العدد 28  | أيار - حزيران 2005

التحديق في العيون
فيرد زايكوفسكي

 

 

نتحدث دون أن يحدق أحدنا في عيني الآخر. لقد عشنا حتى الآن حياة كاملة دون أن نتبادل كلمة، والآن فقط، وحين لم يعد لدينا ملاذ، نضطر إلى كسر الصمت. يُروى أننا عهدنا أياما أفضل من الاحترام المتبادل والتعاون والأخوّة. لكن ذكراها تحولت إلى كنز نادر خفي عن العين, لأن طبقات من التراب والخلافات والإجرام رسمت ملامح الأرض من جديد فيما صممت خيبات الأمل بيئتنا العاطفية وخطّطت الأنصاب التذكارية محيطنا الجغرافي.

أغلقنا-أغلقتم القلوب، لكبت الألم المضني، غير المحتمل، لكي لا نشعر بألمكم-ألمنا، خوفا من أن تتألم نفوسنا-نفوسكم من الإحساس العميق بالذنب. إلا أن من طبيعة الآلام ألا تذوب الى حد الاختفاء، بل هي تلتصق فتفور، إلا إذا عولجت وتم توجيهها بوعي، تماما كالكينونة الطاقية التي لا تتلاشى بل تبقى أو تتحول من حالة مادة إلى أخرى. لقد تحول الألم المكبوت إلى سمّ سرى في أفكارنا-أفكاركم فاصبح غضبا وكراهية ونقمة وعنف,  ثم طمس البصيرة وشوّه الإدراك الحسي الذي بمقدوره أن يميّز بين الحقيقة والوهم، وخلق جدارا هائلا من الخوف. إنه آلية ذاتية تعمل على مجرد إبقاء ذاتها إذ يهدف الخوف إلى الحماية من الأذى المتكرر ومن تعاظم الألم، ولكنه في الوقت ذاته يعمل كجدار عازل للألم القائم ويتغذى عليه. لقد ثبّتكم-ثبّتنا الخوف في مكان لا يمكن الدنوّ منه.

يؤدي تخدر الحواس إلى تشوهات في الإدراك العقلاني. إن إلحاق الأذى بالآخر، لصالحي، أو حتى توخيا للعدل، لا يعتبر في أي حال من الاحوال عملا أخلاقيا بل هو عمل ينمّ عن قلب متحجر؛ كذلك الأمر بالنسبة للنظرة إلى القيم الأخلاقية على أنها مفاهيم نسبية. ولا يمكن لاحترام الذات أن يدوم دون احترام الغير؛ هل من المنطقي فصل خلاص شعب ما عن خلاص شعب آخر مجاور له؟ أوليس مصير أحدهما متعلقا بمصير الآخر ومعاناة أحدهما منسوجة داخل معاناة الآخر؟ من هنا يمكن الاستنتاج أن تحقيق أحدهما لذاته متعلق بتحقيق  الآخر لذاته. إضافة إلى ذلك، فإن إلقاء التهمة على الآخر هو هروب من مسؤولية الوضع القائم، وليس معناه محاولة حقيقية لتغييره. والمسؤولية عن سلسلة الأحداث المأساوية موزعة بيننا لا محالة.

كل شيء قضاء وقدر، ومع ذلك  فللانسان حق الاختيار؛ ولكن ما أعظم القوة الضرورية لشق مسارات في أسوار الألم، وما اعظم الشجاعة وطول النفس اللذين نحن بحاجة إليهما – وأنتم – لكي نغوص في اعماق الحقيقة تحت قشور الوعظ والغضب لنلمس تلك الحقيقة التي تسمو بالحياة لتصبح قيمة عليا يُعتبر أي مس بها بمثابة جُرم، حقيقة تذكّرنا بأن طالما كانت ثمة حياة، طالما توفرت إمكانية الاختيار وفرصة التصحيح.

 “D-Vision، فيرد زايكوفسكي؛ من المعرض الجماعي Paura” (خوف),

Artandgallery، ميلانو، 2005

 

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004