العدد 28  | أيار - حزيران 2005

الحرية للفلسطينيين
ميخا أودنهايمر

 

 

في مقابلة أجراها ميخا أودنهايمر مع الوزير السابق ناتان شرانسكي يرى أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين منوط بالقدرة على تحويل المجتمع الفلسطيني من مجتمع يعيش في أجواء الخوف إلى مجتمع ينعم بالحرية:

في هذه المرحلة من حياته الصاخبة والمثالية، يجسد ناتان شرانسكي  بشكل واضح جدا فكرة النبي الذي لا يعترف به ابناء شعبه بينما يتألق نجمه بين أبناء الشعوب الاخرى. إنه هنا، في إسرائيل، يتقدّم باتجاه الغياب والأفول على اثر هزيمة سياسية أخرى . كانت مجلة التايم قد عدّته خلال العام الأخير ضمن الشخصيات المئة الأكثر تأثيرا في العالم - وذلك منوط إلى حد كبير بالأفكار الواردة في كتابه The Case for Democracy: The Power of Freedom to Overcome Tyranny and Terror ("الحالة الديمقراطية : قوة الحرية في دحر الطغيان والإرهاب "). وتم توجيه الدعوة إلى السيد شرانسكي لزيارة البيت الأبيض، حيث اخبره السيد جورج بوش ببعض الارتباك ان الوقت لم يسعفه في الوصول إلى ابعد من الصفحة 210 من الكتاب، طالبا منه إسداء المشورة له في كيفية  نشر الحرية في العالم. إلا أن الوكالة اليهودية لم تكترث بكل هذا في الشهر الماضي حين رفضت ترشيح السيد شرانسكي لإشغال منصب رئيسها، مفضلةً السيد زئيف بيلسكي رئيس بلدية رعنانا سابقا، وهو شخصية مغمورة يكاد لا يعرفها أحد خارج إسرائيل. يتبين إذاً أن شرانسكي بالكاد يستطيع إسماع صوته.

لا يهمّ، فشرانسكي شخص متريث. منذ العام 1993 تكهن بخصوص اتفاق اوسلو، بان تعزيز مركز الطاغية ياسر عرفات في صفوف الشعب الفلسطيني لن يؤدي إلى تحقيق السلام وإنما لتفاقم الكراهية تجاه إسرائيل. وفي شهر مايو أيار من السنة الحالية استقال من حكومة أريئيل شارون، والتي كان يشغل فيها منصب وزير شؤون القدس والمهجر، بسبب معارضته لخطة الانفصال، فقد ادعى انه من اجل بناء الفلسطينيين لمجتمع أكثر ديمقراطية، كان على إسرائيل مطالبتهم بتنفيذ خطوات معينة كشرط لقيامها بالانسحاب. ويعمل شرانسكي حاليا  باحثا زميلا في معهد "شاليم" المقدسي للأبحاث.

أفكار السيد شرانسكي فيما يتعلق بالسياسة والديمقراطية مستمدة من خبرته كأشهر سجين سياسي في الاتحاد السوفياتي خلال السنوات العشر التي سبقت انهيار النظام السوفياتي. وقد شاهد السيد شرانسكي كيف يستطيع المنشقون الشجعان، ولا سيما إذا كانوا يحظون بالدعم الأخلاقي من الدول الحرة، مجابهة حكومات الاستبداد والطغيان القوية والتأثير عليها الى حد بعيد في نهاية المطاف. ومع اتساع الدعم الأخلاقي، وعندما اشترط الكونغرس الأمريكي فتح الأبواب أمام الهجرة وتجسيد المزيد من حقوق الإنسان لاقامة علاقات تجارية مع الاتحاد السوفياتي وأشكال أخرى من التطبيع في العلاقة معه، أدرك شرانسكي أن الإمبراطورية السوفياتية بدأت في التصدع والتفكك وإنها آيلة للسقوط لا محالة.

يقسم شرانسكي المجتمعات البشرية إلى نوعين: المجتمعات التي تقوم على الخوف والمجتمعات الحرّة. (تحتوي هذه المقولة في النص الإنجليزي على جناس: fear societies، مقابل free societies). ويرى شرانسكي أن الاختبار الذي يقرِّر تصنيف كلّ مجتمع يكمن في السؤال : "هل يستطيع أي إنسان بغض النظر عن هويته الوقوف في إحدى الساحات الرئيسية في المدينة والتعبير عن وجهة نظره بدون خوف أو وجل من تعرضه للاعتقال أو السجن أو الاعتداء الجسدي؟ إذا كان يستطيع ذلك، فهذا يعني أن ذلك الشخص يعيش في مجتمع حرّ. وإذا لم يكن يستطيع فلا شك أن هذا المجتمع يرتكز على الخوف". أحد المميزات الأخرى للمجتمع الذي يقوم على الخوف هو أن غالبية المواطنين باستثناء المتعصبين الذين يعيشون على الهامش من جهة، والمنشقين الذين يعيشون هم أيضا على الهامش ويتعرضون للملاحقة والتهديدات الدائمة من جهة ثانيةمضطرون لتبني ما يسميه شرانسكي ( سائرا في خطى جورج اورفويل) doublethink، أي إخفاء الأفكار خلف ستار من تأييد النظام. ويكمن أحد المميزات الأخرى في اعتماد القادة المستبدين في مثل هذه المجتمعات بصورة شبه دائمة على وجود عدوّ خارجي يتمّ تصويره على انه شيطان كوسيلة للسيطرة على الجماهير. ويعتقد شرانسكي بأنّ السلام بين إسرائيل وفلسطين غير منوط بالمواثيق والحدود وإنما بالقدرة على تحويل المجتمع الفلسطيني من مجتمع يعيش في كنف الخوف، إلى مجتمع ينعم بالحرية.

التفكير المزدوج 

ناتان شرانسكي: ارغب في التنويه بداية إلى إيماني بان الحرية تعود على الجميع بالخير. إن كلّ شعوب العالم، لو خُيّرت بين الحياة الحرة والحياة في أجواء الخوف، وسواء كانت تعيش في كنف قيادة ديمقراطية أو تحت نظام استبدادي، لاختارت الحرية. واعتقد أن من العنصرية الاعتقاد بأن هناك شعوباً غير قادرة على العيش في نظام ديمقراطي نظراً لاختلاف عقليتها واختلاف ثقافتها، وعليه فلا جدوى من محاولة مساعدتها أو توجيهها صوب الآفاق الديمقراطية.

هل تتطرق في كلامك إلى أشخاص قالوا لك بالحرف الواحد أن نظرياتك بالنسبة للديمقراطية غير قابلة للتطبيق على العالم العربي أو الفلسطينيين؟

عندما كنت معارضا للنظام في الاتحاد السوفياتي، كنت اسمع هذا الادعاء فيما يتعلق بروسيا من أشخاص في الغرب. أما الآن وأنا أعيش في إسرائيل وأتكلم عن الديمقراطية في الشرق الأوسط فإنني اسمع، وليس فقط من شخصيات في إسرائيل وإنما أيضا في أوروبا والولايات المتحدة، ان الديمقراطية غير مناسبة للعالم العربي، وأنها غير مناسبة للعالم الإسلامي أو الشرق الأوسط. واعتقد أن هذا كلام عنصري. فلأنني كنت أعيش في مجتمع يقوم على الخوف وأعرف بصورة جيدة معنى "التفكير المزدوج"، حيث يضطر غالبية الناس لإظهار ما لا يبطنون وحياتهم العلنية مسلسل من التزييف، فإني أعرف مدى شعورهم بالفرج والخلاص حين لا يعودون مضطرين لمواصلة مثل هذ العيش، وبالتالي فانا لا اصدق على سبيل المثال الهراء القائل بأن الناس في العراق كان يسرّهم أن يضحّوا بأنفسهم من اجل صدام حسين من فرط محبتهم لصدام حسين. طلب مني في جلسات مجلس الوزراء التوقف عن وصفي المتكرر لعرفات بأنه "دكتاتور فاسد" لأنّ الجمهور الفلسطيني يحب ياسر عرفات وسوف يشعر بالتجريح والإهانة  بسبب أي انتقاد يوجه إليه وما إلى ذلك. أما انا فكنت اقول في سريرتي دائما إنّ الجمهور الفلسطيني يحبّ عرفات بقدر ما كانت الجماهير الروسية تحب جوزيف ستالين.

   

يقسم شرانسكي المجتمعات البشرية إلى نوعين: المجتمعات التي تقوم على الخوف والمجتمعات الحرة. ويرى شرانسكي أن الاختبار الذي يقرِّر تصنيف كلّ مجتمع يكمن في السؤال: "هل يستطيع الإنسان بغض النظر عن هويته الوقوف في إحدى الساحات الرئيسية في المدينة والتعبير عن وجهة نظره بدون خوف أو وجل من تعرضه للاعتقال او السجن أو الاعتداء الجسدي؟ إذا كان يستطيع ذلك، فهذا يعني أن ذلك الشخص يعيش في مجتمع حرّ. أما إذا لم يكن يستطيع فلا شك أن هذا المجتمع يرتكز على الخوف".

 

وأنا أعتقد أيضاً أن الاحتلال يعود علينا نحن الإسرائيليين بالضرر، مع العلم أننا لم نحتل الفلسطينيين من اجل التحكم بمصيرهم والهيمنة عليهم، بل قمنا بذلك دفاعا عن النفس. ومنذ وصولي إلى البلاد وأنا أقول إنني مستعد لإعطاء الفلسطينيين جميع حقوقهم عدا الحق في إبادتي. والسؤال هو في الواقع هل يمكنني أن أعيش بسلامة وأمان إلى جانب دولة فلسطينية تصل إلى مشارف تل أبيب والقدس وحيفا، وهو منوط بان تكون هذه الدولة ديمقراطية وليس دولة شمولية أو إرهابية. إن للفلسطينيين والإسرائيليين مصلحة مشتركة لا تتجسد بان تكون هناك دولتان لشعبين، وإنما أن تكون هاتان الدولتان ديمقراطيتين. والمحاولات التي جرت حتى اليوم لتحقيق السلام الثابت والدائم في الشرق الأوسط اعتمدت على البحث عن طغاة أقوياء يحرصون على توفير الأمن لنا نحن الإسرائيليين. وفي الواقع فإن انتقاداتي لعملية اوسلوا بدأت بسبب تصريحات رئيس الوزراء يتسحاق رابين في حينه باننا نستفيد من كون عرفات طاغية، لأنه وكما قال رابين " ليس لديه محكمة عدل عليا، ولا منظمة "بتسيلم"، ويتعامل مع حركة حماس بشكل أفضل منا". كنت اعمل في ذلك الحين صحفيا في جريدة "جيروزاليم ريبورت"، وفي المقال الذي كتبته بعد خمسة أسابيع من التوقيع على الاتفاق قلت إننا سنبذل قصارى جهدنا لتعزيز وتقوية مكانة ياسر عرفات كمستبد، أما هو فسيبذل جهده  لجعل شعبه يكرهنا، لأنها الطريقة الوحيدة التي يستطيع المستبد من خلالها السيطرة على جمهوره. إنني أومن انه سنحت للفلسطينيين فرصة مواتية للتحول إلى أول مجتمع ديمقراطي عربي، إلا أن براعم هذا المجتمع الديمقراطي قضي عليها هناك. فمجرد محاولتنا للشروع في عملية تفضي إلى تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة لتحقيق أمننا، قمنا نحن الإسرائيليين بتشجيع، بل وبتقديم المساعدة لتدمير براعم المجتمع المدني الفلسطيني. ولم تكن تلك المحاولة غير أخلاقية وحسب، بل كانت في منتهى الخطورة بالنسبة لنا. وقد دفعنا ثمن ذلك غالياً، ودفع الفلسطينيون بدورهم ثمناً باهظاً. وصحيح انه لا يمكن فرض الديمقراطية بالإكراه، لكننا نستطيع فرض الاستبداد من خلال تقديم الدعم للطغاة، وهذا ما يحدث على الدوام في الكثير من أصقاع البسيطة نظراً لاعتقاد الناس بأنهم بذلك يستطيعون ضمان الأمن والاستقرار لأنفسهم. ودائما بعد فترة طويلة من الجهود المبذولة لمصالحة الطاغية يضطر العالم الحر إلا دفع ثمن ذلك وخوض القتال. هذا ما حدث في حينه مع أدولف هتلر، وهو نفس ما حدث مع ستالين، وما حدث مع صدام حسين، وما حدث أيضاً مع ياسر عرفات.

اعتقد أن حلفاءنا الحقيقيين من بين الفلسطينيين هم الأشخاص الذين يريدون تعزيز المجتمع المدني ويريدون بناء اقتصاد مستقل، وينشدون التربية اللائقة لأطفالهم. أتحدث بين الحين والآخر مع فلسطينيين يعتقدون ذلك. وحتى الآونة الأخيرة لم يلق أصحاب تلك المواقف إلا دعما ضئيلا للغاية في العالم الحرّ وقد يكونون لم يتلقوا أي دعم. والسبب كامن في أنه كلّما وجب اتخاذ قرار بدعم أشخاص يعارضون قادتهم وسلطات بلدانهم، كان ثمة من يتساءل:" ما مدى قوة هؤلاء؟ كم فرقة عسكرية تأتمر بإمرتهم؟" إذا جاز لنا سوق كلام ستالين الشهير حين تساءل عن مدى القوة التي يملكها قداسة الحبر الأعظم. ونحن ننسى أننا نملك من القوة  ما يجهز الفرق العسكرية حيث نوفّر القوة والنفوذ. لقد طلبنا من العالم الحر الوقوف من وراء قادة السلطة الفلسطينية، ولذلك يحق لنا بدون أدنى شك ان نطلب ربط أي دعم نقدمه لهم والمفاوضات التي نجريها بأمر واحد: تطبيق إصلاحات ديمقراطية في المجتمع الفلسطيني. وإني في جميع الجولات التفاوضية التي ساهمت بها سواء في واي بلانتيشن  أو غيرها كنت اقول دائما لكل من كان على استعداد للاستماع مثل الرئيس بيل كلينتون انه مع اهمية مختلف الأمور مثل حجم الشرطة أو نسبة الانسحاب القادم أو كمية الأسلحة التي سيتم مصادرتها من المنظمات الإرهابية، أو عدد الأشخاص الذين سيتم اعتقالهم، فإن الأهم من كل ذلك بكثير، من وجهة نظري الخاصة، هو مدى الحرية في المجتمع الفلسطيني: هل ستستمر التربية على الكراهية في الجيل القادم أم ستتوقف، هل يلقى الاقتصاد المستقل التشجيع أو التقويض، كما كان عليه الحال في عهد ياسر عرفات. وأستطيع أن أشهد بأنه في كلّ اقتراح للتعاون الاقتصادي- وأقولها باعتباري من شغل منصب وزير الصناعة والتجارة في قسم من فترة اوسلو - كان الشرط الدائم الذي حدده ياسر عرفات هو احتفاظه بكامل السيطرة بدون أن يعطي الشعب أي قسط من الحرية ثمة سؤال آخر حاسم هو هل سيواصل الفلسطينيون إصرارهم على إبقاء جمهورهم في مخيمات اللاجئين للجيل الخامس على التوالي "إلى أن يعودوا إلى حيفا واللد"، كما تطالب به دعايتهم، أم سيتعاونون مع المساعي الدولية المبذولة من اجل توفير السكن اللائق لهؤلاء الناس وغير ذلك من أمور وهي كثيرة.  

   
عندما كنت معارضاً في الاتحاد السوفياتي، كنت اسمع هذا القول بالنسبة لروسيا من أشخاص في الغرب. اما الآن وأنا أعيش في إسرائيل وأتكلم عن الديمقراطية في الشرق الأوسط فإنني اسمع، وليس فقط من شخصيات في إسرائيل وإنما أيضا في أوروبا والولايات المتحدة، ان الديمقراطية غير مناسبة للعالم العربي، وأنها غير مناسبة للعالم الإسلامي أو للشرق الأوسط. واعتقد أن هذا كلام عنصري.
 

ولذلك فقد وجهت النقد في مختلف مراحل عملية اوسلو، وهو ايضا ما يدعوني لتوجيه الكثير من الانتقادات لقرار الانفصال أحادي الجانب عن غزة. ليس لأنني أتطلع إلى الإبقاء على الفلسطينيين تحت الاحتلال، بل على العكس، فقد كنت مستعدا للتحدث عن دولة فلسطينية قبل أن تكون القيادة الإسرائيلية الحالية مستعدة لقبول هذه الفكرة أو حتى مجرد طرحها بوقت طويل، غير أنني مقتنع بأن عملية سلام حقيقية لا يمكن قياسها بتنازلات من جانب واحد لا تعدو كونها مكافأة للإرهاب. إنني أقيس عمق عملية السلام واتجاهها بمعيار واحد فقط: هل أصبح المجتمع الفلسطيني أكثر حرية أو أقل حرية. إن ما الاحظه حتى اليوم ومنذ العام 1993 هو أن ما ينعم به المجتمع الفلسطيني من حرية يقل باطراد، ليصبح هذا الشعب في المقابل أكثر خضوعاً للسيطرة من قبل متطرفين متزمتين، وفي بعض الأحيان من قبل عقائد أصولية.

هذه هي الحال. كنت أود لو امكننا التقدم إلى مزيد من الحرية في الجانب الفلسطيني ومزيد من الأمن في الجانب الإسرائيلي، وهذا أمر يستحيل حدوثه إن نحن تحاورنا حول وقف لإطلاق النار مع الفصائل الإرهابية، ولن يتحقق إلا في حال بذل مساع متبادلة لربط تنازلاتنا المتعلقة بإقامة دولة بجهود سيتم بذلها لتطبيق إصلاحات ديمقراطية.

وقد طرحت في اقتراح كنت قد رفعته الى رئيس الوزراء أريئيل شارون قبل إطلاق خطة الانفصال من طرف واحد  أن نربط الانسحاب بردود تأتينا على الاسئلة التالية: هل ستتغير تربية الأولاد الفلسطينيين أم أنهم سيستمرون في تنشئة الأجيال المقبلة على الكراهية العمياء واللاسامية؟ وهل سيبقى الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين في أمثال خان يونس، أم أن الانسحاب سيكون جزءاً لا يتجزأ من بداية مساع مبذولة لتوفير ظروف السكن اللائقة لهم؟ هل سيكون الاقتصاد الفلسطيني حراً، أم أنه سيبقى اقتصاداً يعتمد على الرشاوى والخوات كما كان عليه الحال في أيام ياسر عرفات؟ وهل ستبذل الجهود لتجريد المنظمات الإرهابية من أسلحتها، أم أن السلطة ستواصل اتباع سياسة توقيع اتفاقات وقف إطلاق النار المزعومة مع مثل هذه المنظمات، مما يعني في الواقع أننا نمهلها لإعادة تنظيم قواها والعودة الى ممارسة الإرهاب.

باستثناء قضية الفساد، فإن هذه الشروط لا تبدو ذات صلة وثيقة بالديمقراطية!

متى تبدأ العلاقة بين الجمهور والقادة في التحول إلى علاقات ديمقراطية؟ عندما يطالَب الزعماء بالقيام بمساع حقيقية لتحسين حياة الجمهور. عندها يعطى الجمهور فرصة الاختيار بين هذه الجهود وسواها، حيث تسير العملية الديمقراطية على هذا المنوال. لنفترض أن حركة حماس فازت في الانتخابات المزمع إجراؤها ، عندئذ يكون السبب الحقيقي وراء هذا الفوز هو أن حركة حماس هي الوحيدة التي تعمل في مجال الرفاه الاجتماعيفهي مع كونها حركة إرهابية  إلا انها نشيطة في المجال الاجتماعي ايضا. أما السلطة الفلسطينية فتعتبر رمزا للفساد وبالتالي فهي تنافس حماس من خلال التصريحات المتطرفة. وكلّ ما يقوله الزعماء الفلسطينيون هو "لا بديل عندي! فأنا مضطر أن اظهر للشعب أنني قوي للغاية. إن شعبي يضمر الكراهية للإسرائيليين، ويجب أن أظهر بأنني لست أقل معارضة للإسرائيليين مني لحركة حماس". هذه كانت الادعاءات المتكررة لياسر عرفات، واضطررنا لقبول هذا الموقف. وحتى وزارة الخارجية لدينا برئاسة شمعون بيرس، أولاً، ويوسي بيلين، ثانيا، قبلت هذا الادعاء إذا كنت تذكر ذلك. وأنا شخصيا أومن بأن هذا هراء، فمن الواجب العمل بصورة حقيقية من أجل تحسين حياة الجمهور. وكما أسلفت، لتكن البداية من تفكيك مخيمات اللاجئين، ومن التربية اللائقة وطبعا من خلال تشجيع الاقتصاد الحرّ.  

   
طلب مني في جلسات مجلس الوزراء التوقف عن وصفي المتكرر لعرفات بأنه "دكتاتور فاسد" لأنّ الجمهور الفلسطيني يحب ياسر عرفات وسوف يشعر بالتجريح والإهانة  بسبب أي انتقاد يوجه إليه وما إلى ذلك. أما انا فكنت اقول في سريرتي دائما إنّ الجمهور الفلسطيني يحبّ عرفات بقدر ما كانت الجماهير الروسية تحب جوزيف ستالين.
 

لماذا تشترط ذلك للانسحاب؟ ألا تعتقد بان انسحاب قوات الجيش من غزة وإطلاق حرية الحركة فيها سيزيدان من فرص الحدّ من الكراهية والغضب؟

أنا أومن بانه إذا تمّ تطبيق خطة الانفصال كما شرحها لي رئيس الوزراء قبل 14 شهراً، فلن يحدث أي تغيير أبدا. يجب أن تفهم أن خطة الانفصال المذكورة ولدت من اليأس والتخلي عن الإيمان بإمكان أن تنشأ هناك ديمقراطية ذات مرة، وكما قال لي (رئيس الوزراء; م. أ.) "ما أجمل أن تقنع الرئيس جورج بوش بأمور غير موجودة".

هذا ما قاله شارون؟

هذا ما قاله. (يضحك).

ألا يعتقد أنه من الممكن قيام ديمقراطية فلسطينية؟

قطعا لا. وقال إن فكرة الديمقراطية قد تكون مناسبة لأجزاء أخرى من العالم؛ أما هنا فيجب أن نكون واقعيين. يستحيل إبرام سلام حقيقي معهم لأنهم لن يتغيروا. فهيا بنا نظهر للعالم أننا من ناحيتنا قد قمنا بما يجب علينا القيام به. نحن هنا وهم هناك وأصبحت المشكلة لم تعد مشكلتنا. أما ما قلته أنا وكرّرته عندما قدمت استقالتي فكان:" أنت تغادر غزة، لكن غزة ستأتيك ولا يمكن بحال من الأحوال القول بأن الأمور لم تعد تهمنا. إذا كنت لم ترغب في التعامل مع شؤون العرب، فقد كان عليك الذهاب إلى أوغندا أو إلى مكان آخر".

وعليه، فمن اجل ترسيخ استقرارنا  يهم أن نتساءل عن نوع الدولة الفلسطينية العتيدة. فبالطريقة التي ننسحب بها، ستصبح غزة على ما اعتقد وكرا للإرهاب، تماما كما صارت المناطق الفلسطينية في أيام اوسلو حاضنة للإرهاب. ستكون هذه جائزة كبرى لحركة حماس. منذ عام ونصف وحماس تردد في دعايتها: "لأننا قتلنا ألف يهودي استعدنا منطقة غوش قطيف، وإذا قتلنا ألفين سنحصل على السامرة، وإن قتلنا خمسة آلاف سنحصل على القدس". إنه رد فعل طبيعي. ولكن هل نفعل شيئاً لتحقيق تغيير ما؟ لن نحقق السلام من خلال تعزيز قوة الطغاة، ولن نعزز الأمن، ولا شك إننا لن نحقق الحرية للفلسطينيين. الحرية من الاحتلال بالتأكيد. لكن ثبت أنه يجوز أن يكرهنا الناس بعد تحررهم من الاحتلال أكثر مما كانوا يكرهوننا في ظل الاحتلال، ومن الممكن أن يكون مجتمعهم اقل حرية مما كانوا في سنوات الاحتلال.

ماذا تقول للمواطن الفلسطيني؟ ماذا يمكنه أن يفعل؟ ما هي النصيحة التي يمكنك أن تسديها إليه؟

أنا أومن انه تماما مثل أي شعب آخر في العالم، فالفلسطينيون يستحقون العيش بحرية، ويستحقون الحصول على فرصة في العمل وتوفير التربية اللائقة لأولادهم والعيش بدون خوف من الاعتقال أو من التعبير عن الرأي، أو من إبداء عدم الولاء لهذا الزعيم أو ذاك. وكلما ازدادت أصوات المؤمنين بالديمقراطية ومن يتطلعون إلى حياة من هذا النوع - وهذه الأصوات عليهم توجيهها إلى زعامتهم، وليس لقاتلي الإسرائيليين - كلما سهل على أناس من جانبنا تقديم الدعم لهم. إن صيغة الحرية التي تهزم الاستبداد دائما هي هي. الأصوات الديمقراطية القوية في المجتمع، والأصوات القوية لأشخاص من خارج المجتمع ممن يدعمونهم، والسياسة الدولية التي تشترط الإصلاحات الديمقراطية للتغيير في المنطقة - هذه هي الصيغة التي كانت مجدية ومفيدة في عدد من ألاماكن، وكان الاتحاد السوفياتي واحدا منها. ومن الممكن أن يحقق هذا النموذج نجاحا أكبر هنا في الشرق الأوسط، نظراً لأنّ زعامة السلطة الفلسطينية تعتمد على استعداد العالم الحر للتعاون. من اجل ذلك نحن بحاجة، طبعاً، لصنع تغيير في سياسة العالم الحر وقد أصبحنا فعلا نرى بعض المؤشرات الملموسة جدا على ذلك في أمريكا، إلا إننا بحاجة إلى استعداد الناس من الداخل، ليرفعوا أصواتهم المنادية بالحرية والديمقراطية.  

   
إمكاني العيش بأمان إلى جانب دولة فلسطينية تصل إلى مشارف تل أبيب والقدس وحيفا، منوط بان تكون هذه الدولة ديمقراطية وليس دولة شمولية أو إرهابية. إن للفلسطينيين والإسرائيليين مصلحة مشتركة لا تتجسد بان تكون هناك دولتان لشعبين، وإنما أن تكون هاتان الدولتان ديمقراطيتين
 

أعتقد أنك تعطي الأمريكيين أكثر مما يستحقون، فقد كانوا دعموا الطغاة منذ سنين، ليس لاعتقادهم بأن ذلك سيرسخ الاستقرار وحسب، بل لأن دافعهم الرئيسي يتمثل في جني الأرباح من هذه الدول، واستغلال مواردها ومنتوجاتها وعمالتها، وبالتالي ليست لدي قناعة بإمكان توفر ديمقراطية حقيقية قبل تبلور ديمقراطية في المجال الاقتصادي، وهذا معناه إنشاء آلية لا تسمح بتكدس الثروات الهائلة في أيدي الأفراد والشركات الكبرى والذين يملكون تأثيرا مبالغا فيه على السلطات الحاكمة.

لا أرى موضع خلاف بيننا هنا.

 مثلا بفعل تواجدك هنا في مركز شاليم المؤيد بلهفة للشكل الراهن للرأسمالية متعددة الجنسيات.

أول من غاظهم هذا النوع من انعدام المساواة قالوا: هيا نصنع مجتمعا يعتمد على المساواة. ولكوني قد عشت في هذه الجنة الطوباوية أستطيع القول أن مستويات الظلم والفظاعة التي حصلت هناك لا يمكن بحال من الاحوال مقارنتها بفظائع الرأسمالية. لقد أرسل الملايين إلى سيبريا ومات ملايين الفلاحين من شدة الجوع في أوكرانيا لأنه تقرر أن هذا ما هو ضروري لزعزعة الأفكار الرأسمالية وتطبيق قدر أكبر من المساواة. والأمر الآخر الذي أومن به هو أن الطريق الحقيقية للازدهار هي الديمقراطية دوماً. انها أكثر نجاعة، حيث تتطوّر بسرعة أكبر وقادرة على إعطاء المواطنين أكثر.

لكن السؤال ما هي الديمقراطية.

أقولها في كتابي: الحد الأدنى هو الحرية في التعبير عن المعارضة.

لا أظن ذلك كافيا وإن كان أفضل من روسيا الستالينية، وكلّ من يعقد مقارنة أخلاقية بين فظائع ستالين أو بول بوت وفظائع أمريكا الرأسمالية فبصريح العبارة لن اتفق معه في الرأي. لكن إلى جانب ذلك، أنت تتحدث في كتابك عن أن الاختبار الحقيقي ، في نظرك، للديمقراطية هو هل يستطيع الإنسان أن يقف في ساحة المدينة ليوجّه النقد للسلطة بدون خوف، لكن المشكلة هي في اختفاء ساحة المدينة حيث يحل المجمع التجاري محلها تدريجيا. هل تعرف أن المجمعات التجارية تعود للملكية الخاصة، وتحظر فيها النشاطات السياسية من أي نوع كان؟ وعندما تتحدث عن الصحافة الحرة فإن أكثر الصحف رواجاً في الدولة تخضع لسيطرة نخب غنية للغاية، وتتم إدارتها بناءً على أصول الريتنغ – نسبة الانتشار. هل هي صحافة حرة؟ إن قراءتي للتوراة تقول ان حصر النفوذ والثروات في أيدي القليلين قد يزعزع الديمقراطية.

 اتفق معك تماما. انظر، إسرائيل تعاني من مشاكل اقتصادية جمة، ليس بسبب الاحتلال فحسب، وليس لأننا في خضمّ مقارعتنا للإرهاب الذي هو دوما تحد كبير للديمقراطية، وإنما أيضا لكوننا ديمقراطية فتية نسبياً وُلدت بطرق جد شائكة لم تكن غاية في الديمقراطية. لكن الفرق بين المجتمع الذي يعيش في أجواء الخوف والمجتمع الحرّ هو أن المجتمع الحر قد ينطوي على العديد من المشاكل، إلا أن لديك وسائل لمواجهتها. أما في مجتمع الخوف فلا تواجهك أي مشكلة، لأنّ قضايا حقوق الإنسان لا تؤخذ أصلا بعين الاعتبار.

كنت قد حاضرت في الآونة الأخيرة أمام ثلة من أعضاء مجلسي الكونغرس الأمريكي حيث بدأ الجميع في توجيه الدعوات إليّ بعدما علموا أن كتابي نال إعجاب الرئيس جورج بوش،  لأنهم يسعون إلى فهم طريقة تفكيره. وقلت لهم أن الجميع يتفق معي في الرأي انه بعد عشرين عاما لن تكون هناك سوى دولة عظمى واحدة بإمكانها تحدي الولايات المتحدة وهذه الدولة هي الصين. وهذا يعني أن مستوى الأمن الذي ينعم به الجمهور الأمريكي سيكون منوطا بمستوى الحرية الذي ينعم به المواطنون في الصين، ويكمن معنى ذلك في انه وعلى الرغم من أهمية الأرباح أو انعدامها في صناعة النسيج، ومع كلّ التفكير في كيفية ملاءمة صناعة النسيج الأمريكي مع النسيج الصيني، إلا ان ذلك كله ليس مهما بالمقارنة مع السؤال عما إذا كانت اتفاقات النسيج المذكورة ستعزز سيطرة القيادة الصينية على جمهورها أم لا. وإنني اذكر جيدا المداولات التي تمت حول تعديل جاكسون-فانيك لعام 1974 (والذي اشترط التقدم في مجال حقوق الإنسان في الاتحاد السوفياتي لإنشاء علاقات تجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي - م. أ.). وكانت النقاشات في الكونغرس الأمريكي منوطة بمحاكمتي، لذا فقد طالعتُ البروتوكولات بإمعان ولاحظت موقف الشركات الكبرى التي رفضت هذا التعديل الواحدة تلو الاخرى، أما الاتحادات العمالية فكان موقفها معاكسا تماماً. وهذا يعني أن جميع المنظمات الاشتراكية أيدت التعديل في حين عارضته جميع المنظمات الرأسمالية! لماذا؟ لان الشركات التجارية ستكون على استعداد لتعليل الخطوة للعالم كله إذا كان من الممكن أن تحقق الأرباح من جراء إدخال التعديل. وسيقولون:" إذا كان جيدا بالنسبة لنا، فسيكون جيدا بالنسبة للعالم كله". يجب أن نكافح ضدّ هذا النوع من التفكير. ليس من منطلق أن الأرباح التجارية غير حسنة، وإنما من خلال التعليل بأنّ أمنهم هو المطروح على كفة الميزان. وكان الشيوعيون يقولون:" سيبيعنا الرأسماليون الحبل الذي نشنقهم به"، وعلى الرأسماليين الانتباه إلى هذه المسألة.

   
انتقاداتي لعملية اوسلو بدأت بسبب تصريحات رئيس الوزراء يتسحاق رابين في حينه باننا نستفيد من كون عرفات طاغية لأنه، وكما قال رابين، " ليس لديه محكمة عدل عليا ولا منظمة "بتسيلم"، ويتعامل مع حركة حماس بشكل أفضل منا". كنت اعمل في ذلك الحين صحفيا في جريدة "جيروزاليم ريبورت" وفي المقال الذي كتبته بعد خمسة أسابيع من التوقيع على الاتفاق قلت إننا سنبذل قصارى جهدنا لتعزيز وتقوية مكانة ياسر عرفات كمستبد، أما هو فسيبذل جهده  لجعل شعبه يكرهنا.
 

ويجب أن يلتفتوا أيضا للتبرير الذي يقدمونه للمصالحة مع الطغاة، والذي يرى أن الديمقراطية غير مناسبة إلا للجمهور المتنوِّر في الغرب، أما باقي الشعوب فلديها عقلية مغايرة. وكأن كلّ ما نحتاجه للدفاع عن أنفسنا ولربح بعض الأموال هو ضمان ان يكون ذلك الطاغية بالذات هو طاغيتنا نحن، أو كما أسماه الرئيس جونسون مرة "ابن العاهرة خاصتنا". حتى بالنسبة لأمريكا اللاتينية سمعت أشخاصا يقولون إن "المزيج المكون من الكاثوليكية الأسبانية والعقائد المحلية يقول إن الثقافة التي تنشأ في أمريكا اللاتينية لا تؤيد الديمقراطية" وما إلى ذلك من الكلام بالنسبة لثقافات مختلفة وشعوب مختلفة يعتقد الغرب أن الديمقراطية لا مجال لتطبيقها على أي منها.

ما وجدته لدى حلفاء الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من المعمورة والذين توجد لدى بعضهم إدارات ديمقراطية في الظاهر، أنه يتم اتخاذ قرارات هامة بدون استشارة الجمهور المتأثر بها، حيث يلوثون الأنهار ويجتثون الغابات ويضطرون المزارعين في الواقع للتنازل عن العمل في زراعة المحاصيل الغذائية كجزء من الاقتصاد المحلي والانتقال إلى زراعة "المحاصيل النقدية" (cash crops) المخصصة للأسواق العالمية. وقد زرت على سبيل المثال إحدى مناطق تايلاند وهي المنطقة التي يأتي إلينا العمال التايلنديون منها، حيث تم وبكل بساطة القضاء التام على الاقتصاد المعتمد على صيد الأسماك لأن الحكومة أقامت سدوداً على الأنهار. ولم يستمزج أحد من المسئولين برأي السكان لمعرفة ما إذا كانوا يوافقون على هذه الخطوة.

حسنا، هذه ليست ديمقراطية. كان من المفروض أن يكون بالأمكان إقامة حركة قوية تعارض إقامة هذه السدود. ومجرد اتخاذ الحكومة القرار وتنفيذه بهذه البساطة إنما يعني انه لم يترك للسكان أي مجال للتعبير عن معارضتهم.

لكن إمكانية التعبير عن المعارضة غير كافية بحد ذاتها. ولم يتكلف أحد عناء ابلاغ الفلاحين والصيادين بحقيقة ما يجري، علما بأن الإعلام يخضع بغالبيته لشتى أشكال المصالح. ولا يكفي القول أن لديك مجالا للتعبير عن المعارضة دون أن يزج بك أحد في السجن وإن كان ذلك أفضل بل أفضل بكثير من أيام ستالين، إلا أنه لا يكفي لتحويل النظام إلى ديمقراطي بمعنى الكلمة.

بداية علينا فهم بعض البديهيات، إحداها أساسية وتقول إن الدكتاتورية لا تساهم في تعزيز امننا على المدى البعيد، ومعظم زعماء العالم لا يفهمون هذا ولا يقبلونه. هناك بطبيعة الحال درجات مختلفة من الخوف ودرجات مختلفة من الطغيان وأنواع مختلفة من المجابهة مع الأنظمة الاستبدادية والأصولية، لكن في السياسة الدولية هناك أشخاص يتعاطون السياسة، ويعتقدون أن الأمر الأهم هو أن يكون لنا أصدقاء مستبدون. إنها طريقة مألوفة في التفكير، وقد صادفتها في أوروبا والولايات المتحدة وكذلك في إسرائيل، وظللت أتذمر من هذه الحالة منذ ثلاثين عاماً. هذا ما يدور حوله كتابي إذاً.  

   
إن صيغة الحرية التي تهزم الاستبداد دائما هي هي. الأصوات الديمقراطية القوية في المجتمع، والأصوات القوية لأشخاص من خارج المجتمع ممن يدعمونهم، والسياسة الدولية التي تشترط الإصلاحات الديمقراطية للتغيير في المنطقة - هذه هي الصيغة التي كانت مجدية ومفيدة في عدد من ألاماكن، وكان الاتحاد السوفياتي واحدا منها. ومن الممكن أن يحقق هذا النموذج نجاحا أكبر هنا في الشرق الأوسط، نظراً لأنّ زعامة السلطة الفلسطينية تعتمد على استعداد العالم الحر للتعاون.
 

أعتقد انه يجب أن نوجّه انتقادات أشد للسياسة التي تتبعها الولايات المتحدة، وأن نتذكر إلى أي مدى كانوا تواقين غير مرة لتعزيز قوة الحكام المستبدين بسبب الأرباح التي يمكنهم تحقيقها في حال تعاونوا معهم.

لقد كتبت عن ذلك بالنسبة للسعودية. فخلال حرب الخليج لم يتجرأ بوش الأب على مطالبة السعودية بأي تنازل، ولا حاول التأثير، ولو قليلاً، على ثقافتها السياسية. واليوم أصبحنا ندرك نوع الاستقرار الذي تحققه السعودية للأمريكيين: الانتحاريون الـ 17 في 11 سبتمبر، علما بأن هدفي كان أظهار هذه الصلة بالذات بين الانتحاريين الـ 17 في منهاتن وبين سياسة الولايات المتحدة التي توهم نفسها بانه يمكنها خلق الاستقرار من خلال تقديم الدعم والتأييد للنظام الاستبدادي في السعودية.

ربما كان يمكنك التأثير بصورة اكبر لو أنك وجّهت النقد  الأكثر صراحة للولايات المتحدة بسبب الدور الذي تلعبه في تدعيم بعض الأنظمة الدكتاتورية أو  شبه اللدكتاتورية، لأنك لو فعلت ذلك، للفتّ نظر مَن يعلمون أن العولمة الاقتصادية، كما تتم اليوم، لا تنتشل الناس من براثن الفقر، فلقد رأيت بأم عيني أن هذا غير صحيح. أنا لا اصدق كلّ ذلك المديح "التوماس فريمدمني" (نسبة الى الكاتب الصحفي الامريكي الشهير) الذي يرى أن ازدياد ثراء الأغنياء يعيل الفقراء.

هذا سطحي للغاية.

 وعلى الرغم من ذلك، فهي النغمة المترددة على ألسنة الجميع اليوم. والشركات الكبرى والمنظمات الدولية تعمل على إنشاء اقتصاد يصب جل اهتمامه على النمو، مما يضع الشركات امام خيارين لا ثالث لهما: النموّ أو والموت. وبالتالي تنشأ حالة من الاضطرار لإيجاد طرق جديدة لبيع المزيد من المنتوجات التي يتمّ تصنيعها من قبل عمالة تقل اجورها يوما بعد يوم بغية زيادة هامش الربح.

حسناً، إذن، كيف تتعامل مع هذه المشكلة؟

أعتقد أن الديمقراطية المحلية يجب أن تكون هي المسئولة عن الاقتصاد المحلي. فعلى سبيل المثال، "اتفاقية الغات" للمرحلة الأخيرة من اتفاقات التجارة الدولية تتيح للبنوك الدولية الدخول إلى كلّ دولة ترغب في دخولها لتحصل فيها على نفس الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها اي بنك محلي. ما هي القوة التي يبقيها ذلك بيدي الديمقراطية التي ترغب في إرسائها؟

أوافقك الرأي. لكن هذا موضوع يناسب كتابا آخر. ولا أرى أي تناقض بين هذا وبين كتاباتي.

إنك في أذهان الجمهور الإسرائيلي تنتمي الى اقصى يمين الخارطة السياسية فيما يتعلق بالاقتصاد.

الإسرائيليون يعتبرونني متشدداً للغاية من الناحية السياسية. صقر متطرف! لكن إلى جانب ذلك، من الممكن أن أبدو في المستقبل ممثلا لليسار المتطرف، بدون أن أتغير ولو بقدر بسيط. منذ وصلت إلى البلاد والناس يسألونني إذا كنت انتمي إلى اليمين أم إلى اليسار، وكنت قد قلت عند وصولي إنني لا أتأطر ضمن هذه التصنيفات، لان كلّ ما تسألونه هو كم من الأرض أنا على استعداد لإعطائها وأين ستكون الحدود. ولكن أهم شيء في نظري هو الحدود بين مجتمع يعيش في أجواء الخوف وآخر ينعم بالحرية. هذا هو السؤال المطلوب، إلا أن المجتمع الإسرائيليين لا يسال هذا السؤال.

تقول إن غالبية الناس في المجتمعات الاستبدادية يتظاهرون بالولاء للنظام ولكنهم في الحقيقة لا يدينون له بالولاء. هل حقيقة استعداد الفلسطينيين لتنفيذ عمليات انتحارية لا تدلّ على أنهم يؤمنون بقيادتهم وبالهدف الذي ينتحرون من اجله؟
كان هذا أحد نقاشاتي مع شمعون بيرس، عندما أجرى التلفزيون مقابلة مع امرأة قالت إنها مسرورة لأنّ ابنها نفذ عملية انتحارية، وأشارت إلى أن أكثر ما تتطلع إليه وتتمناه هو أن يسير جميع أبنائها في خطى ابنها هذا. فقلت إنها مجرد ضريبة كلامية. ثمة دائما أقلية من الناس تصل إلى هذا النوع من التطرف. أما أن يحاولوا اقناعنا بأنّ مثل هذا يشعر به المجتمع برمته، فهذا لا ينطلي علينا.  قلت لبيرس: "هل ترى أن ياسر عرفات بطل إلى درجة أن الناس مستعدون للتضحية بأنفسهم من أجله؟ انتظر لترى ما سيحدث بعد يوم واحد من موته." طوال عمري لم أسمع من الفلسطينيين من يكيل لعرفات من المديح ما كاله له الرئيس الفرنسي. فقد كان عرفات في نظره "إنسانيا أسطورياً" وكأنه يرغب في منحه جائزة نوبل ثانية. وكان هذا مدهشا فعلا إذ لم اسمع قط مثل هذا المديح لعرفات من الفلسطينيين أنفسهم. لقد باتوا بريئين من مثل ذلك الهراء.

أعود فأقولها إذن، إنه من الممكن أن نجد دائماً مجموعات من المتعصبين والمتزمتين، إلا أن السواد الأعظم من كلّ مجتمع يتطلع إلى حياة طبيعية. وإذا كان الفلسطينيون لا يريدون العيش في ظل سلطة إسرائيلية، إلا أنهم يتوقون ليعيشوا حياة كريمة، ولا يريدون أن يكونوا مخربين انتحاريين، إنما يتطلعون إلى توفير مستوى جيد من التربية لأطفالهم ويتطلعون إلى إشغال وظائف محترمة. كنت قد أحضرت بعض الأفلام إلى جلسة مجلس الوزراء، لأنني إلى حين استقالتي كنت مسئولا عن متابعة التحريض الفلسطيني. إننا نسمع تصريحات عبر التلفزيون والجهاز التربوي الفلسطيني تقول إن السلام لن يتحقق إلا حين لا يعود ثمة يهود أحياء، وإن الشهادة أفضل هدف يسعى اليه الطفل أو الطفلة من الفلسطينيين ويتمثل في قتل أكبر عدد من اليهود، علما بأن هذه الأقوال ليست صادرة عن شخصيات مجهولة بل هي صادرة عن المدير العام لوزارة التربية ألفلسطينية . وثمة شيخ معروف وغاية في السفالة قال إن التسونامي ناجم عن الفساد الأمريكي والإسرائيلي. والشيخ ذاته كثير الاقتباس من آيات القرآن  - وإني آمل أن يكون تفسيره مغلوطاً - حول كون اليهود سيختبئون خلف الحجارة والأشجار قبل يوم القيامة، وعندها ستتكلم الأشجار لتقول: "هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله." (إنه في الحقيقة اقتباس من الحديث النبوي – المترجم) ويردف الشيخ قائلا:" إنها مسؤوليتنا اليوم: أن نقتل اليهود، وإن فعلنا، ساعدتنا في ذلك الأشجار والحجارة" مع العلم بأن هذا الشخص يتقاضى راتبه من السلطة الفلسطينية باعتباره صاحب وظيفة دينية. وقد عرضت تلك الأفلام أمام مجلس الوزراء قبل 3 أشهر، فصدم الجميع وذهلوا. وترى حكومتنا أن هذا ما يؤمن به الفلسطينيون. وأنا أقول إن من يعتقد أنّ الفلسطينيين يؤمنون بهذه الأمور حقا فهو عنصري. وأقول إنه لا شك في أن هذه هي الأجواء التي نشأت، لكن...

لكن، ألا يعقل أن يفكر الفلسطينيون على هذا النحو، مع العلم أنهم يرون الجنود الإسرائيليين في كلّ مكان، وإذا كانوا يخافون، فليس من قادتهم فقط؟

 لا شك في ان عدم تواجد جنودنا هناك سيكون أفضل. إلا أن جنودنا متواجدون هناك لمنع وصول هذا النظام إلى تل أبيب، ولا يمكن لهذه العملية ان تكون من جانب واحد، ولا يمكن أن  نقول:"سنغادر، فيصبح كل شيء على ما يرام" لأن الإرهاب سيلاحقنا. في البرنامج المذاع في التلفزيون الفلسطيني لم يقل أحد "ما أروع أن يغادر الإسرائيليون غوش قطيف." لا يقولون هناك أي شيء عن غوش قطيف. إنهم يتحدثون عن القدس وعن حيفا وعن اللد. هناك مسرحية غنائية خاصة يبثونها مرتين في الأسبوع تقريبا وهي مسرحية جميلة جدا تتحدث عن طفل وطفلة من سكان أحد مخيمات اللاجئين، يحتفظان بمفاتيح بيوت الجد والجدة رمزاً لعدم نسيانهم أنهم عائدون إلى حيفا. ويهم الجيل الخامس من الفلسطينيين الذين ولدوا في مخيمات اللاجئين - يهمهم جدا أن يعرفوا "أننا سننتقل من خان يونس إلى حيفا". هل تعتقد أنهم سيفككون بيوتهم في مخيم خان يونس ليبنوا بيوتا في عتسمونا أو نفيه دكاليم؟ لن يفعلوا ذلك! لا نجد أي أغنية في التلفزيون الفلسطيني تتحدث عن غوش قطيف أو السامرة. هناك حرب أيديولوجية تخوضها القيادة الفلسطينية ضدنا بأشكال مختلفة. ورغم أنني لا أستطيع القول إن الاحتلال لا يؤثر عليها، إلا أنني أتساءل: كيف يعقل أن تكون أجيال من الفلسطينيين الذين ترعرعوا في ظل الاحتلال تكرهنا اقل من الذين نشأوا في ظل حكم السلطة الفلسطينية؟ في العام 1993 كتبت أن كل شيء نقدّمه لعرفات سيستخدمه ضدنا لأنه لا يستطيع البقاء إلا إذا كان لديه عدو خارجي. لا تستطيع إقناع السلطة الفلسطينية بان تنظر إلى الأصوليين الفلسطينيين باعتبارهم عدوّاً خارجياً. الرئيس المصري حسني مبارك يمكنه القيام بذلك إلى حد  ما، لكن السلطة الفلسطينية؟ من اجل الحفاظ على وحدة المجتمع الفلسطيني لا بدّ من تعبئته وشحنه بالكراهية لإسرائيل.
 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004