العدد 28  | أيار - حزيران 2005

رأيكم سيقرر
أ. ب. يهوشاع

 ردكم على الانسحاب أحادي الجانب سيقرر ما إذا كانت دائرة الدم ستستمر

 

أقدم لاجئون يهود أرادوا لأنفسهم بقعة صغيرة من الأرض ليؤسسوا عليها سيادة يذودون بها عن أنفسهم بأنفسهم أمام معاداة السامية التي كانت من نصيبهم على مر التاريخ, على عمل أحادي الجانب خلال القرن العشرين, مجبرين وبدافع ازمة وجودية,  ثم تحول هذا العمل إلى عمل غير شرعي تماما بعد حرب الأيام الستة. لذلك فوحده العمل أحادي الجانب بالاتجاه المعاكس من شأنه أن يصحح ذلك.

 

تحية إلى الفلسطينيين سكان قطاع غزة،

يواجه الكثيرون في أنحاء العالم ومن حولنا، صعوبة في فهم لماذا لم يزل النزاع بين اليهود والفلسطينيين والذي بدأ قبل أكثر من مائة وعشرين سنة، يواصل غليانه وفورته ولا نرى نهاية له. فالنزاع - رغم رقعته الجغرافية الضيقة والعدد المحدود نسبيا من البشر المشاركين فيه - يقلق، منذ سنوات طويلة الوعي السياسي الدولي، ولا ينجح، رغم ذلك، في الوصول إلى حل له. لماذا، رغم الجهود الدولية، سواء أكانت على صعيد المجتمع الدولي  أو على صعيد النشاطات الدبلوماسية للدول العظمى والمجتمع الأوروبي، لا يهدأ النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ ما مكمن الشر الذي يؤجج هذا النزاع من جديد المرة تلو الاخرى، حتى عندما يبدو أنه قد وجدت صيغة حل كما حدث في اتفاقيات أوسلو (1993) أو في اتفاقيات كامب ديفيد (2000). لقد رحبت كل شعوب العالم بإنهاء النزاع والتزمت بدعمه سياسيا واقتصاديا وبسخاء كبير؛ كما حاز زعماء الطرفين على جائزة نوبل للسلام وتقلدوا مختلف أوسمة الشرف, ولكن تعود الأمور مرارا وتكرارا للتدهور ويعود النزاع ليحتدم بقوة مضاعفة، كما حدث في شهر أيلول من عام 2000، مع نشوب انتفاضة الأقصى.

من المؤكد أن هناك عدة تفسيرات للظاهرة التي تميز هذا النزاع عن غيره من نزاعات العالم في القرن العشرين، غير أنه يبدو لي أن أحد اسبابها يعود الى كون الحالة الصهيونية ظاهرة يتيمة في التاريخ أحدثت حتى لديكم أنتم الفلسطينيين، رد فعل شديدا إلى هذا الحد. فحتى اليوم، وحتى عندما تكونون أنتم أو بعض منكم على استعداد للتسليم بوجود دولة إسرائيل، فإنكم تعتبرون "صهيونيتها" على النحو الذي تفسرونها به، مكمن الشر الذي لا يؤدي إلى المصالحة والهدوء إلا إزالته.

وبالفعل فان عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي بعد نحو ألفي سنة من الشتات هي حالة استثنائية، لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية, اذ لم يوجد حتى الآن مثيل لعودة شعب إلى وطنه تأخرت إلى هذا الحد. ولذلك فإنكم، أنتم الفلسطينيين، الذين تواجهون هذه الظاهرة الاستثنائية حتى يومنا هذا، تعيشون تجربة وطنية وإنسانية لم يعشها أي شعب في العالم. وعليه فأنتم ونحن يمكننا أن نتباهى بتميز وأصالة النزاع الدموي الذي لا يتخلى عنا، بل أنه لا يوجد أمامكم وأمامنا أي مثال لنزاع يصلح نموذجا نستنبط منه كيفية التوصل إلى حل.

أقسى الجروح

طالما طلبنا تشريع عملية العودة إلى صيهون والتي تسمى "الصهيونية"، سواء من الدول العظمى التي بسطت سيادتها على المنطقة أو من العالم العربي الذي يحيط بنا. غير أنه عندما تعلق الامر بنيل الشرعية منكم, أنتم الفلسطينيين ذوي الصلة المباشرة بالموضوع، كنا نعلم علم اليقين بأننا لن نحظى بها, لأنه من غير المرجح أن يتخلى أي شعب في العالم عن جزء من أرضه لصالح شعب آخر، بغض النظر عن الضائقة التي يعاني منها ذلك الشعب. ولذلك لم نتوهم، منذ البداية، فيما يتعلق بموافقتكم على عودتنا إلى صهيون التي هي فلسطين بالنسبة لكم.

   
عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي بعد نحو ألفي سنة من الشتات هي حالة استثنائية، لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية, اذ لم تحدث حتى الآن عودة شعب إلى وطنه بمثل هذا التأخر. ولذلك فإنكم، أنتم الفلسطينيين الذين تواجهون هذه الظاهرة الاستثنائية حتى يومنا هذا، تعيشون تجربة وطنية وإنسانية لم يعشها أي شعب في العالم.
 

لذلك، ودون إهمال احتمال الحوار معكم ومع العالم العربي، وإلى جانب جهود نيل الاعتراف بشرعية وجود دولة إسرائيل، تمت عمليات من الاستيطان على أساس الإيمان بأن قوة الواقع على الأرض ستكسبنا في نهاية الأمر الاعتراف بشرعيتها.

منذ مائة وعشرين عاما ونحن نقرض، من خلال صراعات علنية وخفية، من أراضيكم شيئا فشيئا، لكي نوجد حقائق لا عودة عنها؛ إلا أن بناء المستوطنات في الأراضي التي احتلت بعد حرب الأيام الستة كان بغير حاجة ودونما مبرر, إذ توفرت لنا وما زالت مساحات واسعة من الأراضي الفارغة غير المأهولة، ولم يكن لدينا، من الناحية الديموغرافية، أشخاص بلا مأوى  يحتاجون إلى أراض جديدة للسكن فيها. كذلك من الناحية الأمنية لم نكن بحاجة إلى أي استيطان مدني في المناطق التي تم احتلالها, اذ كان بمقدورنا أن نقيم هناك وجودا عسكريا، الى حين تتقبلون أنتم والدول العربية وجودنا وتعترفون به.

ومن هذا المنظور، كانت عملية استيطاننا في الأراضي المحتلة الجرح الأكثر إيلاما وقسوة الذي أحدثته إسرائيل لكم أيها الفلسطينيون. فإلى جانب مخيمات اللاجئين التي يسكنها مئات الآلاف من الأشخاص الذين تركوا بيوتهم أو طردوا منها خلال حرب عام 48، وهم مصرّون، دون منطق ودون أمل، على العيش كلاجئين حتى يعودوا إلى بيوتهم الأصلية داخل دولة إسرائيل - إلى جانب هذه المخيمات أقمنا، بعد حرب الأيام الستة، بميزانيات هائلة، بلدات معاصرة على أراض ومصادر مياه صادرناها بشكل قسري. وهكذا أوجدنا واقعا جديدا، أبقاكم دون حقوق مواطنة في وطنكم.

خلاصة الامر اذاً ان لاجئين يهودا أرادوا لأنفسهم بقعة صغيرة من الأرض ليؤسسوا عليها سيادة يذودون بها عن أنفسهم بأنفسهم أمام معاداة السامية التي كانت من نصيبهم على مر التاريخ, أقدموا على عمل أحادي الجانب خلال القرن العشرين, مجبرين وبدافع ازمة وجودية,  ثم تحول هذا العمل إلى عمل غير شرعي تماما بعد حرب الأيام الستة. لذلك فوحده العمل أحادي الجانب بالاتجاه المعاكس من شأنه أن يصحح ذلك.

كثيرون ممن يعارضون الانفصال الحالي الذي نفذته حكومة إسرائيل في قطاع غزة يقولون بأنه لو كان الانفصال مؤسسا على اتفاقية مع الفلسطينيين، لكان من الأسهل عليهم الموافقة عليه وان الشكل أحادي الجانب الذي ميّز الانسحاب دون مقابل هو الذي يستثيرهم ويردعهم. إنهم يعتبرون الانسحاب أحادي الجانب عملا مهينا وانهزاميا، ويتخوفون من أن يكون فيه ما يشجعكم أيها الفلسطينيون، على مواصلة السعي لانسحابنا من الأراضي المحتلة دون تقديم أي مقابل.

أعتقد أنه من العدل إلغاء إجراء قسري أحادي الجانب من خلال إجراء عكسي يكون أحادي الجانب هو الاخر. إنه نفس ما حدث في لبنان، ويبدو أن التوازن الأخلاقي في الانسحاب أحادي الجانب حيال الاجتياح أحادي الجانب قد أثبت نفسه في فيتنام أيضا علما بان  الحدود هادئة في جنوب لبنان منذ أكثر من خمس سنوات.

   
إذا اخترتم، أنتم الفلسطينيين، طريق قلب الطاولة التي اخترتموها خلال محادثات السلام في كامب ديفيد وطابا، وعدتم الى انتهاج العنف غير ذي المعنى منطلقين من المنطقة التي سيتم إخلاؤها من الجنود ومن المستوطنين الإسرائيليين، فأنم تحكمون بالإعدام على أي انفصال آخر.
 

لذلك فمن المستحسن اعتبار الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، ليس بمثابة انتصار لكم بفضل ما اظهرتموه من صمود، بل اعتباره إجراء مصحِّحا من جانبنا. انه حقا ليس انفصالا يؤدي إلى السلام، ولكنه يمكن أن يشكل بداية طريق مقبول للتعايش جنبا الى جنب, ففي ظل ما نحن فيه من انعدام كلي للثقة المتبادلة بيننا، من المحتمل جدا، ولمزيد أسفي، ألا نتمكن في المستقبل المنظور من إيجاد صيغة معقولة لحل كل الخلافات بيننا. ورغم ذلك، فما زال بإمكاننا إيجاد طريقة وسطى للعيش لا للموت، للبناء لا للهدم.

استنادا إلى ذلك، فإن ردكم على الانسحاب أحادي الجانب هو الذي سيقرر ما إذا كانت دائرة الدم ستستمر.

العيش لا الموت

إذا نظرتم أيها الفلسطينيون في غزة إلى الانسحاب على أنه تصحيح أخلاقي، وإذا توقفتم نهائيا عن إطلاق النار على البلدات الإسرائيلية الواقعة داخل حدود عام 67، وهي الحدود المعترف بها بيننا، وإذا اخترتم مسلك التنمية والبناء، فهناك احتمال بأن يتمكن المعارضون الكثيرون للانفصال أحادي الجانب من استيعابه. عندها، سيتضح بأن الانفصال هو عمل سليم، ليس من الناحية العملية فحسب، بل من الناحية الأخلاقية أيضا، وستكون له استمرارية في المستقبل. أما إذا اخترتم، أنتم الفلسطينيين، طريق قلب الطاولة التي اخترتموها خلال محادثات السلام في كامب ديفيد وطابا، وعدتم الى انتهاج العنف غير ذي المعنى منطلقين من المنطقة التي سيتم إخلاؤها من الجنود ومن المستوطنين الإسرائيليين، فأنم تحكمون بالإعدام على أي انفصال آخر.

كما ترون، نحن نسير في طريق وعرة تؤدي بنا إلى حافة حرب أهلية. إلا أننا مصرون على تنفيذ الانفصال أحادي الجانب، وسيتم بالفعل, والآن جاء دوركم لتثبتوا لنا ما إذا كانت الحرب التي تدور رحاها بينكم وبيننا مردها الى الاحتلال والمستوطنات، أم الى وجود دولة إسرائيل. لقد باتت المسؤولية الآن بين أيديكم. إننا ندعو كل القوى العاقلة فيكم الى الاخذ بزمام القيادة، والقيام بعمل مسالم يتمثل في اخراج قطاع غزة وشمال الضفة الغربية من دائرة العنف، من أجل المستقبل.

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004