العدد 28  | أيار - حزيران 2005

"إنه صراع من النوع الذي لا ينتهي باتفاقيات سياسية"
موران بيلد

 

 

مصدر يأس البروفيسور يوسيف بن شلومو هو ليس التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل، وإنما تنازل أجزاء كبيرة من الجمهور عن الناحية اليوطوبية من المشروع الصهيوني، مما يؤدي إلى التخلي عن الموقف الأخلاقي المتعلق بأرض إسرائيل. موران بيلد التقى في كدوميم الشخص الذي يناقش الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، بينما مطالبه موجهة إلى طرف واحد فقط هو الوعي الذاتي لدى الإسرائيليين.

كُتب في الصحافة الاسرائيلية عن البروفيسور بن شلومو أنه يائس. إلا أن هذا اليأس غير باد للعيان أثناء اللقاء، ولا حتى عند النقاط  التي كان جائزا فيها توقع ردود الافعال اليائسة مثل النقطة التي يتطرق فيها إلى الانفصال عن قطاع غزة وشمال السامرة. ربما لأن يأس بن شلومو تآكل منذ نشَر عام 1993 مقاله "بداية النهاية؟" في مجلة "ناتيف" وفي جريدة هآرتس في أعقاب التوقيع على اتفاقيات أوسلو، وربما لأن يأس بن شلومو لم يكن يوما يأسًا تواكبه عاصفة عاطفية، وإنما كان موقفًا مبدئيًا يمكن إرجاعه إلى أسلوبه البلاغي. منذ توقيع اتفاقات أوسلو وحتى يومنا هذا والبروفيسور بن شلومو يكرر كلامه المرة تلو الاخرى، وكأنه يهدف الى اشعال ضوء احمر ينذر  بالخطر الكامن في أن الأحداث التاريخية منذ أوسلو وحتى عملية الانفصال تؤكد في تقديره أن "معظم شعب إسرائيل لم تعد تهمه أرض إسرائيل".  

يوسيف بن شلومو رجل طويل القامة ذو شعر أبيض كثيف، متمرس في اللقاءات الإعلامية، فصيح اللسان، ثري اللغة، يتحدث بحماس ويرفع صوته بتصميم. فقد اعتاد خلال عمره البالغ 75 سنة على أن يعتبره الناس شخصية غريبة لكونه استاذا جامعيا وصاحب ايديولوجية يمينية في آن. إنجازاته مثيرة للإعجاب، فالبروفيسور بن شلومو هو من مؤسسي قسم الفلسفة اليهودية في جامعة تل أبيب ويتمتع كمحاضر بشعبية كبيرة جدا، إذ عادة ما تكون القاعات التي تقدم فيها دوراته في موضوع الديانة اليهودية والمذاهب الباطنية مكتظة بالطلبة. وعلى الرغم من مصارعته لمرض السرطان في هذه الايام، إلا أنه منكب على إنهاء كتابين اولهما مؤلف ضخم وشامل عن الحاخام  أفراهام كوك ويتناول الآخر الدين والباطنية، كذلك يعتزم العودة لتدريس الفلسفة اليهودية في الدورات التحضيرية للخدمة العسكرية في معيان باروخ وكفار أدوميم، كما فعل خلال الأعوام الثمانية الأخيرة.

   
في أحد اللقاءات التي شاركت فيها مع قادة فلسطينيين، قال أحدهم أن عائلته تعيش لمدة 800 سنة متوالية في القدس. قلت له أن لديهم كامل الحق في مواصلة العيش هناك، لكنني لا أتكلم عن أشخاص معينين عاشوا في هذه البلاد بشكل متواصل، وإنما عن رواية موازية للرواية اليهودية، تتناول الصلة الوطنية لمن يُسمى فلسطينيا. لم يطرح أحد من المشاركين في النقاش الهراء الذي طرحه عرفات حين قال إن اليبوسيين والكنعانيين هم الفلسطينيون، وكذلك يسوع.
 

بعد حرب الأيام الستة، مر بن شلومو بتحول أيديولوجي عميق. فقد وقّع في البداية على عريضة تطالب بحظر الاستيطان اليهودي في الخليل، إلا أنه كان بعد ذلك من أوائل المنضمين إلى حركة غوش إمونيم، حتى أنه شارك في عملية الاستيطان الأولى في سبسطية، وهو يعيش منذ أكثر من عشرين سنة في قرية كدوميم الواقعة الى الجنوب من مدينة نابلس. 

شارك بن شلومو بين العامين 1995-1996 في سلسلة من اللقاءات التي عُقدت خارج البلاد بين ممثلي المستوطنين وبين مندوبين كبار عن السلطة الفلسطينية. وكان من بين المشاركين في اللقاء الذي نظمه يوسف ألبر، المدير الإسرائيلي للجنة اليهودية الأمريكية في حينه، ويسرائيل هرئيل، رئيس مجلس مستوطنات يهودا والسامرة وغزة (ييشع) في حينه، وأوري أليتسور، رئيس تحرير مجلة "نكودا" لسان حال "ييشع" ، والبروفيسور عوزير شيلد. وشارك من الجانب الفلسطيني محمد دحلان وسفيان أبو زايدة وحسن عصفور وخليل الشقاقي والدكتور يزيد الصايغ، وهو محاضر في جامعة كمبريدج، وجميعهم من المشاركين في المفاوضات مع إسرائيل التي سبقت التوقيع على اتفاقيات أوسلو. وتوقفت هذه اللقاءات في أعقاب كشف الصحفي زئيف شيف عنها في صحيفة "هآرتس"؛ وأثار هذا الاكتشاف موجة غضب في المستوطنات، وتعرض منظمو اللقاءات لانتقادات شديدة.

خدعة الشعب الفلسطيني الكبيرة

ما الذي توقعتَ الحصول عليه في اللقاءات مع القادة الفلسطينيين في أكسفورد عام 1995؟

أردت شيئًا واحدًا فقط: الاستماع لما يقولونه في لقاء يمكنهم التحدث فيه بحرية، لأنها كانت ندوة مغلقة تمامًا. عرض كل منا موقفه، وبعد ذلك رددنا على أقوال كل واحد. وقد ألقيتُ محاضرة لمدة ثلاث ساعات حول صلة شعب إسرائيل التاريخية بأرض إسرائيل حيث أردت أن أعرض ذلك كدليل أساسي على أن هذه البلاد هي بلاد الشعب اليهودي حصرا ولا يمكن الزعم بأنها وطن لشعبين، لأن ذلك مستحيل استحالة أن تكون المرأة حاملا بعض الشيء. يمكن الاقتتال على إقليم معين، كما تتقاتل تركيا واليونان على قبرص، أو كما تقاتلت ألمانيا وفرسنا على الزاس لوران. أما الصراع عندنا فهو صراع لا مثيل له: يزعم كلا الشعبين أن أرض إسرائيل أرضه وموطنه. ولكن، هذا ايضا غير صحيح، فحتى قدوم الصهيونية لم تكن هذه البلاد معرّفة كأرض ووطن لشعب آخر سوى الشعب اليهودي. فقد كانت جزءً من إمبراطوريات مختلفة، وكل من تجرأ على التفكير في فصلها عن الإمبراطورية العثمانية، تعرض لهجمات من العالم العربي بأكمله.

في ذلك اللقاء رويت، إذًا، روايتنا، من أبينا إبراهيم حتى حرب الاستقلال: كما هي موثقة في الأدب وفي الشعر والوعي اليهودي الشعبي. لم استخدم حججًا لاهوتية – لم أقل إن الله بالفعل وعد إبراهيم بأرض إسرائيل – وإنما عرضت جوهر الرواية، أو ما يسمى اليوم "ناراتيف". قلت للمتحدثين الفلسطينيين الثلاثة: دعونا نسمع روايتكم: كيف ردّدتم أنتم على مدار ألفي سنة "في السنة القادمة في القدس"، كيف عاد "الفلسطينيون" دائمًا إلى البلاد لمحاولة بنائها، كيف بكيتم على امتداد جميع الأجيال على احتلال فلسطين على أيدي الرومان ومن أتى بعدهم. قلت لهم: لن نتحدث الآن عن القضية السياسية، وإنما سنستمع إلى رواية الشعب الفلسطيني الذي تاق دومًا إلى أرض إسرائيل. 

ماذا كان جوابهم؟

قال أحدهم أن عائلته تعيش لمدة 800 سنة متوالية في القدس. قلت له أن لديهم كامل الحق في مواصلة العيش هناك، لكنني لا أتكلم عن أشخاص معينين عاشوا في هذه البلاد بشكل متواصل، وإنما عن رواية موازية للرواية اليهودية تتناول الصلة الوطنية لمن يُسمى فلسطينيا. لم يطرح أحد من المشاركين في النقاش الهراء الذي طرحه عرفات حين قال إن اليبوسيين والكنعانيين هم الفلسطينيون، وكذلك يسوع. 

ولكن كيف تفسر وجود الشعب الفلسطيني؟

أكبر خدعة في القرن العشرين، وقد نجحت، هي أنه كان دائمًا في البلاد شعب فلسطيني، حتى أتى الاستعماريون من دول أوروبا، من بولندا وروسيا وطردوه. لا يوجد لذلك تغطية تاريخية. وعلى الرغم من ذلك، من المستحيل عدم أخذ الواقع بالحسبان، والواقع هو أنه يوجد اليوم كيان سياسي يمثل مجموعة معينة من العرب الذين يدعون أن أرض إسرائيل هي وطنهم التاريخي.

إنني أتفهم موقفهم وأفهم انه إذا كنت تؤمن بأن مجموعة من الناس أتت من الخارج وسلبت منك وطنك، يكون لك عندها حق في محاربتهم. لقد قال إيهود باراك، وبحق، إنه لو كان شابًا عربيًا، لكان انضم إلى منظمة إرهابية. أستطيع أن أفهم حربًا من أجل "قضية" يعتقد بعض الناس بأنها عادلة، ولكنني لا أعتقد بأن "قضيتهم" عادلة.

الأخلاقية مقابل البراغماتية

ألا ترى مشكلة أخلاقية في ما يدور اليوم في المناطق؟

في حال القيام بأعمال غير أخلاقية، فإنني أشجبها؛ الجندي أو الشرطي الذي يخرق القانون، يجب ملاحقته قانونيا. ولكن ليست لدي أية مشكلة أخلاقية بالنسبة لحقي في العيش في كل مكان في وطني التاريخي. لم آتي لآخذ أرض غريبة، لأنه لم تكن هناك أي مطالبة بهذه الأرض سوى مطالبة اليهود على امتداد 3000 سنة. أي شعب آخر كان يعتبر هذه البلاد وطنا له؟ 

والوضع الذي يعيش فيه إلى جانبنا أناس ليس لديهم وضع مدني مثلي ومثلك؟

هذه مشكلة عملية يجب حلها. لا طريق غير الاتفاق على التقسيم وإقامة دولة فلسطينية. لا أستطيع تجاهل حقيقة وجود جمهور هنا يعرّف نفسه بأنه شعب ويتصرف تصرف الشعوب وهو مستعد للقتل ولموت من أجل ذلك.  لا أؤمن بأنهم على حق، ولكن هذا لا يهم من الناحية البراغماتية، والسؤال هو ما الذي يجب عمله من أجل الحد من سفك الدماء المتبادل. سألت البروفيسور الفلسطيني من كمبردج الذي شارك في لقائنا: "في حال قيام دولة فلسطينية وإلى جانبها دولة يهودية في حدود العام 67، هل ستعترف بحق الشعب اليهودي في العيش في هذه الدولة؟". وكان جوابه: "Never" (أبدًا)، فسألته، إذا كان الأمر كذلك، فبعد أن نكون قد قدمنا كل التنازلات، ماذا أنت فاعل لو سنحت لك الفرصة في تحرير وطنك – يافا، حيفا، بيت شان، بئر السبع، وهي مناطق محتلة مثل كدوميم، فإذا كنا ننظر إلى الكلمات من خلال الاستقامة العلمية، فهي "منطقة تم احتلالها عبر استخدام القوة العسكرية". بدأ البروفيسور عندها يتلوى ويتملص من الإجابة، حيث قال أنه من ناحية أخلاقية فهو لن يعترف أبدًا بحقي في العيش في أي مكان من البلاد، إلا كمواطن في دولة ذات حكم عربي. إنني أصدق الفلسطينيين حين يقولون بأن البلاد كلها تابعة لهم. ولذلك فالصراع من النوع الذي لا ينتهي باتفاقات سياسية. ربما إذا صمدت الدولة اليهودية لمدة مئة عام وتوصل العرب إلى قناعة راسخة جدًا بأنه من غير الممكن إبادتها، قد يقبلون عندها بوجودها. وحتى يحين ذلك، فإنني متأكد من أننا لو انسحبنا من جميع المناطق، سنضطر بعد عدة سنوات إلى احتلالها من جديد، لأن العرب لن يوقفوا حربهم.        

الصهيونية والمسيحانية

لا يستند حق اليهود التاريخي في أرض إسرائيل، حسب بن شلومو، على تقرير المصير فحسب، إذ ثمة بُعد آخر يتجسد في تقديس تاريخ الحنين إلى صهيون أيضًا. لا يمكن اعتبار أرض إسرائيل وطنًا والعودة إليها مبدأ أخلاقيا إلا في حال تفسير مسيرة التاريخ  على انها عملية تطور استعدادًا للخلاص والعودة إلى صهيون. وهذا ما فعلته الصهيونية قبل قيام الدولة، عندما ربطت بين الواقع التاريخي المتعلق بالحنين إلى أرض معينة وبين الحق الأخلاقي في نفس الأرض. إن عبارتي "القدر" و "الشعب المختار"، اللتين استند إليهما أكثر من مرة القادة الكبار من امثال برل كاتسنلسون وبن غوريون، مستقاتان من الخطاب الديني، لأن القيم التي بُنيت عليها الصهيونية العلمانية كانت دائمًا ذات أفق مسيحاني يوطوبي.     

هذا هو الرأي الذي تعبر عنه ايضا الدكتورة يونا هداري في بحث قامت بإعداده ونُشر في مجلة "ناتيف" التي ينتمي بن شلومو لعضوية هيئة تحريرها، في كانون الثاني عام 2003 ("مجابهة ايديولوجية: مركز أريئيل واليسار الإسرائيلي" العدد 1 [90]، 2003). وقد أجري في نطاق البحث حوار بين البروفيسور بن شلومو والدكتور دافيد أوحانا، حيث تتناول هداري اقوال بن شلومو قائلة "إن ما يذهب اليه البروفيسور بن شلومو من فصل بين الحجة الدينية والحجة التاريخية الأخلاقية على حد قوله، هو فصل مفتعل ومصطنع ... فكل الحجج التاريخية الوطنية في الثقافة اليهودية حجج دينية ... قد يكون بن شلومو جرده من عناصره المتعلقة بالوصايا الدينية العملية، لكن ذلك لا يسعفه في القول بأن حجته في الحق في أرض إسرائيل حجة تاريخية أخلاقية وليست دينية".

صحيح أن البروفيسور بن شلومو يتجنب الإجابة على أسئلة تتعلق بكونه إنسانًا مؤمنًا قائلا أن ذلك أمر شخصي، ولكنه يعرّف نفسه في موقع آخر بأنه متدين ذو أسلوب حياة علماني، ويعترف بأنه لم يتخل قط عن البعد اليوطوبي. 

هل أيديولوجيتك مسيحانية؟ أتنطوي على أتواق طوباوية يوطوبية؟

بالتأكيد، فالصهيونية بحد ذاتها فيها مسحة "مسيحانية" ملهمة من دعاء النبي ارميا في سفر المراثي "جدِّد أيامنا كالقديم", وهي المسحة التي اتسمت بها الصهيونية منذ عهد من آذنوا بقدومها أمثال موشيه هيس، وتميز بها ايضا الكاتب أحاد هعام والحاخام افراهام كوك، بل وهرتسل كذلك, بمعنى أننا نريد أن نقيم في أرض إسرائيل دولة يهودية ربما يقتدي العالم أجمع بما ترسخه من قيم، كما سبق أن فعلت مرتين أولاهما في عهد التوراة والثانية في فترة نشأة المسيحية. إذا كنت تؤمن بأن للشعب اليهودي دورًا مميزًا في التاريخ، فهذا مفهوم مسيحاني. هناك العديد من الناس يراقبون اليهودية من الخارج منتظرين منا إنجاز دورنا هذا، لذلك يكثر ما نتعرض له من انتقادات، وإنني أقبل هذا المطلب شرط ألا يمس بقدرتنا على البقاء، علما بانه في الوقت الحالي تطالَب الدولة اليهودية بالامتثال لمعايير لا يطالب غيرها من دول العالم بالامتثال لها.

أليست وجهة نظرك علمانية بحتة؟

هي علمانية بمعنى أنها لا تتطرق إلى المصدر الارتقائي الموجود خارج الإنسان، ولكن لها بعد مثالي معين. يجب التمييز جيدًا بين من يؤمن بأن الله قال لنا بالفعل: "وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة"، وبين حقيقة القول بأن هذا قد قيل لشعب إسرائيل. لم يكن أي شعب قد سبق الشعب اليهودي الى الادعاء بأن كلاما من هذا القبيل قد قيل له. إن التاريخ يقر– حتى لو كنا لا نؤمن بالله – بأن شعب اسرائيل  قد أدى دورًا حاسمًا في تاريخ الإنسانية: إذ لولاه لما وجدت المسيحية ولا الإسلام، ويرى موشيه هس أنه لا يمكن أن يؤدي الشعب اليهودي المرحلة التالية من دوره إلا من داخل وطنه. ومن الواضح أن الحاخام كوك طور بشكل جد معمق الرابط بين الدين والصهيونية العلمانية.              

الفقدان الوعيوي للمشروع الصهيوني

في الواقع اليومي الذي يكون فيه النقاش الإيديولوجي الصهيوني ضبابيًا ويقوم في معظمه على شعارات خاوية، يوضح موقف بن شلومو جوهر الشق الذي حدث في أعقاب تنصل الصهيونية العلمانية من البعد اليوطوبي الذي تصبح أرض إسرائيل من غيره قضية لا تقدم ولا تؤخر. أحد المفكرين الذين يتبرؤون من الموقف اليوطوبي هو الدكتور دافيد أوحانا الذي يعلن ضمن نقاشه مع بن شلومو على صفحات "ناتيف" أن دولة إسرائيل ليس من الضروري أن تبقى قائمة في كل ظرف من الظروف وأن مسيحانية بن غوريون ما هي سوى وسيلة من وسائل تنظيم بناء أمة فتية "كان هدفها  تجسيد منظومة من المبادئ الأخلاقية اللائقة تضمنت الدعوة الى الاستيطان وتعبئة الشباب وربط أجزاء المجتمع المختلفة ببعضها البعض وتطوير العلم والفنون وتعزيز الجيش وتحصينه".

   
في حال القيام بأعمال غير أخلاقية، فإنني أشجبها؛ الجندي أو الشرطي الذي يخرق القانون، يجب ملاحقته قانونيا. ولكن ليست لدي أية مشكلة أخلاقية بالنسبة لحقي في العيش في كل مكان في وطني التاريخي. لم آتي لآخذ أرض غريبة، لأنه لم تكن هناك أي مطالبة بهذه الأرض سوى مطالبة اليهود على امتداد 3000 سنة. أي شعب آخر كان يعتبر هذه البلاد وطنا له؟
 

وعليه، فمصدر يأس البروفيسور يوسف بن شلومو هو ليس التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل، وإنما تنازل أجزاء كبيرة من الجمهور عن الناحية اليوطوبية من المشروع الصهيوني، مما يؤدي إلى التخلي عن الموقف الأخلاقي المتعلق بأرض إسرائيل.

ويقول بن شلومو: "مشكلتنا اليوم هي المشكلة التي كتب عنها الشاعر ناتان ألترمان في قصيدته الأخيرة:

عندها قال الشيطان:
هذا المحاصَر، كيف اقدر عليه،
وهو الشجاع المقتدر،
وله السلاح والدهاء؟
لن اخير قواه
ولن ألجم فاه
ولن ابث فيه الخوف
ولن أوتي يديه الرجف
إنما أوهن تفكيره
لكي انسيه حقه
هذا ما قال الشيطان
وشحب وجه السماء هلعا
حين شهدته ينهض متآمرا

ماذا كانت ردود الفعل على ذلك المقال؟

ردّ العديد من الناس على المقال، وكانت ردود افعالهم غير موضوعية على الاطلاق؛ ولكن سألني البروفيسور مناحم برينكر، وبحق، في معرض رده، عما إذا كنت سأبلغ نفس الدرجة من اليأس لو كان يتسحاق رابين يبكي خلال اللقاء مع عرفات عند التوقيع على اتفاقيات أوسلو. وكان جوابي بالايجاب, غير أن الرقص عمّ شوارعنا وأنا اتساءل علام الفرح حين يتم تسليم أجزاء من أرض الآباء - عن بيت أيل وعن مغارة مكفيلة (مشهد ابراهيم) وعن بيت لحم وقبر راحيل (مسجد بلال بن رباح). يجدر على الأقل البكاء على تسليم هذه الأماكن التي تحمل معاني تاريخية. أستطيع أن أتفهم الفلسطينيين، أما الذين لا أفهمهم فَهََُُم المثقفون اليهود. لم يجبني أحد على قولي: كيف يمكنك أن تسكن في الشيخ مؤنس (هي قرية عربية سابقا أقيمت على أنقاضها جامعة تل أبيب – المترجم) وأن تعيش في بيت عربي في حارتي البقعة والقطمون المقدسيتين، وتتهمني في نفس الوقت بأنني محتل في كدوميم التي لم آخذ فيها سنتيمترًا واحدًا من الأرض العربية. إن الجواب الذي ينص على أن "الأمم المتحدة قررت ذلك" ليس جواب أخلاقيًا. فما قررته الأمم المتحدة يتعلق بحدود العام 47، وعدا ذلك فجميع الأراضي محتلة: يافا محتلة، بئر السبع محتلة، القطمون محتلة، رمات أفيف محتلة. أما إذا كان الحديث مقتصرا على المستوى البراغماتي دون المستوى الأخلاقي، فموقفي متطرف جدًا: يجب الانسحاب انسحابا كاملا يشمل القدس الشرقية، لنستطيع بعد ذلك، وحين لا يؤدي هذا الانسحاب إلى السلام، القول إننا فعلنا كل ما في وسعنا ولكن عبثا. غير أنه من الواضح أن الأغلبية العظمى من الجمهور سوف لا توافق على هذه التنازلات، لنكون قد خسرنا كل شيء.

في حال قيام دولة فلسطينية على كل أراضي العام 67، ألن يكون ذلك ضياع المشروع الصهيوني؟

ضياع المشروع الصهيوني ليس ناشئا عن قرار أو اتفاق سياسي معين، وإنما عن رد فعلنا على التنازل عن أجزاء من أرض الوطن. ولكن مثل هذا التنازل ينطوي على الغباء من الناحية البراغامتية أيضًا. لو كنت متأكدًا من أنه لن يُقتل بعد ذلك شباب في سن 18 عامًا لأعطيت حائط المبكى أيضًا، لأن حقن الدماء اهم من أي وصية، ولكن من غير المعقول التصديق بان مثل ذلك ممكن الحدوث. ألم يقل الملك حسين نفسه لرابين:"هل تصدق الفلسطينيين؟". هذا أمر يجب تعلمه من التجربة، والتجربة ليست جيدة, فالفلسطينيون لم ينفذوا الأجزاء الأساسية من اتفاق أوسلو المتضمنة نزع سلاح المنظمات الإرهابية ووقف التحريض على هدم دولة إسرائيل في وسائل الإعلام وجهاز التعليم الفلسطيني. لماذا أصدقهم الآن إلى حد الموافقة على دولة فلسطينية على بعد 12 كيلومترًا من نتانيا وأربعة كيلومترات من كفار سابا؟ وفي الحقيقة إجد نفسي في موقف تناقضي جدا، لأنني آمل بأنني لست على حق في جميع ادعاءاتي هذه. ولكن لأننا سنصل إلى جميع التنازلات تحت ضغط دولي  ورغبة في إعطاء "فرصة للسلام"، سيتضح الأمر بشكل جلي، وعندها ربما ينتصر العرب في هذا النزاع.     

  

 اشترك في المجلة    إلى رأس الصفحة
© كل الحقوق محفوظة لإيرتس أحيرت 2004