|
العدد
28
| أيار - حزيران 2005
من خلال منظار البندقية يغمرني
الخمول |
|
|
||||||||
|
|
||||||||
|
|
||||||||
|
لن يبدو ذلك لائقا سياسيا، لكنني لا أشعر بأي تعاطف مع آلامك وأزماتك وأحلامك أو طموحاتك. لقد تحجر قلبي وخمل شعوري بعد رؤية أكوام هياكل الحافلات المحروقة والأشلاء المتناثرة في السنوات الأخيرة. يوجه غور سلومون الذي يخدم في الاحتياط بشكل منتظم رسالة إلى الفلسطيني الذي يراه من خلال منظار بندقيته لمدة شهر كامل كل سنة. كان اللقاء الأول بيننا من خلال المنظار البصري المركب على البندقية. في اليوم الأول من فترة خدمة الاحتياط، كنت أول جندي في السرية يتم إرساله إلى موقع حارس المعسكر لأحل محل الجندي المرابط الذي كان ينتظر بفارغ الصبر أنتهاء مناوبته الأخيرة. وكنت اظن أنّه سيهرول إلى غرف السّكن ويجمع عدّته قبل أن يترك الموقع المهمل. ولكني فوجئت به يتلكأ، يتفحّصني بنظرة متعجرفة ويقول: "أقدم لك البوابة والكشك والمقعد. احذر من الثعابين. لقد وجدنا بعضا منها هنا أمس الأول". بدأت قافلة سيارات الجنود المسرّحين حديثا تنساب نحو البوابة، تواكبها الملاحظات السّاخرة المنطلقة من السيارات المكيفة والتي تمثّل عادة متعدّدة السنين: "وي وي وي!؟"، "أمامك شهر كامل قبل الخلاص"، "يا لها من مصيبة!"، "أكثِرْ من شرب الماء". الرحماء منهم اكتفوا بإرسال نظرات الشفقة أو كانوا قد غرقوا في النوم. تبسّمت لهم بتحد. لا بأس، فبعد 26 يومًا، سيكون من حقي الاستمتاع بنفس الاحتفال. بعد ما ابتعدت القافلة، أغلقت البوابة وانا أتنفس الصعداء، فتفرغت لأتفحصك ولأتفحص بيئتي الجديدة، ولا توجد طريقة أفضل للقيام بذلك من النظر من خلال منظار البندقية الذي يكبّر ويقرّب. في منحدرات الوادي الغربية، تلوّنت المراعي الواسعة بلون ذهبي تحت الشمس الحارقة ضمن منظر تاريخي توراتي عذري لجنوب شرق السامرة، نحو ثلاثين كيلومترا إلى الشمال من القدس، وفي المنطقة المطلّة على غور الأردن من الأعالي. وضعت ماسورة البندقيّة في شق في الجدار مسندا خدي على الأخمص المرفوع وقربت عيني من المنظار, فرأيتك تنظر نحوي، لا تزال على بعد كاف لتبقى سمات وجهك غير واضحة. وعقدت العزم على الرّد بحسم فيما إذا حاولت الصعود إلى هنا لتؤذيني أو أحد رفاقي. بعد ذلك خرجت من البوابة، بشكل علني لكي تراني بوضوح واضعا إحدى قدميّ على صخرة لتدعم يدي التي تمسك بالبندقية وموجها ماسورة البندقية إلى الأمام. وكان استعراضا واضحا للقوّة هدفه الرّدع، يتلخص بوجود تواصل بين العينين وهو بالنسبة لجندي المشاة وسيلة عمليّة وضرورية للبقاء. إنه أسلوب غير مريح، ولكنه فعّال. تبدو صورتك أكثر ضبابية من خلال المنظار الليلي وهي تكسو الشاشة الخضراء الدائريّة التي تتوسطها نقطة الصفر الحمراء. لقد علمتني 15 سنة من الخدمة في سلاح المشاة التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي، أمضيت جزءا منها في الانتفاضة الأولى والقسم الآخر في جنوب لبنان - لقد علمتني (بشكلٍ غير رسمي، طبعًا)، أنه في معظم الحالات لا حاجة للتعارف أو الحديث، خاصة وأنّ قوانا خائرة منذ فترة، ناهيك عن أن الصيف حارق. المحاور المرسومة أنت تعرفني بالتأكيد, فلقد التقينا مرّات عديدة في الماضي: في غزّة ورفح، في بيت لحم والخليل، في طولكرم ونابلس ورام الله وجنين. أنا الذي أرتدي الأخضر وتحيط بجسمي صدرية واقية مصنوعة من السيراميك، أنا المدجج بالسلاح من أخمص قدمي إلى رأسي، أنا الذي تكرهني, ولكني انا ورفاقي لا تنمتع بشعبيّة كبيرة لدى وسائل الإعلام الدوليّة ولا بين أوساط اليسار الإسرائيلي المتطرف أيضًا. بالنسبة لنا، فقد أتينا للدفاع. سواء صدّقت أم لا، فإن هؤلاء الشّباب في القاعدة البعيدة على رأس التلة التي تطل عليك هم ممن يطلق عليهم خيرة شباب البلاد ونخبة الشعب الاسرائيلي. لنأخذ أوري على سبيل المثال، فهو قريبُ جدّا من الانتهاء من كتابة أطروحة الدكتوراة في البيولوجيا. إنه متخصّص في بحث الخلايا السرطانيّة. معه في الفصيلة ي. الذي سينتهي قريبا من كتابة أطروحة دكتوراة في علوم الإنسان الآلي في كليّة هندسة الآلات في معهد الهندسة التطبيقية "التخنيون". ويوجد هنا أيضًا رئيس فريق هندسة برمجة في إحدى شركات الهايتك الكبيرة بالاضافة الى عدد من المحامين وأحد أكبر المقاولين من أشدود والطلاب الجامعيين ومضيف طيران في شركة الطيران الاسرائيلية إل-عال ورجال أمن وضابط في الجيش يدرس الى جانب خدمته عِلم الحاسوب وإدارة الأعمال. بعضهم غير متزوجين والبعض الاخر متزوّجون ولهم أولاد. جميعهم أبناء نفس السرية، رفاقي في السلاح, وأنا فخور بهم جميعا.
الحمد الله على أننا لم نضطر، في إطار خدمتنا في الاحتياط، إلى مواجهة المعضلة الأخلاقيّة التي ستكون من نصيب الجنود الذين يستعدون في هذه الأيّام لإجلاء اليهود من بيوتهم. نكون بذلك قد تجنبنا رؤية المناظر القاسية، التي تعتصر لها القلوب والتي ستتحول إلى حقيقة في الأسابيع التالية. كذلك لم نواجه اختبارا للتلاحم الاجتماعي والانضباط الصارم اللذين يميزان سريتنا, وهو امتياز حقيقي كان من نصيبنا. هذا لا يعني بحال من الاحوال أنه لم تكن هناك اختلافات في الرأي, فالجميع هنا أصحاب رأي، منهم الصقور ومنهم الحمائم. منهم من يؤيد عملية الانفصال ومنهم من يعارضها. لكن الجدال، ولحسن الحظ، بقي على المستوى النظري, فلقد بقينا على الروتين المألوف ذاته وقام التلفزيون في النادي المُرتَجل ببث أنباء عما يحدث في البلاد، إلى جانب الموت الدماغي الذي تسببه مسلسلات "الأوبرا الصابونية" و"برامج الواقع" الترفيهية. رغم الانفصال – عن العائلة، عن ضوضاء عمليات سد الشوارع والمظاهرات الصاخبة والإجراءات العسكرية المتعلقة بعملية الانفصال - إلا أن وجودنا هنا أمام نافذة بيتك ليس غير ذي جدوى, فثمة حاجة للدفاع عن الطريق الذي يستخدمه يهود المنطقة للوصول إلى القدس. لقد قال بعضنا أن الانفصال الحالي عن غزة وشمال السامرة ما هو إلا البداية، وكأنه الفصل الأول. إن أبو مازن خاصتك يؤكد ذلك، بينما ينكره أريئيل شارون بشدة. وقد تكهن بعضنا بأن الهدف من وجودنا هنا، بعيدين عن عائلاتنا ومعرضين للأخطار الشخصية، هو نفس هدف وجودنا في جنوب لبنان فيما مضى, فهو مفروض علينا من المستويات العليا ولا فائدة فيه على المدى البعيد ويقترن بثمن اقتصادي باهظ، ومؤقت, يستمر الى ان ننسحب من هذه المنطقة أيضا. الأمل الذي خابعلى أي حال، سواء كان وجودنا هنا مؤقتا أم أبديا، فقد واصلنا تنفيذ المهمات المحددة بإصرار وعلى أحسن وجه. لقد انتابني أحيانا شعور بأن شيئا لم يتغير، حيث بقي العمل العسكري على ما كان عليه، تماما كما بقي الشعور بأن أبناءنا سيخدمون في الاحتياط بعد عشر سنوات وعشرين سنة. وقد نالت المحاور المرسومة على الخريطة، والتي لن أتطرق إلى خصائصها لاعتبارات واضحة، أسماء بقاع غريبة جذابة موزعة على مختلف أنحاء الكرة الأرضية يبدو أنها تعبر عن خفايا قلب من وضعها، في بحثه عن واقع بديل من الهدوء والسحر والبعد عن أي تجربة عسكرية.
لن يبدو ذلك لائقا سياسيا، لكنني لا أشعر بأي تعاطف مع آلامك وأزماتك وأحلامك أو طموحاتك. لقد تحجر قلبي وخمل شعوري بعد رؤية أكوام هياكل الحافلات المحروقة والأشلاء المتناثرة في السنوات الأخيرة. إنها، من خلال منظار البندقيّة، حرب بكل معنى الكلمة، وفي الحرب، كما هو معروف، هنالك القتلى والجرحى، وفي معظم الأحيان تكون هذه ضحايا بريئة لا حول لها ولا قوة. وللأسف، قد تكون أنت أيضا إحدى هذه الضحايا البريئة. لست أتمنى، والعياذ بالله، أن تموت أو تُصاب, غير أنني ببساطة أتجرأ على قول ما يفكر به كثيرون يواصلون حياتهم اليومية دون أن ينبسوا ببنت شفة, وقد يكون ذلك نابعا من الكبت. اعلم أنني لم أكن دائما "صقرا" إلى هذا الحد. فقد كنت أظن أنا أيضا، في مرحلة معيّنة من فترة وهم أوسلو، أن بصيصا من أمل يلوح في الأفق مبشرا بعهد جديد. ولو سألتني، "ماذا حدث لك منذ ذلك الوقت؟"، سأروي لك عن الألم الشديد الذي انتابني عندما رأيت الشباب والشابات يتخبطون في دمائهم في ساحة نادي "الدولفيناريوم" في تل أبيب، وعن الدموع التي انهمرت عن عيني عندما سمعت عن أبناء عائلة سخوفسخوردر – الأم والأب وأولادهم الثلاثة – الذين قُتلوا معا في فرع مطعم "سبارو" في القدس بلا ذنب اقترفوه سوى أنهم أرادوا تناول وجبة الغداء معا، وعن أولئك اليهود المسنين الذين نجوا من براثن النازية وتمكنوا من البقاء وقدموا إلى أرض إسرائيل رغم كل المستحيلات، وقُتلوا واحترقوا في انفجار لوبي فندق 'بارك' في نتانيا، عندما كانوا ينتظرون تناول عشاء عيد الفصح، وعن تلك الأم الإسرائيليّة التي لا يحضرني اسمها والتي كانت واقفة في مطبخ بيتها تجهز وجبة العشاء، حين تسلل إلى بيتها قاتل خسيس عبر النافذة او الباب، فهُرعت إلى غرفة طفليها الصغيرين اللذين كانا راقدين في سريريهما، وحملتهما في يديها محاولة حمايتهما وظلت واقفة في الغرفة تحتضن فلذتي كبدها بين ذراعيها موجهة ظهرها إلى السفاح، فتلقّت وابلا من رصاص الكلاشنكوف الذي اخترق جسمها وجسمي طفليها. ما هي الأفكار التي دارت في ذهنها في تلك اللحظات الأخيرة؟ لربما ظنت بسذاجة أن الرصاص غير قادر على النفاذ من جسمها إلى الطفلين. ما الذي اقدر على الشعور به؟ ربما أشعر بشفقة يرافقها ازدراء. شفقة عندما أرى حياتك البائسة, وازدراء لأنك لا تستطيع أو لا تريد أن تغيّر شيئا. اشعر بالازدراء بسبب المأساة والتاريخ والعجز الذي طالما تميزتَ به. لقد كنت دائما وحتى بأعين اخوتك في الدول المجاورة الابن الربيب غير المرغوب فيه. فعدا عن البلاغة الهائجة التي تهدف أساسا الى تسجيل النقاط لدى الرأي العام الداخلي لم تقم تلك الدول بأي عمل حقيقي لتساعدك على الخروج من الحضيض. لا أوهم نفسي وأنا أرى شعبي يتقطّع إربا إربا بأنه سيطرأ أي تغيير حتى بعد اكتمال خروجنا من القطاع ومن شمال السامرة. فالمعطيات الإحصائية تعزز التشاؤم. لقد أجري في شهر تشرين الثاني نوفمبر من عام 2004 استطلاع للرأي العام الفلسطيني وكان ذلك بعد فترة وجيزة من وفاة ياسر عرفات ("رئيسك" الأسطوري، الذي ظل على مدى سنوات يسرق مئات الملايين من الدولارات التي تبرّعت بها شعوب العالم، والتي كان الهدف منها تحسين ظروف حياتك، ولكن تم استخدامها عوضا عن ذلك في تنمية البنى التحتية للإرهاب), حيث تم طرح السؤال عن وجوب مواصلة إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على المدن الإسرائيلية، حتى بعد إتمام انسحابها الشامل. وقد أجاب 51% بنعم، بينما أجاب 42% بلا. وخلال عام 2002 كشف استطلاع آخر عن أن 26% فقط من أبناء شعبك يؤيدون وقف العمليات الإرهابية – حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وحتى بعد حصولكم على السيادة في الحرم الشريف. وحتى في هذه الايام، وفي وقت يتشاجر فيه اليهود ويسود الشعور باقتراب حرب أهلية، وفي حين امسيتم قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافكم، نراكم عاجزين عن الوفاء بوعودكم والتزاماتكم، ولو بشكل ظاهري. وما العجب في ذلك طالما أنّ قائدكم، أبا مازن، ما هو إلا دمية في واجهة الدكان, فأصحاب القرار الحقيقيّون على الأرض هم أمثال الحاج إسماعيل جابر وتوفيق الطيراوي وجبريل رجوب ومحمد دحلان. هم الذين يمتلكون البنادق والنفوذ، تماما كعصابات الشوارع المسيطرة؛ لقد أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي عن نيتهما توسيع رقعة أهداف صواريخ القسّام وقذائف الهاون بعد إتمام الانسحاب اليهودي، لتشمل أهدافا جديدة هي نتانيا وكفار سابا والقدس وتل أبيب المنحطة الليبيرالية المتنورة المعتدّة بنفسها. وإنني, ومن خلال معرفتي لأخوتك "المقاتلين"، "المسلحين الراديكاليين"، "رجال الميليشيات"، كما تفضل وسائل الإعلام الدولية تسميتهم، متأكد أنّهم يعنون كل كلمة يتفوّهون بها. فها نحن – الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتوق دائما للانتساب الى العالم النيّر المتحضر – نبذل قصارى جهودنا لنتعامل مع ما هو مجرّد كيان إرهابي. أين المقابل؟ هل هو كامن في ترسيخكم لمبادئ الديمقراطيّة؟ أم هو كامن في وفائكم بوعودكم؟ كلا ثم كلا. أنتم بالكاد قادرون على المبادرة إلى مشاريع بسيطة كشق شارع عاديّ ولا تطمحون حتى في سد فوّهات المجاري المفتوحة خارج أبواب بيوتكم بروائحها الكريهة وجرذانها، وهي الحالة التي يُقال بأنها تسهم كثيرا في إنجاب الشهداء. يا لها من مأساة! لا أكنّ البغض لك, ولا أشعر بالغيظ أو بالرغبة في الانتقام. يبدو لي أن علينا أن نقول الحقيقة. فبالنسبة للكثيرين منا في هذه السرية، وخاصة المقاتلين القدامى ممن ولدوا في السبعينيات، ينطوي المكوث هنا، أمام بيتك، على قدر كبير من الحنين والنوستالجيا والتشبث المستميت بذكريات الماضي: دولة ومجتمع إسرائيليان رحلا الى غير عودة وعصر من البراءة لم يكن زعماؤنا فيه فاسدين (أو على الأقل، ليس علنيّا) وكان هناك احترام للسلطة؛ وعندما نظرت تلك البنت إلى عدسة الكاميرا مباشرة لتقول "أنا جائعة"، نجحت – في الستّينات – أن تهز مشاعر دولة بأسرها؛ وكان الشيوخ يعيشون سنواتهم الأخيرة بكرامة. ويجد المرء نفسه الآن يحنّ إلى تلك الفترة التي لم يعرّض الناس فيها حياتهم إلى خطر الطعن بالسكين بسبب جدال حول موقف للسيارة؛ تلك الفترة, قبل أن يصبح المطربون ذوو "اللوك" الملائم رموزا ثقافية، وقبل ان ينظر الى جنود تم تدريبهم على القتال وحققوا ما كان مرجوا منهم اصلا، على انهم "مغفلون" يقدمون للمجتمع اكثر من الحد الادنى المطلوب. والآن وقد شارفت مناوبتي الليليّة على الإنتهاء، والتي أتاحت لي بساعاتها الطوال التفكير في هذه الأمور التي أطرحها عليك والمدرجة في هذه الرسالة، التي لن يتم ارسالها عبر البريد أو الإنترنت أو الفاكس او حتى الحمام الزاجل بل يقتصر بثها على أمواج توارد الخواطر, أفكر بيني وبين نفسي في أنّ هذه الحرب المتواصلة بيني وبينك جعلتنا رغم كل شيء اكثر خشونة وبالتاكيد أقل حساسية. فإلى اللقاء مرة أخرى بعد سنة من الآن. غور سلومون هو مراسل صحافي يعمل في صحيفة "ماكور ريشون"
|
|
|
| © كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004 |