا يتخلى عن حق العودة للاجئين، وهو المطلب الذي يشكل الاختبار الحقيقي لنوايا الفلسطينيين منذ العام 1948. وإذا حاول أبو مازن القيام بهذا التنازل (وأنا واثق بأنه لن يفعل)، فاعتقد بأنه سوف يختفي عن الساحة. وكما يعرف كل طفل فلسطيني فإنّ "حق العودة" - أي عودة اللاجئين إلى أراضي دولة إسرائيل في حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967 (وتعدادهم حوالي أربعة ملايين نسمة حسب تقدير الأمم المتحدة وحوالي خمسة ملايين حسب التقدير الفلسطيني) - يعني نهاية الدولة اليهودية.

إن الفلسطينيين بإصرارهم على "حق العودة"، لا يقولون بان الأرض لهم حصرا فحسب؛ بل إنهم يقولون ضمنيا بأن دولة إسرائيل لا حق لها في الوجود، لأنها دولة قائمة على النهب والإجحاف. إنّ عدم التماثل بين الاستعداد اليهودي للحل الوسط الإقليمي وبين عدم الاستعداد الفلسطيني لتقسيم البلاد يمثل العقبة الرئيسية أمام التسوية. (وليس المناطق المحتلة عام 1967 التي أؤيد إعادتها للسيادة العربية، ولا المستوطنات التي أؤيد إزالتها). وهذه مأساتهم، ومأساتنا.

الدولة الأردنية-الفلسطينية

في المقال الذي كتبته في العام 1968 اقترحت حلا يعتمد على دولتين: إسرائيل في حدود 4 حزيران 1967 (تقريباً) والدولة الفلسطينية الأردنية التي تمتد على كلتا ضفتي نهر الأردن.

أما اليوم فيسرني أن تبرم معاهدة سلام إسرائيلية فلسطينية تعتمد على دولتين غرب نهر الأردن (78% و22%). إلا أنني مدرك أن أي تسوية تعتمد على مثل هذا التقسيم لن تعمر طويلا وستؤدي للانفجار في المستقبل غير البعيد. فالدولة الفلسطينية المكونة من غالبية أراضي الضفة الغربية - بما فيها شرقي القدس - وقطاع غزة، لن تنعم بالاستقرار والهدوء أياما طوالاً، ذلك انها ستكون واهنة وصغيرة للغاية. ولن تتمكن من استيعاب الكثير من اللاجئين وسيكون التوسع طموحها الرئيسي لدوافع ديموغرافية واقتصادية بالاضافة الى الدوافع الأيديولوجية السياسية. وستتطلع إلى التوسع باتجاه الغرب على حساب وضدّ الدولة اليهودية، التي نهبت من الفلسطينيين (غالبية) أراضي وطنهم. مثل هذه الدولة الضامرة سوف تلاحق إسرائيل إلى داخل تل أبيب وحيفا، وإذا لم يحصل ذلك في الجيل الأول، ففي الجيل الذي يليه. وسنجد دائما أعدادا هائلة من اللاجئين الذين يتبنون هذا الطموح ويؤججون نار الحرب.

وفي المقابل ففي حال قيام دولة فلسطينية أردنية على كلتا ضفتي نهر الأردن وهي نفس "البديل الأردني" الذي طالما روج له كثيرون من حزب العمل (مع أن "خطة ألون" لم تضم إلا التنازل عن جزء من الضفة الغربية)، فستصلح أساسا لحل النزاع. فالدولة الكبرى ذات الأغلبية الفلسطينية الراسخة والمساحات الشاسعة من الأراضي المخصصة للتطوير والاستيطان ستكبح (ربما) الغريزة القتالية التي تميز الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نعومة أظفارها.

لكن، قد يكون هذا ايضا مجرد أضغاث أحلام، فمن الجائز ألا تكتفي الدولة الفلسطينية الأردنية الممتدة على كلتا ضفتي نهر الأردن بذلك ايضا، وان تدفع احتياجات الرحم الفلسطيني والرغبة العارمة في الثأر والانتقام لدى الفلسطينيين تجاه الصهيونيين ودولتهم للتطلع إلى القضاء على الدولة اليهودية ليرثوا أراضيها (هذا، إضافة لرفض المسلمين والعرب التسليم بوجودنا في المنطقة والذي سيبقى على حاله لأمد طويل إنْ لم يكن للأبد). فأراضي إسرائيل في حدود 4 حزيران 1967 هي غالبية أراضي فلسطين التاريخية، ولن نجد أيا من أتباع حركتي حماس والجهاد الإسلامي على استعداد للتخلي عنها حتى إذا حظي بأراضي الضفة الشرقية. ولشدة الأسف، فالجهاديون يعبرون في نهاية المطاف عن التطلعات الحقيقية غير القابلة للتغيير للحركة الوطنية الفلسطينية (وسنعود ونرى ذلك تماماً عند إجراء الانتخابات البرلمانية الفلسطينية - إذا أجريت فعلا - بعد نصف سنة).

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004