|
العدد
28
| أيار - حزيران 2005
هيا لا نتستّر على الفظائع، هيا لا
ننسى الآمال |
|
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
نحن من ذرية رجل واحد. وقد فتح خيمته للسابلة وتضرّع من اجل كلّ إنسان، وعلمنا البسالة والتفاني وحفر على جدران قلوبنا حب الله والإنسان. أسنات برفرمن شيلوه، من سكان كدوميم، تكتب رسالة إلى جار بعيد. ليلة مشرقة. قمر منتصف شهر تموز وعطور نبتة سلطان الجبل. لا أستطيع النوم، وقلبي المرهق مستيقظ يخفق. ساعة الأحلام، ساعة المخاوف، ساعة الكوابيس. صار الامس بعيدا، والغد ما زال ملتفعا داخل الرحم ؛ ربما في هذه الساعة المواتية أستطيع أن أتكلم أخيرا. كلماتي تتجمد وأفكاري تتنازع ويصعب علي النطق كثيرا. لا يعني هذا انه ليس لدي ما أقول، فالأفكار والمخاوف والآمال والغضب وخيبات الأمل وحتى السطور المشحونة من نظرية منهجية تغمرني. لكن فوق الرغبة الإنسانية الجامحة في الحوار والاستقامة العذبة ل"تعال نتكلم"، تقف السنون كالشيخ الحكيم لتتساءل: ومن يسمع؟ وما الجدوى؟ وكيف سيستعملون كلامك؟ وفي بعض الأحيان الصمت ابلغ من الكلام. أكوام من الشكوك تغمرني، هل يقرا كلامي جاري في قرية فندق الذي احتار هل أتوقف عنده للتسوق، وما الأنسب لحسن الجوار من أن نشتري الواحد من الآخر ونبيع الواحد للآخر؟ لكن الخطر والذكرى, ذكرى قيامهم بالبيع والرشق بالحجارة والبيع وإطلاق النار في آن معا في بعض القرى الأخرى، هي أيضا تدور في بالي لا تبرحه أبدا) . هل ستصل الرسالة إلى جارنا من عزون الذي شربنا القهوة معه وتكلمنا عن الأولاد والرزق، عن عدد الغرف التي يحتاجها الإنسان، وعن الظهر الذي يعتريه الألم؟ والذين يستبيحون دمي، والذين يريقونه بالفعل. هل تصل إليهم وهل تناغيهم كلماتي؟ البدء من النهاية نمر بأيام عصيبة للغاية، فمن يعرف أين سنكون حين ينشر هذا الكلام؟ كلّ قواي النفسية، كلّ قدراتي، كلّ طاقاتي موجهة لآن للداخل. بتُّ غريبة على إخوتي وهم خانوني. هل يكون الوقت مواتيا للانفتاح على الخارج؟ "ارم خبزك على وجه المياه فانك تجده بعد ايام كثيرة" (قول مأثور من سفر الامثال)، أقولها وأتخيل نفسي كمن يضع مخطوطة نفيسة داخل قنينة ويقذف بها إلى المياه الهادرة. قد تحملها الأمواج، وقد يقرؤها شخص ما، وقد يسمعها. يذري الإنسان كلماته في الريح ويأمل ... وبسبب الصعوبة الشديدة في البدء أبدا من النهاية. والنهاية واضحة وبسيطة ومعروفة ومعلومة. "ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتا في راس الجبال و يرتفع فوق التلال وتجري إليه كل الأمم و تسير شعوب كثيرة ويقولون هلمَّ نصعد إلى جبل الربّ إلى بيت اله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل لا ترفع امة على امة سيفاً ولا يتعلمون الحرب في ما بعد" (سفر أشعياء 2 2-4). إننا ننتظر الخلاص، ويجوز لنا الحلم، ويجوز لنا التحدث عن الحلم وانتظاره. إنه واجب. وربما كان جلبه أيضا ، لا سيما لأنه مثل جميع الأمور العظيمة حقا في منتهى البساطة. مشرق للغاية، بسيط للغاية. ممكن للغاية. وعن هذا سنُسأل عندما يأتي أجلنا: هل ترقبت الخلاص؟ هل توقعته آتيا في المقبل من أيامك؟ على ماذا تشاجر قايين وهابيل نحن من ذرية رجل واحد. وقد فتح خيمته للسابلة وتضرَّع من اجل كلّ إنسان، وعلمنا البسالة والتفاني وحفر على جدران قلوبنا حب الله والإنسان. لنا أبٌ واحد ونحن إلى مكان واحد سائرون. كم من السنين يعيش الإنسان؟ سبعون سنة؟ إن عمّر، فثمانون سنة؟ أليس من الخسارة والغباء وألسنا في غنى عن إفناء هذه الأيام القصيرة بالحروب والشجار والحزن والزعل . لو أننا تعاونا مع بعضنا، إلى أي مدى كنا سنصل، لا سيما وأن يد الله مع الجماعة؟ أليست كلّ هذه الطاقات تذهب هباء؟! وليس فقط الخبز والماء. إن الله، إذا جاز ذكره، خالقنا، صديقنا الحميم والروح التي تسري فينا، نعيش منه ونحن اليه ماضون - ألم يكن من الواجب أن تتشابك ايدينا من حوله؟ كان يمكننا أن نعثر على بعضنا عبر الشوق إليه وعبر أحاديث المحبة والرهبة والتمسك بالرب. أما نحن فيبدو اننا من حوله بالذات نتحطم على صخرة الكراهية. ولماذا، لماذا لا يتمازج صوت المؤذن مع صلوات الكنس لتكّون جوقة متعددة الأصوات تسبّح الرب وتتضرع اليه؟ على ماذا تشاجر قايين وهابيل؟ لماذا حاول الأخ قتل أخيه؟ لماذا يتشاجر الناس مع بعضهم؟ كسور كلمات وجمل من نص "المدراش" العتيق المفسر للتوراة تخطر ببالي: أملاك، امرأة (إضافية!)، هيكل. أحاول ترجمة الرموز: سلطة؟ إيروس؟ خيال؟ أم ان الصراع يدور حول اللانهائي، ليس اقل. على أي حال، ليس على الخبز والماء. ليس على الموارد الشحيحة، ولا على الترف، كما أتصور. ليست هناك نقطة البداية. ألم يكن في العالم ما يكفي ليتقاسمه الاثنان؟ الم يكن كلّ منهما ليغني الآخر ويثريه؟ أليست المنفعة التي كان يمكنهما تحقيقها اكبر بكثير مما كان يسلبه كلّ منهما من الآخر! أعود إلى الحكمة العريقة: جاء في سفر التكوين 4: 8 "وكلّم قايين هابيل أخاه اذ كانا في الحقل". فيما كانا يتجادلان؟ لقد قالا: لنتقاسم العالم، فأخذ احدهما الأراضي والاخر اخذ السلع، ثم قال احدهما: الأرض التي تقف عليها لي، فقال الاخر: ما تلبسه لي فاخلعه. فرد الاول: اختفِ عن ارضي, فكانت النتيجة: "إذ كانا في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله".
"قال الرابي يهوشع السخنيني عن الرابي ليفي: كلاهما أخذا الأراضي، وكلاهما
أخذا السلع، فعلى ماذا اختلفا؟ إنما هذا يقول: أن هيكل سليمان سيشيّد على
أرضي، وذاك يقول: بل إن هيكل سليمان سيشيّد على أرضي. ومن هذا المنطلق كما
ورد في التوراة في سفر التكوين الاصحاح 4 "قايين قام على هابيل أخيه
وقتله".
" قال الرابي ايبو: ألم تكن حواء الأولى عادت إلى مدفنها فعلى ماذا كانا يتجادلان؟ قال الرابي هونا: لقد وُلدت مع هابيل توأم إضافية، فقال احدهما: أنا آخذها لأنني البكر، فرد الاخر: أنا آخذها لأنها ولدت معي، ومن هذا المنطلق، "قايين قام على هابيل أخيه وقتله" (كتاب تكوين رابا فيلنا). "لنتقاسم العالم"، اقرأ هذا الكلام واستغرب. لماذا نتقاسمه؟ لماذا يجب أن نقول لمن يعود كل شيء؟ من أين الحاجة لوضع حدود والحفاظ على ما هو لي والتحديد والسيادة؟ هل ان حقيقة طردنا ذات مرة، وتشردنا في المهجر وفقداننا لجنتنا هي التي دبّت المخاوف والظنون في قلوبنا؟ والتقسيم بحد ذاته: "اخذ أحدهما الأراضي والاخر اخذ السلع". هل يأتي التقسيم صدفة، أم أمامنا شخصيتان مختلفتان إحداهما بحاجة لما هو ثابت والاخرى بحاجة لما هو متغير؟ هل يجب أن يكون ثمة تناقض أبديّ بين الفلاح والراعي؟ ولماذا لا نتبادل العطاء فيما بيننا لنكون كلانا رابحين؟ واللهفة. تلك التي أفضت إلى فقدان السيطرة والانتقال من الأقوال إلى الأفعال. "قال احدهما: اخلع الملابس، فرد عليه الاخر: اختفِ عن ارضي، ومن هذا المنطلق: قايين قام على هابيل أخيه وقتله". "من هذا المنطلق". أي منطلق؟ متى صار الجدال شجارا؟ ما الذي تسبب بـ"اخلع الملابس" وبـ"اختفِ"؟ أليست مفارقة؟! أنا بحاجة لما لديه وهو بحاجة لما لدي! أنت بدوني عارٍ وأنا بدونك لا أجد موطئ قدم. إنها حقا غاية في اللاعملية وغاية في اللاجدوى. إلا إذا عرّفنا بصورة مغايرة تماما الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي لا جدوى بدونها، أي ما تحتاجه الروح وليس مجرَّد الجسد. قد تكون بالفعل كفاءاتنا في البقاء، نحن البشر، ضئيلة تكاد تكون منعدمة. والصعوبة كامنة في رؤية الآخر يستعمل ما يعود لي, يستعمل رموزي الذاتية (أو التي ادعي بأنها لي) لما في ذلك من تهديد لهويتي المميزة. أما الرابي يهوشواع فله طرح آخر يقول بأن النار اشتعلت ليس بسبب الأملاك وأهميتها: "قال الرابي يهوشع السخنيني عن الرابي ليفي: كلاهما أخذا الأراضي، وكلاهما أخذا السلع، فعلى ماذا اختلفا؟ إنما يقول الأول: إن هيكل سليمان سيشيّد على أرضي، ويقول الآخر: بل سيشيّد على أرضي." يبدو أن هذا التفسير هو الأقرب إلى ظاهر الأمور, حيث يقدم كلاهما قربانا إلى الله فيقبل الأول ويرفض الآخر. وما الذي كان يريده كلّ منهما؟ أن يكون الابن المحبوب من الأب (أتخيل أن تتمة المدراش حول" حواء الأولى" تتطرق الى العلاقة - الاوديبية؟ - بالأم، إلا أن هذا الأمر الجوهري خارج عن حدود هذا المقال ). من الصعب أن نشعر بالتعاطف مع الذين يَقتلون ويُقتلون باسم ربهم، الذين يشعرون بالحنق فيظنونه يقتضي إراقة الدماء، هم الذين ينطقون باسم ربهم باطلا. إن دوافعهم الاصيلة السامية، إذا كانت بالفعل كذلك، لن تنقذهم من كونهم سافكي دماء. إن قايين، أول قاتل في التاريخ، حلت عليه لعنة الرب إلى ابد الآبدين، والذي يسعى إلى أنْ يظفر لذاته بأملاك أو بامرأة أو بالله جل جلاله يُطرد من حَضرة الربّ. (كان يمكنني إضافة هامش – مع أن الامر ليس هامشيا البتة – أقول فيه إن اليهودية لم تعلن الجهاد ولم تطبق نظام محاكم التفتيش على أي شعب من الشعوب, واللبيب من الاشارة يفهم...) وعلى أي حال فإن من الحماقة والتقاعس والخبث القيام بقتل الابن المفضل (وبيع يوسف يثبت ذلك) للاستحواذ على قلب الأب. فمن يخاف الله ويحب أباه حقا يواصل مغازلته فيخاطب وجدانه ويرجو ويتوسل ويصلي، وإن أخفق في كل ذلك تقهقر حزينا مطأطأ الرأس . فـ"لا تنهضن الحبيبة ولا تنبهنها حتى تشاء" (سفر نشيد الانشاد 2:17). كلمة أخيرة، وإن كانت غير ضرورية في هذا السياق، عن المرأة: " قال الرابي هونا: لقد ولدت مع هابيل توأم أخرى، فقال الأول: أنا آخذها لأنني البكر، فردّ الآخر: أنا آخذها لأنها ولدت معي، ومن هذا المنطلق" قايين قام على هابيل أخيه وقتله". إذن كلّ واحد من الأخوين حظي حسب هذا "المدراش" بامرأة، وهي المرأة التي كان سيتحقق فيها ما قال آدم في حينه: "هذه الآن عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت." (سفر التكوين، الإصحاح الثاني، 23)، وهي تلك التي يصبح معها لحما واحداً. أما الشجار فهو على المرأة الثانية، فأين هذا من "فخلق الله الانسان على صورته"؟ ليس هذا إلا تعبيراً إضافياً عن سلطة الإنسان على الإنسان، وبالفعل، فكل ظاهرة تعدُّد الزوجات في التوراة بدء بـ"ليمخ" الذي تزوج امرأتين إحداهما عادا والاخرى تسيلا ملونة بهذا اللون. مواجهة الظلام الداخلي مع قراءتي المدراش ثانية يسيطر علي ضعف الروح. هل هذا فعلاً نزاعنا الشخصي هاهنا الآن، والذي لو فككنا طلاسم جذوره وتصرفنا بما يكفي من الحكمة والسخاء أمكننا أن نحله، أم أنه مصيرنا منذ طُردنا من الجنة؟ أن نتنازع، أن نقاتل، أن نقتُل، أن نعرّف هويتنا بعكس هوية الآخر، أن نشدّ وثاق الحدود، أن نبرز الاختلاف، أن نفرق الشمل، حتى قبل أن نطرق "النزاع" ذاته. (هل كلمة "نزاع" هي الكلمة الصحيحة؟) السنوات الأخيرة تعزز تفكيري المتشائم حول الرغبة الإنسانية الجامحة في تسويد وجه الآخر، وتصويره بالسواد المطلق وإلقاء اللوم، كل اللوم، عليه، فإذا كان ثمة مثل ذلك الشخص فليظهر على الفور، أما إذا لم يكن فلنخترعه نحن. وإذا كان صعبا للغاية (صعبا حقاً، إذ لست أقولها بتهكم) مواجهة الظلام الداخلي فهيّا نشخصه في شخص الآخر.
لا أعتقد أن كلّ الشرّ الذي في العالم هو انعكاس للناظر فحسب. قطعا لا. فهناك أشرار حقيقيون خارج كلّ واحد منا، وإيّانا أن نحمل على كاهلنا النزيه المنصف أعباء هؤلاء الأشرار، ليس لأننا غير جديرين بذلك فحسب، بل ايضا لانه لن يتمخض عن ذلك أي تقويم، واللعنة على من يشفق على قساة القلوب. ولكن يبدو أن هذه ليست كلّ الرواية، ولا حتى جوهرها، فالحاجة العميقة للغاية، الوجودية والأخلاقية على السواء، لاستئصال الشرّ تتوخى تسمية الشر وتشخيصه وتمييزه عن غيره حالا، وهؤلاء (وليس هم فقط) يريدون تحديد هدف بصورة فورية. لكنني لا احمل الشكوك وحدها، والتردد، والإرهاق، و"ما الجدوى" وإنما احمل الغضب ايضا وهو عارم. إنه في غاية التنوّر والمنطق أن نأتي باسم التماثل المقدس لنتحدث عن حزنكم وحزننا، ولنقارن ونوازن ونفتح القلب لألم الأم وصراخ الطفل ويأس الجدّ المسنّ. وحقا، فالألم هو الألم، والظلم هو الظلم، ومن لم يسئ إلى غيره؟ ومن لم يسئ غيره إليه؟ ولنطلب المعذرة أيضا فأنا واثقة أن ثمة ما يستدعي ذلك، وتأنيب الضمير واقتراح التقويم والتنازل ومد اليد للمصافحة وتدخين نرجيلة السلام معاً والتعاون وتقديم العون. لكن أولاً وقبل كل شيء أريد الصراخ. اصرخ حتى تسمع آذانكم وتنفتح عيونكم وينفتح قلبكم. اصرخ إلى أن يبح حلقي لإن نياط قلبي قد تمزقت منذ أمد بعيد. كيف سوّلت لكم نفسكم أنتم - وليس أنتم لوحدكم - أن توصدوا الابواب بوجه لاجئي الحرب، وأنْ تطعنوا وتدوسوا بأقدامكم وتذبحوا من لم يجدوا موطئ قدم لهم؟ وقبل ذلك كيف اقترفتم مجزرة الخليل فيمن اشتروا منكم الأراضي ودفعوا لكم ثمنها كاملا؟ أين كرم الضيافة المشهور؟ لماذا شننتم الحرب؟ ألا يحتاج حتى العصفور الهارب إلى موطئ قدم ليرتاح؟ ألستم أنتم من لديه الكثير الكثير، وألسنا نحن من ليس لديه إلا القليل القليل؟! والمفتي الحج امين الحسيني الذي لم يغب عن ذاكرتنا. والـ" الأحداث" - يا لها من كلمة مهذبة - واللاسامية والتحريض و"شيطنة" الآخر والقتل ورسوم الكاريكاتير على شاكلة صحيفة در شتيرتمر النازية التي كانت تحرض الالمان على اليهود، والانتحاريون. كيف ذبحتم أصدقاءكم في الخليل؟ كيف رقصتم على سطوح البيوت؟ كيف لم ترحموا الأطفال والأمهات؟ والولائم الاحتفالية التي أقمتموها على أشلاء البشر وتوزيعكم الحلوى احتفاء بحرق الأطفال وهم أحياء. لقد تفننتم في خلق أشكال وألوان من الموت لنا! سؤال واحد: ما مصير ولد من أولادكم لو ضاع طريقه فوصل إلى حي من احيائنا، وما مصير ولد من أولادنا لو ضاع طريقه ووصل إليكم معاذ الله؟ كم هو عمل سليم أن نتحدث اليوم عن" الآخر " فهو أيضا له اسم ووجه وأحلام. والتاريخ الطويل علمني أنني أنا "الآخر". لا. لم أقع في الحفرة التي أسلفت في الحديث عنها، فأنا لا أعمّم ولا اعتبركم شياطين. ليست كلمة "عربي" كلمة مذمة بالنسبة لي، و"الفلسطيني" ليس معدوم الوجه والحقوق والمشاعر. فقد كنت التقي بكم أكثر في أيام خلت (أنتم أحببتم البيع وأنا أحببت الشراء، أين هي أيام السوق، السوق !) أين هي الأيام التي كنت ادفع فيها عشرة شواقل (أو عشر ليرات، من يتذكر؟) لإحدى النساء منكم لتعلمني في وسط السوق إيقاعا واحدا فقط على الدربكة؟ من نهب منا تلك الأيام؟ ومن الذي لم يخسر؟ تداعب خيالي تلك الذكرى الجميلة لصبيّة فلسطينية ترتاح في ساحة منزلي في حي نحلاؤوت المقدسي، وفي بعض أيام متفائلة ربما كانت موغلة في اليوطوبية ما زلت أتجرأ على نقل بعضكن بسيارتي. بسرور مشوب بالرعب. إني لا أنسى الظلم اللاحق بكم ولا أسد أذني عن آلامكم ولا حتى أؤيد جدار الفصل. لكنني أجد صعوبة بالغة في أن أكون صديقتكم وأعمل من أجلكم قبل انسلاخكم عن الكراهية وسفح الدماء واعترافكم بحقي في الوجود! أما الظلم والغبن اللذان نلحقهما بكم فكم منهما متعمد وكم منهما غير مقصود؟ كم منهما مع سبق الاصرار وكم منهما من اجل البقاء؟ والإرهاب الإسلامي العالمي. يبدو أنكم ستضطرون للاختيار. لست خبيرة بشؤون دينكم ولا أدعي إصدار الأحكام فيما يتطلبه منكم، لكن إذا كان دينكم يلزمكم بالمسّ بي والسيطرة عليّ وإذا كان يستبيح دمائي، فكيف سينشأ بيننا حوار؟ ولأي غرض؟
والمسالة السياسية أيضا ليست خارج الصورة. فقد بدأ ينشا بيننا أمر آخر هو أفضل لنا ولكم. (صحيح انه بطيء للغاية)، ومتى، ولماذا تعطل كل شيء وارتبك؟ بمنتهى الصدق. هل هو وقت الكلام أم وقت الصمت. ويوجد بيننا أشخاص قد تجسروا على الكلام فقد طفحت به اجسامهم وباتوا لا يقدرون على الصمت. ومن هؤلاء نطلب أن لا تتفهوا الامور. هيا لا نطمس ولا نغطي ولا نتستر على الفظائع، ولا نتخلى عن الآمال. بشجاعة ودماثة. بشجاعة الانسان المجبول على صورة الرب، وبدماثة "لست أنت المكلف بإنهاء العمل". قد أطلت أكثر مما كنت انوي، عدا عن أن القمر يضيء للمرة الثالثة منذ بدأت اكتب (مع بعض استراحات قصيرة، فلا بأس) وأنا اعتقد حقا أن الطريق ما زالت طويلة، طويلة. .. رحلة إلى الروح، رحلة إلى الثقافة، واشكّ في أن يكون عمري كافيا لذلك. إلا أن إيماني كبير بمعجزات قد تنتظرنا على الطريق ولا يقل عنه إيماني بالخطوة الأولى. الربانيت (زوجة حاخام) اسنات برفرمن شيوله محاضرة بدرجة محاضر اول للتوراة في المدرسة التوراتية للنساء "متان"
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |