العدد 28  | أيار - حزيران 2005

الفن والمستحيل
عامي شطاينيتس

 كان محمد لحام، من سكان مخيم الدهيشة للاجئين، شخصية رئيسة في عمل الفيديو "يعيش على أنقاضه" للفنانة تيرتسا إيفن، والذي تم عرضه في معرض عامي شتاينيتس للفنّ المعاصر في شهر كانون الثاني 1999.

 

تمثل المستوطنات والاحتلال وحق العودة  في هذه الأيام تطلعات تشكك في القدرة الأساسية لكل من الطرفين على حفظ  هويته السيادية الضرورية. ونحن ندفع ثمنا داميا يعود الى محاسبة النفس القومية التي يجريها كل من الشعبين حاليا. عامي شتاينيتس، من مؤسسي "معرض أم الفحم"، يكتب إلى محمد لحّام من سكان مخيم الدهيشة للاجئين.

إن الانفصال عن غزة والإخلاء أحادي الجانب لكل المستوطنات دون إبرام اتفاقية، وفي خضم مواجهة تدور رحاها بين طرفين متنازعين، يعتبر حدثا له مغزاه الخاص يقدم من خلاله رئيس حكومة إسرائيل على تنفيذ سياسة تفكيك المستوطنات والعودة إلى خطوط وقف إطلاق النار لعام 1949، ما يعني ان عملية تقسيم البلاد بين الشعبين الفلسطيني واليهودي تحدث الآن.

لم نلتق منذ نشوب انتفاضة الأقصى حيث انقطعت في شهر أيلول 2000 سلسلة اللقاءات التي أجريناها، ثم توقفت المكالمات الهاتفية أيضا. وكنا قد تحدثنا، في السنوات التي كنا نلتقي فيها، عن انسلاخك وأبناء عائلتك وسكان مخيم الدهيشة للاجئين عن القرى الواقعة على مشارف القدس في حرب عام 1948. واستمعت إلى وصفك للتهجير والاحتلال باللغة العبرية التي اصبحتَ تتقنها بعد ان تعلمتها في مكتبات السجون الإسرائيلية، حيث استثنيت منها أي تعبير يوحي بالضعف. وقد أصغيتُ إلى ثقتك بالعودة إلى قراكم، وتحدثت قليلا عن الكارثة التي حدت بعائلتي للقدوم من أوروبا إلى هنا.

من المرجّح ألا تكفي اتفاقية ثنائية لتقسيم البلاد، حتى لو تم التوصل اليها، لتحقيق التطلعات الوطنية والشخصية لأبناء شعبينا. غير أنه ليس واردا في المرحلة الحالية القيام بأي تحرك كفيل بتخطي المرحلة السيادية دون أن يمزّق الإحساس بالهوية لدى الطرفين، وهو إحساس له مغزاه الوجودي، حيث ندفع ثمنا داميا يعود الى محاسبة النفس الداخلية القومية التي يجريها كل من الشعبين والى تداعياته على الصراع الدائر بين الطرفين. هكذا تتأرجح العملية السياسية بين أحادية الجانب وثنائيته لتواجه معارضة داخلية قوية. وتمثل المستوطنات والاحتلال وحق العودة  في هذه الأيام تطلعات تلقي ظلالا من الشك على القدرة الأساسية لكل من الطرفين على حفظ  هويته السيادية الضرورية. إن هذا الواقع المستحيل يحوّل عملية تقسيم البلاد الى تجربة متبادلة من استخدام القوة وسط الإقرار بحدودها.

وجهات تطور لا يمكن التكهن بها

لقد اتضح من خلال أحاديثنا مدى صحة القول بأن عملية أوسلو التي كانت في خضمها آنذاك مؤشرة في الظاهر على إنهاء الاحتلال، لا تفكك عُقد النزاع  بقدر ما تؤجج لهيب الانفجار التالي. لقد كان من الواضح أن مسألة العودة، وهي سبب آلامك، بعيدة عن وسط مائدة المفاوضات. ومع أن عملية تقسيم الأرض التي ترتكز عليها فكرة الدولتين مستمرة، إلا أن هذا التطور يبقي على الفجوات التي لا يمكن تجسيرها والتي تشحن النزاع بالمعارك والأسيجة والجدران والانفصالات.

ستستمر عملية التقسيم الآن في مناطق الضفة الغربية متجسدة بالنضال ضد الجدار والسور والمستوطنات. إلا أن وجهات التطور لا يمكن التكهن بها. لقد طرحت أفكار، خلال المفاوضات، لتبادل الأراضي، حيث ترجمتها جهات يمينية إسرائيلية إلى حملة ترويجية للتبادل السكاني، أي نقل البلدات مثل أم الفحم الى مناطق الدولة الفلسطينية. تؤكد هذه الأفكار على أن العملية تتلوى في تجاويف عميقة ومسدودة لنزاع سيطول أمده.

وددت لو أروي لك قليلا عن عملي في أم الفحم بالتعاون مع بعض المهندسين المعماريين والمصممين والفنانين من العرب واليهود الذين يعملون مع السكان في عشرة مقاطع من شوارع مركز المدينة، حيث نقوم بعملية تصميم للبيئة لإنشاء مسار للتجوال في المدينة يشتمل على محطات ومراكز للزيارة، من شأنها أن تعمّق تعرّف الزوار إلى شوارع المدينة ومناظرها وسكانها وثقافتها. تمت إقامة معرض أم الفحم للفنون بهدف النهوض بنشاطات تربوية ذات صبغة اجتماعية: الخروج للعمل الابداعي في أحياء المدينة وعدم الاكتفاء بإقمة العروض في المعرض. إضافة إلى ذلك، يتم في الآونة الأخيرة توسيع خطوات تطوير المعرض وتحويله إلى أول متحف عربي فلسطيني في إسرائيل، وهو مفهوم سيؤدي إلى سلسلة من الحوارات العامة حول ما يتعلق بتحديد هوية المكان.

أم الفحم تعيش في ظل أرجوحة التقسيم التي تحوم فوق البلاد. وبسبب المواجهات التي حدثت على مشارف المدينة في أيلول 2000، ومنذ سلسلة العمليات الانتحارية في الحافلات السائرة على طريق وادي عارة، امتنع الكثير من اليهود عن القدوم إلى المدينة. إلا ان الانفصال الذي نشأ في ظل تلك الأحداث بدأ يتلاشى شيئا فشيئا بفضل سلسلة من النشاطات الهادفة للتعرف على ثقافة المكان. ورغم ذلك، تلوّح القوى السياسية بأم الفحم تلويح مصارع الثيران بالخرقة الحمراء وهو عمل يهدف إلى تعبئة صناديق الاقتراع ببطاقات المصوتين لصالح تلك القوى.

مجالات لا يمكن تقسيمها

رغم ذلك، وإلى جانب الصراعات وعمليات الطرد والإخلاء والانفصال، ترسّخ اقدامها في هذه البقعة من الشرق الأوسط حقيقة وجود مجتمع عربي فلسطيني ومجتمع يهودي، وهو  واقع قاس ينسج أنماط حياة معقدة مصدرها الانتماء الروحاني والتاريخي والاقتصادي والثقافي  لبقعة الأرض ذاتها. هناك من يحاول تخطي آلام التقسيم إلى دولتين فيقترح خطوات نيّرة، موجهة إلى ما وراء غياهب السيادة تتمثل في دولة واحدة ديموقراطية تحقق حق العودة. ولكن رغم المنطق الكوني الكامن في هذه النظرة، إلا انها وبرغم كل محاسنها، لا يمكن ان تفي بالحاجة الإنسانية إلى السيادة وإلى خارطة الوجود التاريخية، التي تقسم نسيج الشعوب العالمي إلى دول.

   
إلى جانب الصراعات وعمليات الطرد والإخلاء والانفصال، ترسخ اقدامها في هذه البقعة من الشرق الأوسط حقيقة وجود مجتمع عربي فلسطيني ومجتمع يهودي، وهو  واقع قاس ينسج أنماط حياة معقدة مصدرها الانتماء الروحاني والتاريخي والاقتصادي والثقافي  لبقعة الأرض ذاتها
 

إن التطورات السياسية تبلور صورة النزاع، ولكن تشوبها مجالات لا يمكن تقسيمها. فالشؤون الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية منغمسة في ظروف النزاع والتقسيم، ولكنها متعلقة بها بأشكال مختلفة تتغير بتغير الظروف. وتؤثر المسائل الوجودية غير القابلة للتقسيم على طبيعة العملية، بحيث تغير هذه الركائز النشطة بنية إسرائيل الاجتماعية والثقافية. ثمة مجموعات بين أوساط السكان اليهود الشرقيين، ممن يعود أصل عائلاتهم إلى البلاد العربية والإسلامية، تدير صراعا ضد منظومة متكاملة من الفجوات ولّدتها مفاهيم النخبة المهيمنة الغربية الأصل. ويتجسد جزء من هذا الصراع في خلق لغة ثقافية جديدة، تحتضن تراث المجتمعات العربية الأصلية.

مليون ونصف المليون نسمة تقريبا، اي ربع عدد السكان في دولة إسرائيل، هم من الفلسطينيين الذين يناضلون من أجل المساواة في الحقوق المحجوبة عنهم. وإن روابط الهوية والثقافة والعلاقات العائلية التي تربطهم بالشعب الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية والشتات، قائمة في إطار من المواطنة الإسرائيلية. ومن جهة ثانية يشكل سكان إسرائيل الشرقيون والعرب أغلبية سكان البلاد. وإذا كان من المحتمل ألا يتوصل الشعبان يوما إلى اتفاق ومصالحة فيما بينهما على الصعيد السياسي، غير انه على الصعيد الثقافي يتطور في بلدان الشرق الأوسط نوع من ثقافة عربية يهودية ذات تراث تاريخي عريق.

تكمن في عملية التقسيم إلى دولتين عناصر لا علاج لها، فيما تعتمل في الوسط أحداث تتعدى التعريفات الصارمة لمفهوم السيادة. لقد وجدت الجاليات اليهودية في الشتات طريقة للحفاظ على هويتها كأقليات، وعرفت في الوقت نفسه كيف تتبنى عادات المكان ولغته. ولكن استقرار اليهود في إسرائيل لا يغير حقيقة كونهم أقلية، بل إن النمو الكبير للوجود اليهودي في إسرائيل لا يغير حقيقة كونه أقلية في الشرق الأوسط. فالسيادة وإن كانت العنصر الجوهري الرئيسي الذي يميز التجمع اليهودي الجديد المتشكل في إسرائيل عن التجمعات اليهودية في الشتات،  مما يضفي عليها بعدا من التميّز والقوة، إلا أنها لا تغيّر حقيقة كوننا أقلية. ترتكز معايشة اليهود لكونهم أقلية على تجربة طويلة من الاندماج في مجتمعات الأكثرية، ويمثل التطلع إلى السيادة الرد الضروري على المخاطر المحدقة باليهود في ظروف حياتهم كأقلية. وفي المقابل فإن الوجود كأقلية في الشتات يتضمّن ردا منطقيا على الأحلام القومية والتطلع إلى السيادة. تشكل إذن تركيبة المجتمعات المدنية في إسرائيل والانتماء التاريخي للحيّز الجغرافي والتجربة كأقلية في الشتات قاعدة ثقافية لنشوء تواصلات متزامنة مع عمليات الانفصال.

من الممكن أن تظهر، خلال الانسياب السياسي والانسياب الاجتماعي والثقافي، لحظة من الافتقار لإنجاز سياسي يحمل في طياته كيانا ثقافيا لفلسطين/ إسرائيل الكبرى باعتبارها دولتين منفردتين تتشاطران مستقبلا مشتركا، وهي لحظة لربما تضفي حيوية ثقافية تصلح بديلا حتى لآمال العودة.

عامي شتاينيتس هو أمين متاحف وناشط اجتماعي، من مؤسسي "معرض أم الفحم".

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004