|
العدد
28
| أيار - حزيران 2005
كم هي مهينة تسمية
"عربي-إسرائيلي" هذه |
|
|
||||
|
|
||||
|
|
||||
|
أتوجه إليكم من هنا، من أجلنا، نحن أخوتكم الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، متوسلا أن تهدأوا من فضلكم، هيا ارضخوا، ارضوا بما تعطَوْن شاكرين. إخرسوا، لا تتظاهروا، لا تبحثوا عن الحرية. سيد قشوع يكتب رسالة إلى فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة
لم نتحدث منذ وقت طويل، ولم أزركم. أعلم أن سلوكي هذا ليس باللائق، ولكني كنت مشغولا بعض الشيء في الفترة الأخيرة. لا يعني هذا أنني لا أفكر فيكم. أنني فعلا أحاول في بعض الأحيان أن أشاهد الأخبار، لكي أطمئن على سلامتكم هناك. لا أعلم ماذا بالنسبة لسائر العرب في إسرائيل، لكني أؤكد أني قلق على سلامتكم وأتمنى الخير لكم. إنني أؤيد الانفصال، وليس عن غزة فحسب، وأؤيد أن تعاد لكم كل أراضيكم. أعلم أن الكثيرين منكم يعتبرونني متعاونا، وبحق. ولكن عليكم أن تفهموا أن ذلك لا يأتي انطلاقا من كوني شريرا، ولكن الأمور قد تطورت على هذا الشكل هنا لدينا. أرجو ان تفهموا أنها عقلية مختلفة، هذه هي طبيعة الأمور. صحيح أننا كنا جسدا واحدا فيما مضى، بل أننا كنا أبناء لنفس العائلات، ولكن الأمور قد تغيرت مذ ذاك. فرغم كل شيء، قد مرت ستون سنة تقريبا منذ افتراقنا الكبير. صحيح أنه كانت هناك مشاعر تجمعنا ولكن في هذه الأثناء وجدنا أخرى فتبدلت برامجنا. منذ فترة بعيدة وانا اريد أن أعتذر لكم ولكن لا أعرف كيف أفعل ذلك. أعلم أن بعضنا يستخف بكم ويستخدمون أصلكم "الضفاوي" أو الغزاوي كشتيمة. اصفحوا عن هؤلاء الشاتمين، فما هم إلا جهلة؛ يُشتَمون لكونهم عربا فيسرعون لبحث من يشتموه بدورهم. لقد تعلموا أنهم مجبرون على أن يطأوا الآخرين ليشعروا بأنهم ذوو قيمة، وأنهم ليسوا في أسفل السلم.أطلب الصفح أيضا على الأجر الذي نستقطعه لكم، أعتذر لأننا تحولنا إلى متعهدين ثانويين وسماسرة بينكم وبين مواقع البناء والبيارات والمصانع. اعتذر كذلك باسم أصحاب الياقات البيضاء، أصحاب المهن الحرة الذين يمثلونكم في أروقة المحاكم ودائرة الإجراء والتنفيذ، والدوائر الحكومية. ولكن ما العمل، فالأمر بسيط، نحن نجيد اللغة ونعرف كيف نتعامل معهم بشكل أفضل، ناهيك عن أنهم يعتمدون علينا أكثر من اعتمادهم عليكم بقليل. أعتذر لأني كففت عن النظر باتجاهكم، حين يتم إنزالكم من الحافلات وتقفون صفوفا على أرصفة طريق الخليل في مدينة القدس؛ أغطي عينيّ بنظارتي الشمسية السميكة التي اشتريتها خصيصا لكي لا أراكم وأنتم تتألمون، وأرفع صوت الموسيقى. أعتذر لأنني أتصرف وكأني أصبحت من شعب اخر. لا أعلم إن كان ذلك يواسيكم، ولكن على أية حال، لا تفكروا للحظة بأنه من السهل أن يكون المرء في وضعي. ففي الآونة الأخيرة، يحدث أحيانا أني أحسدكم بسبب كل ما تجتازونه، وأريد أن أكون هناك، داخل الحواجز والأطواق والحصار والمظاهرات ومخيمات اللاجئين. بل في بعض الأحيان أطرح على أفراد عائلتي فكرة الهرب من هنا، من القرية العربية الإسرائيلية، لأبحث عن ملجأ لي بينكم في الضفة الغربية وأنتقل بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لا أن أنقل مكان سكني فحسب بل أن أبدل بطاقة هويتي الزرقاء إلى برتقالية، أن أتخلى عن جواز السفر الإسرائيلي متوسلا الحصول على وثيقة عبور موقعة, أن أتحوّل إلى "ضفاوي"، تماما كما تقول الشتيمة. وحين أطرح هذا الموضوع، ينظرون إلي هنا، بطبيعة الحال, كما يُنظر إلى مهووس، ولكن ليس هنا فقط. حدث ذات مرة أني اتصلت بوزارة الحكم المحلي في السلطة الفلسطينية، وعرّفت نفسي عربيا إسرائيليا مستوضحا ما عليّ فعله لكي اصبح من سكان السلطة. بدا الموظفون في حيرة من أمرهم، فحولوني من موظف إلى آخر، وفي نهاية الأمر وصلت إلى موظفة قالت لي: "هل أنت مجنون؟ ليتني مكانك!"
لقد تربيت على احتساب الامور ثم وزنها ثم التنازل، بل والتشديد على التنازل – اختبار الأمور دائما بمعادلة الربح والخسارة. والحصيلة انه في هذه الأثناء، من الأجدى جسديا أن أكون في إسرائيل. صحيح، ليس كمواطن متساو في الحقوق، وماذا في ذلك؟ لقد علمني اهلي منذ رأيت النور أن أنظر إلى سائر الدول العربية وأن أحمد الله أني لست هناك. واليوم، أنظر وأحمد الله أني لست هناك. أحمد الله أني هنا، أن لي عملا ومصدرا للدخل وأني عضو في صندوق المرضى. لقد علموني منذ رأيت النور أن العرب لن يتقدّموا بعيدا، فهم غير مهيئين للنجاح, خاصة وأن العرب - وما العمل - يثبتون صباح مساء، في دولهم الممتدة من الخليج إلى المحيط، صحة هذه المقولة. لذلك أنظر إليهم وإليكم وأقول في سرّي شكرا. إنه لمشقة كبيرة الإدراك بأن اعتبارات الربح والخسارة تشير إلى أنه، في الوقت الحالي، من الأجدى تحمل الإهانة والصمت، من الأجدى التخلي عن المساواة مقابل حرية التنقل. ليس من السهل ان يحس المرء بانه عبد بمحض ارادته - عبد معاصر لا يتوق إلى الحرية أبدا، بين عبيد يحتاجون إلى سيدهم أكثر مما يحتاج إليهم. يحتاجون إلى سيد يدفع الأجور في نهاية الشهر ويرشد ويصدر الأوامر ويربّت على الكتف بين الفينة والأخرى. ليس من السهل أن يكون الإنسان عبدا بمحض الإرادة، يُمنع من إغاظة السيد، أن يكون عبدا يجب عليه أن يدرك دائما أن هناك آلاف العيون تراقب تحركاته وأقواله وأفكاره. لا أحد يمكنه أن يقف في وجه غضب السيد، وقد علموني أنه من الأفضل دائما أن أحني ظهري، فهذا أفضل من أن انتصب فأصبح هدفا سهلا للجلد. هل تتذكرون ما حدث في بداية الانتفاضة، في اكتوبر ذاك العام، عندما حاولنا أن نعبر عن تأييدنا؟ أنتم تدركون الآن، لماذا تحولتْ "ضفاوي" و"غزاوي" إلى شتيمة. عليكم أن تتفهّموا وتصفحوا. ليست لدينا خيارات أخرى سوى أن ننظر إليكم كبؤساء أكثر من كونكم أبطالا. إنه الخيار الأفضل ويسهل الصمود. هل تعتقدون أنه من السهل علينا النظر اليكم؟ إنكم تؤلمون، تجرحون، تذكّروننا ببؤس حياتنا. نحن مجبرون على أن نكرهكم قليلا، نحن مجبرون على الإيمان بأنكم تحسدوننا، تحسدون مالنا وحريتنا الوهمية. نحن في امس الحاجة الى أن تتوقوا لأن تكونوا مثلنا، لتعترفوا بأن اختيارنا كان هو الاختيار السليم، أن تعترفوا وتفهموا بأن الحيوان الذي تم ترويضه منذ الصغر يفضّل القفص الآمن على الغابة الخطرة. أعتذر جدا عن هذه الرسالة. قد أكون أوردت هنا ترّهات. قد تكون مجرد رؤيتي المشوهة التي لا تستند الى اساس من الصحة. لعله كان يتوجب عليّ مخاطبتكم بالكلام المشجع الداعم الذي يطمئنكم بأن أخوتكم داخل فلسطين المحتلة يشدون أزركم ويشعرون بما تواجهونه كل يوم بكل جوارحهم. لعله كان علي أن استنكر الاحتلال وأن القي عليه اللوم بكامله وأن انتظر اليوم الذي سترون فيه الحرية والخلاص. لا تسيئوا فهمي، ليتهم يعطونكم دولة، لنستريح وتستريح ضمائرنا. إلا أن الأمر متواصل الى ما لا نهاية على حسابنا، فنضالكم يعزز الإحساس بـفساد اخلاقنا وعبوديتنا. اسمحوا لي إذن أن أتوجه إليكم متوسلا، من أجلنا، نحن أخوتكم الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، راجيا أن تهدأوا من فضلكم، هيا ارضخوا، ارضوا بما تعطَوْن شاكرين. إخرسوا، لا تتظاهروا، لا تبحثوا عن الحرية. لو سمحتم، إنكم لا تفهمون كم يؤلمنا ذلك. إنه يؤلمنا كثيرا. سيد قشوع هو كاتب وصحفي
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |