|
العدد
28
| أيار - حزيران 2005
إلى صمتك المتواصل، أنطون شمّاس |
|
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
أوري ش. كوهين الذي يدرّس الأدب العبري في جامعة كولومبيا، وكان في الماضي أحد القراء الأوفياء لكتابات أنطون شماس باللغة العبرية، يدعو شمّاس، المقيم في الولايات المتحدة الى ان يمنح فرصة أخرى للمشروع الإسرائيلي الذي يعيش فيه العرب واليهود باحترام متبادل وسلام. تحية إلى أنطون،
إننا لا نعرف بعضنا البعض، ولكننا نعيش في نفس القارة الآن، وأعتقد بأننا نحنّ أحيانا إلى تلك البقعة من العالم التي قيّدتنا باغلالها. أتذكر جيدا ما كتبته في اسبوعية "كول هعير" المقدسية في السنوات التي سبقت الانتفاضة الأولى، وتلك التي تلتها. لا يمكننا القول بأنك لم تنذر أو لم تحاول جهدك أو لم تضع أمام المجتمع الإسرائيلي، وخاصة اليسار الإسرائيلي، مرآة العنصرية الخفية والاقل خفاء التي يتسم بها. إن الذي يعيد قراءة ما كتبته لا بد ان يكتشف فيه ما ارتضيته في السنوات الاخيرة من صمت عن الكتابة باللغة العبرية. حين بدأت نشر زاويتك الصحفية، كنت انا فتى ويبدو لي انني كنت آنذاك قد اصبحت من مؤيدي السلام، وكنت انت هو أول من أقرأ زاويته في "كول هعير"، مع كعك "البوريكاس"، وسط الهدوء الذي يسود أيام الجمعة. كانت "كول هعير"، في تلك الأيام، الصحيفة الأكثر اجتذابا للقراء في الدولة وفي القدس التي تحطمت بعد ان توحدت. وكنت انت قد فعلت منذ وقت بعيد ما كان يفعله غدعون ليفي )الصحفي الاسرائيلي المعروف بدعمه لحقوق الفلسطينيين – المترجم) في ذلك الوقت بتعابير الوجه وبالنبرة التي جعلت الناس تظن بأنه صاحب نظرة احادية الجانب نحو العرب، ولكنك كنت تفعلها بسخرية وبتردد حقيقي كلما كتبت: نحن، أنا، هم. لقد قمت هذا الأسبوع بزيارة إلى هيئة تحرير "كول هعير" في مدينة القدس الحزينة، وتصفحت أرشيفك. وإني اعتقد في الحقيقة ومنذ فترة بأنه يجدر جمع مقالاتك في كتاب، ولكن كل من يعرفك يقول أنك لن توافق, وأنك أنهيت حكايتك مع إسرائيل، وأنك لم تعد تؤمن، منذ زمن، باحتمال وجود مشروع مشترك مع اليهود. واعتقد بأن هذه الأقوال أيضا سوف تحجم عن التعليق عليها. عودة الى المربع الاول في اليأس أدركت مما قرأته هذا الأسبوع أنك كنت من قلة تحدت التمييز العزيز على قلب اليسار، بين الإسرائيلية واليهودية. ولأن هذا الموضوع من وجهة نظري قد تم حسمه، كان من المثير أن أعيد قراءة كيف فككت لغز الهوية ذاك. في بداية عام 1986، وتحت عنوان "فهم المقروء"، طرحت اليأس المنبثق عن الحاجة إلى وضع المرآة امام الوجه: "عودة إلى المربع الاول في اليأس. "ها هو أ. ب. يهوشواع يبدو له لوهلة أنني لربما ‘أؤيد في الواقع نوعا من أرض إسرائيل-فلسطين الكبرى، بصيغة كنعانية بعض الشيء‘. إذا كان صانع الكلمات مثله يستخلص هذا من أقوالي، فكيف بصغارالنفوس في اليمين الذين هم صُم ولكنهم ليسوا بُكْما. إذن، للمرة الأخيرة بالتأكيد، ولصالح كل من يواجه صعوبة في فهم المقروء: ليفعل الفلسطينيون ما يحلو لهم في الضفة الغربية، وعندما يفعلون ويصلون إلى برّ الأمان بهذا الشكل أو ذاك، أريد أن تكون دولة إسرائيل داخل الخط الأخضر تابعة لمواطنيها الإسرائيليين، للقومية الإسرائيلية الساكنة فيها، وليس للشعب اليهودي في الشتات.
"هل من أسئلة؟". نعم, ثمة أسئلة يجدر بنا الاعتراف بشرعيتها، وهي أشبه بدمية "بابوشكا" خشبية تضمر بداخلها أسئلة أخرى. لقد استخدمت هذه الاستعارة بشيء من السخرية، إشارة الى منشأ الصهيونية في أوروبا الشرقية، لشرح الحالة اليهودية. "غير أن دولة إسرائيل هي فعلا دمية "بابوشكا" حامل، وليست امرأة حامل, إذ ان الدمية الحامل لا يخرج جنينها إلى العالم، بل إنها تلده بداخلها, والعرب الذين بقوا هنا عام 48 (وهو خطأ مصيري ارتكبته الصهيونية) هم على قياس بابوشكا دولة إسرائيل وصورة طبق الاصل عنها. إنهم لا يريدون الانتقال إلى أحشاء "بابوشكا" أخرى، مهما كانت حنونة ودافئة. نحن نأسف لذلك، ولكن لا توجد أمام "البابوشكا" الأم خيارات كثيرة على ما يبدو. إنها دولتنا أكثر منها دولة يهود بلدة راندولف بولاية مساشوستس الامريكية. ومن هذا المنطلق، أرى نفسي بابوشكيا-إسرائيليا أكثر من يهوشواع. فروايتي التي ستصدر بالعبرية بعد عدة أشهر هي إسرائيلية أكثر من "طلاق متأخر"، وطلاقي المتأخر من هذا المكان، بشكل أو بآخر، لن يسهم كثيرا في تغيير هذه الحقيقة" ("كول هعير")، 24.1.86). لقد مرّ الوقت، ومن الصعب فهم معايير هذه الإسرائيلية على حقيقتها في روايتك الرائعة "عربسك" (دار"عام عوفيد" للنشر، 1986). غير أن مقولة البابوشكا تضعنا أمام مشكلة. فحقا، ما الذي يقترحه اليهود في دولتهم اليهودية على العرب، إن لم يكن نوعا من عدم الطرد الذي يواجه صعوبة في أن ينضج ليتحول إلى شيء آخر. إن صمتك هو الحصرم الذي أكله الآباء وهو الخطأ الذي ارتكبته الحركة الصهيونية عام 48، كما أضفت بين المزدوجين اللذين يغمزان إلى اليسار. اذ إن مجرد التعليل الديموغرافي هو بمثابة تطلع إلى نقاء عرقي؛ إلى ‘لنكن نحن هنا، وليكونوا هم هناك‘، كما عبر عن ذالك أحدهم، باراك، الذي أطلق الحمام فوق رؤوسنا طيلة بضع سنوات. من الممكن تفهمك, فالسنوات التي تلت ما كتبته أظهرت أن لعبة الهوية "من أنت، هل أنت أكثر يهودية أم أكثر إسرائيلية؟" هي لعبة لا معنى لها. أظهر سفك الدماء في السنوات الأخيرة، على ما يبدو، أن اليهود بحسناتهم وسيئاتهم هم الوضع القائم، وأمامهم، كما حدث في سنوات الهجرة اليهودية الثانية، يقف العرب. لقد كانت إسرائيل كدولة قومية لمواطنيها رؤيا يكف فيها العرب أو اليهود عن ان يكونوا هم ذاتهم. ولربما هذه هي النقطة الزمنية التي توقفت فيها عن الكتابة بالعبرية من منطلق ادراكك بأن كتابتك بالعبرية سيكون ثمة دائما من ينظر إليها كخيانة إن لم يكن ذلك انت ذاتك، ولم يعد ممكنا تبريرها بعالم مستقبلي تكون فيه اللغة العبرية هي لغة الإسرائيليين الذين سوف لا يميزهم عن بعضهم البعض لا عرق ولا دين ولا جنس. النواة الأخيرة سؤال آخر يولد إلى داخل هذه "البابوشكا" وهو: حقا لماذا يجب إقامة دولة إسرائيل من جديد، على حد تعبيرك. وإذا عقدنا العزم على الإقامة من جديد، فلماذا إسرائيل؟ هل من الممكن أن تكون، في نهاية الأمر، شريكا أنت أيضا في الرأي مع العديدين ممن يتقبّلون اي قومية في العالم كأمر مفروغ منه، حتى وإن كانت غير مرغوب فيها، ولكنهم لا يستطيعون تقبل القومية اليهودية كأمر طبيعي؟ لقد كتبت أنت: "دولة أحادية العرق وأحادية القومية، كما ينص عليه قانون العودة، وهو من وجهة نظري الوجه العنصري لإعلان الاستقلال الذي يبدو نيرا لأول وهلة. دولة إسرائيل، الدولة اليهودية، وعدت الجميع "بالمساواة الاجتماعية والسياسية الكاملة"، دون رمشة عين. إلا أنه يبدو الآن وبعد وقوع الأمر، أنها دولة يهودية من حيث تعريفها بالذات، لا يمكنها, حتى لو تخطت ذاتها الروك-هادسونية, منح المساواة لجزء من سكانها. المساواة الاجتماعية، ربما، أما السياسية فقطعا لا. الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط تحتضر، حتى وإن لم يجرؤ الأطباء حتى الآن على إبلاغكم بذلك. إنها تحتضر ببطء شديد، ولكنها تحتضر. كل الأقارب يعرفون ولكن لا يجرؤون على تحديق النظر فيها، كما فعلت غولدا (مئير, رئيسة وزراء اسرائيل سابقا – المترجم) دون حياء، ليقولوا الحقيقة في وجهها‘" ("كول هعير"، 13.9.1985).
حتى من يوافقك الرأي يصعب عليه قراءة هذه الأقوال. لا يمكن عدم الاستماع إلى الأمنية، إلى معارضة التطبيع، إلى معارضة الاعتراف بأنه في نهاية الأمر، كان هناك شيء من الطبيعية في أن يأتي اليهود إلى نفس البلاد التي جاء إليها أجدادك في بداية القرن الماضي. إنك تكتب كالذي يتواجد في المهجر منذ وقت بعيد، وكأنك نواة البابوشكا الأخيرة التي لا يمكن فتحها وستبقى خارج ببابوشكا إسرائيل، التي تم تجميعها على جناح السرعة. المشروع إذن، هو مشروع انكشاف، ولذلك فسيبقى مناسبا دائما، دون علاقة بالشيء والمستقبل اللذين كنت تؤمن بهما بالتحديد، أنت أنطون شماس. وبالفعل، فقد جَلدتَ شخصية أبي مازن الأنيقة بكلمات غاية في القسوة، حين التقى شخصيات من اليسار الإسرائيلي في بودابست. "بعد ثلاث ساعات من الحوار بين ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية وخمس عشرة شخصية من اليسار الإسرائيلي، في المدينة التي ولد فيها بنيامين (أبو زئيف) هرتسل، التفت عضو الكنيست تشارلي بيطون إلى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن كما يكنيه أصدقاؤه الألداء وأعداؤه المقربون)، وتعانق الاثنان وتبادلا القبل على مرأى من الكاميرات. ولم تكن ثمة حاجة لأن تكون مستشرقا ثاقب النظر كي تلاحظ أن تشارلي بيطون كان هو المبادر والمحرّك والمنفّذ، بينما كان أبو مازن هو رجل البذلة وربطة العنق المتحفظ. "أََنظرُ إلى الساعة الذهبية في معصم يد عضو منظمة التحرير الفلسطينية، بنظارته الانيقة وربطة عنقه المخططة، وبذلته الراقية الخياطة وشاربه الذي لا تقل خياطته رقيا - أنظر إلى كل ذلك ويسقط نظري على "تشارلينا"، بقميص أبيض اشبه بقميص الاحتفالات العائلية، وأنا أعلم أن الرجل الذي أبحث عنه في الصورة هو تشارلي بالفعل. ابتسامته صادقة واحتضانه صادق وقبلته صادقة. وبالمقابل، كان يبدو ذلك الرجل وكأنه "م.ت.ف. للخياطة الراقية"، والذي لم أكن لأشتري منه حتى دولة مستعملة. يفوح منه عبق "الآفتر-شيف" ليصل من هنا حتى، دعنا نقول، مخيم الدهيشة" ("كول هعير"، 19.6.87). التوقف عند تلك اللحظة سخريتك تلاحظ ما هو مضحك وفاسد لدى الطرفين. وفي الواقع فإن انتقاد منظمة التحرير الفلسطينية نادر نسبيا في كتاباتك، ولكن يمكن تفهمه على خلفية إصرارك الموجه الى أ. ب. يهوشواع هذه المرة ايضا، على أنه لا يوجد في الوطن الذي يخصصه لك على بعد 15 دقيقة إلى اليسار، أي شيء يحوّله إلى وطن. أما تشارلي فقد غيّر رأيه, شأنه شأن الكثيرين في السنوات الأخيرة, حيث يتحدث بمرارة عن تلك السنوات في فيلم نيسيم موسك الوثائقي "هل سمعت عن الفهود"، ويجمل قائلا أنه رغم كل شيء فإن العرب يبالغون بعض الشيء. "إنهم يريدون ثلاث دول فلسطينية"، هذا ما يقوله ويضيف "الأردن وفيها أغلبية فلسطينية, ودولة فلسطينية في الضفة والقطاع, والدولة المتبقية يجب أن تكون دولة كل مواطنيها، وممنوع أن تكون دولة يهودية". ربما لم يغيّر رأيه، وما هو إلا النواة التي كانت موجودة في باطن البابوشكا اليسارية، التي اصطحبها إلى مثل تلك اللقاءات في بودابست وفي أماكن أخرى وهي، مثلها مثل مطالبة الطرف الآخر، منبت فشل مشروع السلام. رغم ذلك، يجب التوقف عند تلك اللحظة، التي كان تشارلي فيها يخصك أكثر مما يخصك أبو مازن، والانتباه إلى أن الأمر كله هو ضد الديموقراطية العرقية بشكل عام، وتلك التي تفضل سكان نيويورك المختونين على سكان البلاد بشكل خاص. هكذا بوخز ريشة، أخرجت أسبوعا بعد أسبوع الهواء من بالون ارتياح الضمير لكل الذين سموا أنفسهم "اليسار الإسرائيلي". ولكن علينا أن نعترف بأن اليأس لم يصبح أكثر سهولة، وبكلمات ثاقبة قلت مفسرا: "كل مستوطن يقطن في الضفة الغربية ويتفاخر، بين حين وآخر، بأنه يجلس، بين حين وآخر، على مائدة نشطاء لجان القرى، ومن ثم يخرج ويطلق عيارات فرحة التعايش في الهواء (كي "نموت فيه"!) - كل مستوطن من هذا القبيل هو قاتل ممكن لعوفرا موزس (التي قتلت في مدخل بلدة "الفيه مناشيه" تنيجة عمل قام به فلسطينيون - المترجم). كل ناشط من حزب "راتس" اليساري الاسرائيلي، يذهب ليبحث عن جودة الحياة على حساب بؤساء الضفة الغربية، ويغرس الأشجار في حقول الأخوّة (ثمة شارع يحمل هذا الاسم في ألفيه مناشيه)، هو متهكم بغيض ومحتل نجس ومنافق لا صلاح فيه وإذا كان يوهم نفسه بأنه من الممكن أن تسود الأخوّة بين المحتل ومن احتلت أرضه، فمن الأفضل أن ينضم إلى قطار "غوش-إيمونيم". "باختصار، إذا لم تخرجوا من الضفة الغربية الآن، فإن مئة سنة من الزجاجات تنتظرنا جميعا"" ("كول هعير"، 24.4.1987). والأيام تكاد تكون أيام انتفاضة، وثمة في الجو ما ينذر بالانفجار، وأنت مصرّ على أن الأمر لم يبدأ بزجاجة، ولذلك من الغريب بعض الشيء أن تتغاضى، نوعا ما، عن أننا حتى لو كان ينتظرنا قرن من الزجاجات، فنحن كنا قد اجتزنا قرنا كهذا. ولربما هذا هو الأمر الذي يستعصي على الفهم، ذلك الانسداد في عضلة الدماغ الإسرائيلي الذي يتجسد في عقدة الاضطهاد العرقي، التي تعلل كل ما يحدث بأن "الزجاجات كانت هنا منذ القِدم".
رؤيا آخر ايام البابوشكا "كهانا (العنصري المتطرف – المترجم) لا يخيفك"، هذا ما كتبته، "ولكن أمثال غدعون ليفي بالذات هم الذين يخيفونك" ("كول هعير"، 1.2.1986). أعتقد بأني أدرك ما كنت تقصده، وإني لأشاركك هذا الإحساس. فأنا، في اية لحظة كانت، أفضل تشارلي بيطون، مثلك، لكونه، دعنا نقول "يخصني أكثر". ولكن امثال غدعون ليفي هم من الشكناز الذين وجدوا في جلدهم نوعا من البياض المرجو الغربي الطبع يسعفهم في السمو بانفسهم فوق العامة الشرقية من اليهود والعرب على السواء, سيرا على نهج البارون منشهاوزن, وهذا امر لا يمكن تجاهله. ولكن العرب هم ايضا يشيرون اليهم بالبنان بانهم اوروبيون اجانب صليبيون كما يشيرون الينا جميعا منذ مئة عام. ربما لذلك السبب، وليس بسبب لصوصية الصهاينة فحسب، اصبح ذلك القرن زمنا من الزجاجات. عزيزي أنطون، خلاصة الكلام غير مشجعة. أنت صامت، ولا يوجد سبب الآن لتكف عن الصمت، ومن الممكن التكهن بأنك لن تعود إلى الكتابة بالعبرية. وإن كانت هناك رحمة في العالم، فلتكمل، على الأقل، المهمة المقدسة المتمثلة في ترجمة عمل إميل حبيبي إلى العبرية، اما إذا كنت ترغب في معاقبة الإسرائيلية، فلربما لن يتحقق ذلك أيضا. من يعرفك يقول بأنك لطيف جدا، لطيف دائما، ولكنك لا ترغب بإقامة علاقة مع الإسرائيليين. أوليس صمتك العبري هو عقابا على جريمة لم يقترفها أحد؟ والتجاهل ذاته، في دنيا العلاقات بين اليهود والعرب، هو أكبر إهانة ممكنة. يتبلّد الاحساس بالحنين مع مرور الوقت، وقد غيرت السنوات الأخيرة مسار الأمور، وقد جعلت الحرب المريرة التي دارت هنا الكثير من الأمور تتصلب. وقد استيقظ الذين كانوا يحسبون انهم يقومون بإدارة مشروع يساري منذ عام 67، ليكتشفوا أنهم نجحوا، مع بعض المساعدة بطبيعة الحال، في جلب حرب أخرى. إلا أن قرن الزجاجات قد ولّى، وبدأت الآن سنوات أخرى، يحن فيها المرء إلى براءة الزجاجة, إذ اصبح البعض يتحول الآن من فرط الكراهية، إلى عبوات ناسفة في المقاهي والنوادي الليلية والمطاعم والحافلات، وإني مدرك أنه من المتوقع مني أن أسخر من الفرق بينها وبين قذائف المروحيات والصواريخ وأعمال الجرافات، غير أنني اكاد اكون عاجزا عن التخلص من الإحساس بأن هناك فرقا رغم كل شيء. لقد كان من ضمن ما فهمته أنت جوهر الدمية الأخيرة من بابوشكا المهجر من امثالي، فإحدى كتاباتك الأخيرة تنتهي بإحساس يجعلني أواصل الكتابة، واعتقد بانه حري بأن يدفعك أنت أيضا لمواصلة الكتابة. بعد قتل العمال العرب على يد (الشاب اليهودي المتطرف – المترجم) عامي بوبر عام 1990، كتبت أن إسرائيل قد أخفقت لمجرد قيامها بوضع اختبار "شيبولت" (اختبار كان يجرى لأبناء أسباط إسرائيل للتأكد من انتمائهم لسبط بنيامين من خلال سلامة لفظهم لحرف الشين – المترجم)، قلت في الواقع أننا جميعا بابوشكات لا تحرك ساكنا حين يقوم القاتل بقتل ضحيته: "ليس من المستحيل أن يقضي محكوميته - إن قضاها فعلا - بأعمال خدمة المجتمع، كما يليق بمواطن يهودي في الديمقراطية العرقية اليهودية، التي تصنف مواطنيها وفق أصلهم العرقي وتحدد لكل مجموعة قيمتها في حياتها كما في مماتها. هناك من يقول ‘poper‘ فيسمحون له بعبور النهر وهناك من يقول ‘bober‘ وعندها ‘كانوا يأخذونه ويذبحونه على مخاوض الاردن‘. وخلافا للرأي السائد، فإن القليل من المياه جرت في هذا النهر منذ اختبار يفتاح هغلعادي (احد القادة اليهود, وقد ورد ذكره في سفر القضاة في التوراة – المترجم), اما الدم فقد سال بكثرة. "عامي بوبر هو النتاج القومي الذي بدأت الدولة اليهودية بتحسينه وتطويره بعد عام 67. اذا كنتم تعتقدون بأنه وحش لطيف، قد يكون مرتديا لقرط، يجلس في صالون الجيران ويحظى ببعض المداعبة بين الحين والآخر, فأنتم مخطئون. إنه لم يعد يجلس في صالون الجيران منذ زمن بعيد، بل إنه قابع في داخل روح اليهودي-الإسرائيلي العادي، في داخل أرواحكم. "وأنتم شركاء في القتل، مثل الآخرين" (25.5.1990). عزيزي أنطون، أوافقك الرأي من أعماق البابوشكا خاصتي، ولكني أعتقد أنه إذا كان الأمر كذلك فإن بابوشكاك أيضا لا تحرك ساكنا, لأنه حتى لو كان يسكن في أعماق بابوشكاي يهودي صغير ومطرود، فهذا ليس ذنبي، وأنا لا أعرف دائما ما إذا كان كل ما تبقى هو من ذنبي, فأنا شخصيا لم اتعرض بسوء لأي شخص. وحيال صمتك الذي هو رؤيا البابوشكا التي تلد إلى داخلها، ولأن الأمر متعلق بعدم الاكتراث للدم الذي أخذ يسفك في كل العالم في السنوات الاخيرة، أنا مضطر إلى طرح رؤيا آخِر ايام البابوشكا: بابوشكا دون لون محدد، تلد إلى الخارج، وفي أعماقها يهود وعرب ورماحهم المفتتة، وقلوبهم وأجسادهم في الشرق.
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |