العدد 28  | أيار - حزيران 2005

كفى كراهية
نظير مجلي

 

المجتمع الإسرائيلي لا يفكر فيكن أبدا, بل يمكن القول أنه في الحقيقة يخاف من قضية اللاجئين ويتملص من مواجهة الحقائق التاريخية المتعلقة بكن. لذلك فأنتن تتحملن مهمة ومسؤولية تاريخية بمعنى الكلمة، لتبديد هذا الخوف، لكي يضطر الإسرائيليون إلى البدء بمواجهة تاريخ العرب الفلسطينيين والبحث عن حل إبداعي لقضيتهم

إلى أخواتي المحبوبات الثلاث

فضة، عواطف وختام

مخيم الحصن للاجئين

اسمحن لي أن أتوجه إليكن بهذا الأسلوب غير المباشر وباللغة العبرية. إني أفعل ذلك، لأن بنيتي هذه المرة أن أشرك أصدقائي اليهود بما يراودني من افكار حيالكم.

إني موقن بأنكن لم تستوعبن حتى الآن حقيقة أن لأخيكن حامل الجنسية الإسرائيلية أصدقاء يهودا. ما زال يرّن في أذني السؤال الذي طرحتن عليّ، أنتن وأولادكن: "كيف تثق بهم؟". أرجوكن وأعود وأطلب منكن أن تبدأن بالاعتياد على ذلك. ستفهمن ذات يوم, وهو أقرب مما يعتقد البعض. وإن هذه الصداقة صداقة رائعة، وستستفدن أنتن منها أيضا عما قريب.

إنها صداقة بين بشر تتخطى الحواجز والحدود والمقيدات القومية والعرقية. إنها صداقة مبنية على مبادئ هي من صميم التراث العربي الذي يجري في عروقنا، ورغم ذلك تبرأنا منها؛ المبادئ التي تتمخض عن عهود وتحالفات تختلف عن تلك التي عرفناها حتى الآن. ليست عهود العرب ضد اليهود، بل إنها عهود بين اليهود والعرب الذين يرون في الإنسان قيمة سامية، خلافا للحلف الذي لا قدسية فيه والمعقود بين يهود وعرب تجمعهم قيم تقدّس الأرض والحجر والمصلحة الشخصية.

من المؤكد أنكن ستسألن كيف أتحدث عن العهد والصداقة بين العرب واليهود في فترة يتم فيها بناء جدار بيننا وبينهم بارتفاع طابقين أو ثلاثة طوابق, وكيف أتحدث عن قيمة الإنسان في فترة اختاروا فيها تنفيذ انفصال تام بطريقة قاسية وبالعرق والدم وإخلاء آلاف العائلات من المنازل التي عاشت فيها عشرات السنين؟ تفكرن في أمر واحد، وهو العودة إلى البيت في بيسان التي تحولت اليوم إلى بيت شان والتي هُجّرتن منها. فهذا الحلم قد أصبح لديكن مقياسا لكل شيء.

إجابتي ستفاجئكم كالعادة. ولكن ما العمل، فمن أجلكن ومن أجلكن فقط، ولأني أحبكن حبا كبيرا، سأتحمل كل شيء.

مبدأ تحطيم الخوف

لا أرفض الجدار، لأني أدرك بأن اليهود يحتاجون إليه للإحساس بالأمان. يمكنني أن أناقشهم حول مساره، لكي لا ينتزع المزيد من الأراضي العربية. كذلك سأتقبل الانفصال الأحادي الجانب ظاهرا, ليس لاعتقادي بأنه جيد وليس لأني أرى فيه حلا لأمر ما, أنما لإنني أدرك أن من بادر إليه وهو رئيس حكومة إسرائيل المحترم، من شأنه أن ينعطف انعطافا حادا إلى اليمين بعد إنجازه، بهدف النيل من الضفة الغربية التي بدلوا اسمها في إسرائيل وحولوها إلى (يهودا والسامرة). ولكن إذا كان اليهود ينظرون إلى الانفصال كمخرج من مشاكلهم الأمنية، فأنا أوافق عليه. سأبحث عن محاسنه لأرى غزة تتحرر من وطأة الاحتلال لتنشئ أول سيادة فلسطينية. هل تعلمن أنكن قد تستطعن ولأول مرة في حياتكن السفر إلى هناك والسكن في البيوت على شاطئ البحر، عوضا عن البيوت البائسة التي تسكنّ فيها اليوم؟

أقول أكثر من ذلك، إنني مستعد لأن أتفهم المستوطنين الذين يصرخون ضد إخلائهم من بيوتهم. أنتن تفهمن غضبهم أيضا، فنحن كنا قد هُجّرنا من بيوتنا قبلهم.

توخيا للدقة، فأنتن اللواتي هُجرتن مع العائلة برمتها من بيتها في بيسان، أكثر تفهما من أي شخص آخر لآلام ومعاناة المستوطنين, وإذا عبرتن عن هذا التفهّم بشكل علني وبصراحة، فستساعدنهم كثيرا على أن يفكروا هم أيضا في آلامكنّ بعد أن عجزوا عن التفكير ولو للحظة في آلامكن التي لم تبرحكن طيلة سبع وخمسين سنة.

إن المجتمع الإسرائيلي لا يفكر فيكن أبدا, بل يمكن القول أنه في الحقيقة يخاف من قضية اللاجئين ويتملص من مواجهة الحقائق التاريخية المتعلقة بكن. لذلك، فأنتن تتحملن مهمة ومسؤولية تاريخية حقيقية بمعنى الكلمة لتبديد هذا الخوف، لكي يضطر الإسرائيليون إلى البدء بمواجهة تاريخ العرب الفلسطينيين، والبحث عن حل إبداعي لقضيتهم.

   
إلى جانب الصراعات وعمليات الطرد والإخلاء والانفصال، ترسخ اقدامها في هذه البقعة من الشرق الأوسط حقيقة وجود مجتمع عربي فلسطيني ومجتمع يهودي، وهو  واقع قاس ينسج أنماط حياة معقدة مصدرها الانتماء الروحاني والتاريخي والاقتصادي والثقافي  لبقعة الأرض ذاتها
 

التحرر من قيود الآراء المسبقة

أخواتي الغاليات، إن مبدأ تبديد خوف اليهود كان صحيحا على الدوام. لقد اجتاز اليهود ألفي سنة من الشتات والملاحقة، حيث تدهور ذلك في اوروبا، وفي فترة الحرب العالمية الثانية إلى المحرقة الفظيعة - الهولوكوست. لقد فقدوا الثقة بالشعوب الأخرى، والعديد منهم اليوم يعتبروننا نحن العرب عامة والفلسطينيين خاصة، العدو المناوب الذي يتهددهم. إنه لا شرف ولا مصلحة لنا ولا يليق بنا كشعب يعاني بنفسه من الملاحقة والاحتلال والعدوانية والعنصرية، أن نتولى هذه الوظيفة العدوانية.. والأهم من ذلك كله، هو أن اليهود إذا توقفوا عن الخوف منا، سنبدأ باكتشاف ما في جوهرهم من خصال حميدة وجميلة، وهم ايضا سيكتشفون ما في جوهرنا من خصال حميدة وجميلة . وربما تبدأ المنافسة بيننا، حول من هو الأفضل في نظرته تجاه الآخر.

هل هو حلم من أحلام اليقظة؟ سذاجة؟ هروب من واقعنا المرير؟

قد يكون كذلك، ولكن الأحلام والتحرر من قيود الآراء المسبقة السائدة في عصرنا أفضل من الظرف الفظيع الذي نقبع فيه، حيث يُنظر إلى الواقع بمنظار العداوة والانتقام. كفانا كراهية، كفى فقد طفح الكيل، وليس لدينا متسع من الوقت. نحن في حاجة إلى كل يوم نفكر فيه بتغيير الاتجاه، وإلى كل ساعة وحتى إلى كل دقيقة. نحن نريد لأولادنا أن يفكروا بالدراسة والتقدم، وليس بالعمليات الانتحارية. نريد أن يعيش أولادنا طفولتهم، لا أن  يترعرعوا بدون طفولة. نريد لأولادنا أن يحتضنوا الحاسوب والدراجة الهوائية، وليس الحجارة. نريد لمجتمعنا أن يقدس الحياة وليس الموت. نريد أن نقدّس الإنسان أكثر مما نقدس الأرض.

    أخواتي الغاليات والمحبوبات,

    كمن يعرفكن جيدا، ويعرف الكثير عن أحلامكن المتعلقة بمستقبل أولادكن وبناتكن، وكأب تهمه مصلحة أولاده، إنني على ثقة من أننا نتقاسم كل هذه الآمال. ليس لنا أن نتخوف من التعبير عنها، فهي أحلام وآمال الأغلبية الساحقة في المجتمع العربي الفلسطيني، ولكن الصوت المسموع عادة هو صوت المتطرفين ممن تعودوا على الصراخ في مناسبة وغير مناسبة. هذا الصوت يُخرس أحيانا صوت الضمير، ويخرس أحيانا صوت الحكمة. إن له طغمه العسكرية ومافياته، غير أن السيل قد بلغ الزبى، ورغم أننا تأخرنا وأخفقنا طيلة الوقت، إلا أنه قد آن الأوان للعمل والصياح بأعلى الصوت: الصمت قد انتهى والأغلبية هي التي لها أن تسيطر على الشارع.

نظير مجلي, الناصرة

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004